فضاء الاطلس المتوسط نيوز/أحمد زعيم
في بعض الدوائر القيادية والإدارات الترابية، لا يبدأ الأسبوع الإداري دائما يوم الإثنين، ولا ينتهي بالضرورة يوم الجمعة، خصوصا مع إقتراب نهاية السنة.
فهناك زمن آخر غير مكتوب، يتحرك خارج التوقيت الرسمي، ويُدار بمنطق الإيحاء لا التصريح، وبالإنتظار لا بالقرار.
يتوجه المواطن إلى الدائرة القيادية حاملا ملفا مكتمل الشروط، ومستوفيا للوثائق القانونية المطلوبة، خاصة وثائق ترخيص البناء أو الإصلاح.
بل وأكثر من ذلك، يمارس حقه في الإخبار أو الإستشارة فقط، رغم أن النص القانوني لا يلزمه بذلك.
خطوة تُفهم على أنها تعبير عن حسن النية، وإحترام للمساطر، ورغبة في تفادي أي تأويل أو إرتباك لاحق.
غير أن هذا السلوك الإيجابي لا يُقابل دائما بما يستحقه من تعامل إداري سليم.
ففي بعض الحالات، يواجه المواطن ممارسات داخل القيادات لا تراعي أبسط قواعد المرفق العمومي، سواء من حيث أسلوب الإستقبال أو إحترام الفضاء الإداري،
لتبدأ بعدها مرحلة الغموض المقصود: ملاحظة فضفاضة عن "نقص ما"، دون سند قانوني واضح، تنتهي بدعوة إلى العودة في "موعد لاحق" ، غالبا ما يكون يوم الجمعة.
في الظاهر، يبدو الأمر إجراء إداريا عاديا، لكن في العمق، يحمل هذا التوقيت دلالات تتجاوز الصدفة.
فاختيار نهاية الأسبوع الإداري أو فترات العطل يتزامن مع تراجع المراقبة الميدانية المتعلقة بالبناء العشوائي، وتوقف أغلب لجان التتبع بحكم عطلة السبت والأحد أو عطلة آخر السنة.
وهنا، يتحول التوقيت من أداة لتنظيم العمل إلى هامش رمادي بين القانون وتطبيقه.
داخل هذا الهامش، تنتشر تأويلات مقلقة، مفادها أن بعض الممارسات غير المعلنة قد تجد طريقها خلال هذه الفترات "الميتة" إداريا، حيث تُنجز أشغال أو تُمرر وضعيات دون المرور عبر القنوات الطبيعية للمراقبة.
هي ممارسات لا تُقال صراحة، ولا تُوثق كتابة، لكنها تُفهم بالإشارة وبالصمت، وبإعادة ترتيب المواعيد.
الخطورة لا تكمن في واقعة واحدة، بل في تحول هذا السلوك إلى ثقافة ضمنية، تُقوض مبدأ المساواة أمام القانون، وتزرع الشك في حياد المسؤول ، وتدفع المواطن، بشكل غير مباشر، إلى الإعتقاد بأن إحترام القانون وحده لا يكفي، وأن المساطر قد تُستعمل أحيانا كوسيلة ضغط بدل أن تكون ضمانة للحق.
هذا الواقع يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يؤكد، في أكثر من مناسبة، على تخليق الحياة الإدارية، وتقريب الإدارة من المواطن، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما يتعارض مع دوريات وزارة الداخلية المتعلقة بمحاربة البناء العشوائي، ومع التوجيهات الملكية السامية التي شددت على ضرورة احترام القانون وحماية صورة المغرب من كل ما يشوهها.
إن تعطيل الملفات المكتملة أو دفعها نحو توقيتات رمادية لا يمكن إعتباره خللا تقنيا بسيطا، بل مساسا مباشرا بجوهر الإصلاح الإداري وضربا لثقة المواطن في مؤسساته.
فالقانون لا يقاس فقط بنصوصه، بل بكيفية تنزيله، وبوضوح مساراته، وبإحترام الزمن الإداري للمواطن.
القيادة التي يحتاجها المواطنون اليوم هي قيادة تُجيب ولا تُلمح، تُقرر ولا تُؤجل، تُطبق القانون دون إنتقائية، وتحمي نفسها قبل غيرها من الشبهات.
أما حين يصبح الصمت أسلوبا، والتأجيل قاعدة غير مكتوبة، والتحايل وسيلة ملتوية للإبتزاز، فإن الأمر لا يعود تقنيا فقط، بل أخلاقيا ومؤسساتيا بإمتياز.
ويبقى السؤال المشروع مطروحا بإلحاح:
هل ما نعيشه حالات معزولة، أم أعراض ظاهرة أوسع تتطلب تشخيصا صريحا وإرادة حقيقية للإصلاح؟
فكفى إستهتارًا بمصالح المواطنين، وكفى التفافا على القوانين، لأن البناء العشوائي لم يعد مجرد خرق إداري، بل تشويها لصورة الوطن وكارثة حقيقية على المواطنين والمواطنات.








.jpg)




