فضاء الأطلس المتوسط نيوز/ بقلم الأستاذ محمد خلاف
وقفتُ اليوم في الميدان الذي شهد أولى ركضاتِ حلمي، فأنكرتني الحجارة. لم تكن لاربعا يوماً مجرد "عقارات" أو خرائط صماء، بل كانت كائنا يتنفس معنا؛ كانت لنا "أماً" من طينٍ وحكايا، والآن أراها قد استبدلت جلدها الدافئ بمسوحٍ من زجاجٍ بارد، يكسر الضوء ولا يمتصه، ويعكس الوجوه ولا يحفظها.
كيف استطاع "الوحش الإسمنتي" أن يلتهم حدائق طفولتنا بهذه الشراهة؟ لقد جففوا السواقي التي كانت تثرثر بالحب، وبنوا فوقها جدرانًا شاهقة، لا تطل على الجيران بل تطل على "الفراغ". إننا نعيش في مدينة تتسع مساحتها، لكنها تضيق بأرواحنا. أصبح الانتماء مجرد "وثيقة" في أرشيف، بعد أن كان نبضاً في سلام العابرين، ورائحة خبزٍ يقتسمه الجوعى بكرامة الأنفس العفيفة.
لقد "حدثوا" الشوارع، لكنهم "هدموا" الإنسان. زرعوا أعمدة الإنارة الباردة، واقتلعوا "نورانية" الوجوه التي كانت تشرق بالصدق. صار الضجيج لغة، والزحام غاية، وأصبحت المقاهي التي كانت صالونات للأدب والفكر، مجرد "بورصات" للمصالح الضيقة، يتصيد فيها تجار "الفرص" أحلام البسطاء.
"ليس المغترب من غادر أرضه، بل المغترب من بقي في أرضه ولم يجد فيها ملامحه."
دوما أبحثُ في الوجوه عن "الجار" الذي يقرأ وجعك قبل أن تنطق، فلا أجد إلا مرايا مهشمة. أين ذهب زمن "النية"؟ ذلك الزمن الذي كانت فيه الكلمة عهداً، والبسمة رقية. اليوم، يمتطي المنصاتِ مَن يبيعون الوهم في علبٍ مزخرفة، ويقود المشهد "مثقفو الواجهات" الذين يتقنون رصف الكلمات ولا يعرفون ملمس جراح الناس. لقد تحولت الرياضة إلى مقامرة، والثقافة إلى استعراض، والمدينة إلى "سلعة" معروضة في مزادات السماسرة.
ورغم هذا الرماد الذي يغطي وجه مدينتي، ما زلتُ أشمُّ في زوايا المساجد العتيقة، وفي تجاعيد كفوف العجائز، رائحة "الأصل" التي لا تُقهر. لن أعلن الهزيمة أمام طوفان "التحديث المشوه". سأظل أؤمن أن المدينة ليست أرصفة مرصوفة بالرخام، بل هي "ضمير" يسكن في صدور الشرفاء.
إن التغيير الحقيقي لا يأتي بآلات الهدم وبناء الأبراج، بل ببعث "الحياء" في النفوس، وترميم "الغيرة" على هذا التراب الذي امتزج بعرق الأجداد. سنبقى هنا، نزرع الحلم في الشقوق، وننتظر اليوم الذي تنفض فيه مدينتنا غبار الجشع عن ثوبها، لتستعيد طهرها الضائع.
يا مدينتي..
ستبقى "زيتونتك" المبتورة شاهدةً علينا، وسيسقيها دمع المخلصين حتى تورق من جديد، فالحقُّ كالبذر، مهما طمره الإسمنت، سيجد يوماً ثغرةً لينبثق منها نحو الشمس.
إننا لا نحارب الإسمنت لأنه صلب، بل نحاربه لأنه يحاول تأطير أرواحنا السائلة في قوالب ضيقة. قد يملكون الأرض، وقد يشيدون فوقها ناطحات السحاب، لكنهم أبداً لن يمتلكوا 'الصدى' الذي يتردد في أزقتنا القديمة. سنبقى نحن الغرباء بملامحنا، المنتمين بجراحنا، ننتظر اللحظة التي يدرك فيها هذا العالم أن المدن بلا 'ذاكرة' هي مجرد مقابر شاهقة، وأن العودة إلى 'النية' ليست نكوصاً للماضي، بل هي طوق النجاة الوحيد من غرقٍ محتوم في لجج الزيف...
وفي نهاية هذا الصخب، سيكتشف تجار الأوهام ومثقفو الواجهات حقيقةً واحدة: أن المدن التي تُبنى على أنقاض 'الإنسان' هي مدن من ورق، تذروها رياح الحقيقة عند أول اختبار للضمير. سنظل هنا، مرابطين عند جذع الزيتونة المبتورة، فليس المهم أن نعيش في مدن حديثة، المهم أن تظل 'المدينة' تعيش فينا.. نقية، عفيفة، ومضاءة بنور الله لا بكهرباء المادة."
وكأنني في غمرة هذا الزحام، أردد مع الريح وصية الأرض التي لا تموت، واختصار الحكاية التي بدأت بـ 'أم' وانتهت بـ 'سلعة'، لكنها ستعود يوماً لتكون 'وطناً':
بَنيتمْ لِلزجاجِ صُروحَ وَهمٍ ... ونحنُ الروحُ في صرحٍ تبنيهِ
ولو بتروا غصونَ الزيتِ جهلاً ... فإنَّ الجِذرَ مَحضُ الصِدقِ فيهِ"







0 التعليقات:
إرسال تعليق