فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
مع تولّي محمد نبيل بنعبد الله مسؤولية وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، عقب مراسم تسليم السلط يوم 16 أكتوبر الجاري، يتجدد السؤال حول الملفات الإدارية والمهنية التي تنتظر المعالجة، ومن بينها قرارات إنهاء مهام مسؤولين إقليميين وما أثارته من نقاش بشأن معايير التقييم وحدود الإنصاف في تدبير الموارد البشرية.
ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بإلغاء قرارات سابقة لمجرد تغير المسؤول عن القطاع، أو بالدفاع عن أشخاص بمعزل عن حصيلتهم، وإنما بطرح سؤال مؤسساتي واضح:
هل استندت تلك القرارات إلى تقييمات موضوعية موثقة، وهل أُخذت بعين الاعتبار النتائج المحققة وظروف العمل والإكراهات المحلية؟
إن المرجعية السياسية التي ينتمي إليها الوزير الجديد، وما يعلنه حزب التقدم والاشتراكية من تمسك بالعدالة الاجتماعية والدفاع عن المدرسة العمومية، ترفع سقف الانتظارات بشأن معالجة هذه الملفات. غير أن الإنصاف المطلوب يظل مسؤولية مؤسساتية، لا منّة حزبية ولا امتيازاً يُمنح على أساس القرب أو الانتماء.
& إعفاءات تستدعي توضيح المعايير
شهد قطاع التعليم قرارات إعفاء شملت مسؤولين إقليميين، من بينهم المسؤولان عن مديريتي إفران وصفرو.
وقد ربطت تغطيات إعلامية هذه القرارات باختلالات تدبيرية وتعثر في تنزيل بعض البرامج، فيما عرضت تغطيات أخرى اعتراضات على إعفاء المدير الإقليمي السابق بإفران، ميمون أغيل، وشككت في وجاهة الإجراء.
وتبقى هذه روايات منشورة لا تغني عن الاطلاع على المعطيات والتقييمات الإدارية التي استندت إليها القرارات.
وهنا تكمن أهمية التوضيح: فلا يكفي تداول اتهامات بالتقصير للحكم على مسؤول، كما لا تكفي شهادات الإشادة بأدائه لنفي كل ملاحظة على تدبيره...
المطلوب هو الاحتكام إلى مؤشرات محددة، ومعايير منصفة، وتمييز واضح بين مسؤولية المدبر الفردية والإكراهات التي تتجاوز صلاحياته.
فإنهاء المهام ليس، في حد ذاته، دليلاً كافياً على ثبوت إخلال مهني، مثلما أن تسجيل نتائج إيجابية في برنامج معين لا يعفي صاحبه من تقييم باقي جوانب المسؤولية. وبين الأمرين، تبرز ضرورة بناء القرار على قراءة شاملة للأداء، لا على انطباعات متعارضة.
& حالة إفران.. حصيلة تربوية وأسئلة حول خلفيات الإعفاء
وتبرز حالة المديرية الإقليمية بإفران ضمن الملفات التي تستحق المراجعة، بالنظر إلى النتائج اووالنؤشرات التي سجلتها خلال فترة تدبير المدير الإقليمي السابق، ميمون أغيل، فالمديرية حققت المرتبة الأولى جهويا خلال 2022/2026، وصنفت من ضمن العشر الاوائل وطنيا (المعطيات متوفرة في موقع الوزارة).
وهي حصيلة تستوجب استحضارها ضمن أي تقييم شامل لأدائه، دون اختزال المسؤولية الإدارية في مؤشر واحد، أو إغفال ما تحقق من نتائج.
كما أن قرار إنهاء مهامه لا يمكن تناوله بمعزل عن الخلاف الذي سبق أن اثارته مقالات صحفية بشأن تنفيذ اتفاقية الشراكة المتعلقة بتدبير وتسيير مسبح أزرو خلال فصل الصيف، ولا سيما الالتزام بأداء فواتير استهلاك الماء، وهو خلاف ارتبط، بحسب المعطيات التي تناولتها تلك المتابعات، بعدم وفاء الجماعة بالتزاماتها في هذا الجانب.
وقد أثار هذا الخلاف، وما رافقه من توتر في العلاقة بين الطرفين، تساؤلات محلية بشأن مدى تأثيره في مسار العلاقة مع المسؤول التعليمي، وصولاً إلى قرار إعفائه.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى توضيح الأسس الإدارية والتقييمات المهنية التي استند إليها القرار، بما يبدد الالتباس حول خلفياته، ويفصل بين تقييم الأداء والخلاف حول تنفيذ التزامات الشراكة.
فالمطلوب ليس تحصين أي مسؤول من المحاسبة بسبب نتائج إيجابية حققها، وإنما ضمان ألا تتحول الخلافات بين المؤسسات إلى عامل يؤثر في تقييم الكفاءات أو استمرارها في المسؤولية.
وتلك هي الشفافية التي يمكن أن تنصف المعني بالأمر، كما يمكن أن توضح سلامة القرار إذا كانت له مسوغات مهنية ثابتة.
فالمصلحة العامة تقتضي حماية الإدارة من التأثيرات غير المشروعة، كما تقتضي حماية الأشخاص من انزلاقات سياسية تخلط الاوراق في اسناد المهام والتحكم فيها بعيدا عن الكفاءة والمسؤولية الادارية.
& المراجعة لا تعني التراجع عن المحاسبة
لا تعارض بين مراجعة قرار إداري وربط المسؤولية بالمحاسبة، بل إن المراجعة الجدية قد تؤكد سلامة القرار، وقد تكشف حاجة إلى تصحيحه.
وفي الحالتين، تكون المؤسسة قد عززت مصداقيتها بالاحتكام إلى الوقائع.
وإذا ثبت وجود إخلالات تدبيرية، فإن معالجتها ينبغي أن تستند إلى تحديد المسؤوليات بدقة...
أما إذا أظهرت المراجعة أن التقييم أغفل عناصر جوهرية، أو أن القرار لم ينصف المعني به، فإن تصحيح الوضع يصبح تعبيراً عن قوة الإدارة وقدرتها على المراجعة، لا عن ضعفها.
كما أن الاستفادة من خبرات الأطر التي أُنهيت مهامها تظل مسألة تستحق النظر.
فالمطلوب ألا يتحول تغيير المسؤولية إلى تعطيل للكفاءة أو إهدار للتجربة، بل إلى تدبير للموارد البشرية يوازن بين حاجات المرفق ومؤهلات أطره.
& المدرسة العمومية تحتاج إلى الثقة أيضاً
إن إصلاح التعليم لا يقوم على البرامج والتجهيزات وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى مناخ مهني يشعر فيه الفاعلون التربويون والإداريون بأن جهودهم تخضع لتقييم واضح، وأن أخطاءهم، إن وُجدت، تُناقش بمعايير منصفة، وأن مسارهم لا تحكمه علاقات النفوذ أو تبدل الموازين المحلية.
ومن هذا المنطلق، يظل فتح ملف الإعفاءات على مراجعة موضوعية مطلباً يخدم المؤسسة قبل الأشخاص.
فلا المطلوب إعادة الجميع إلى مناصبهم دون تقييم، ولا تثبيت جميع القرارات السابقة باعتبارها فوق المراجعة، وإنما اعتماد مسار يوضح الأسباب، ويميز بين الحالات، ويعيد الاعتبار لمن يثبت أنه لم يُنصف.
ويبقى السؤال المطروح على الوزير الجديد:
هل تشكل هذه المرحلة فرصة لترسيخ تدبير يجعل الكفاءة أساس إسناد المسؤولية، والتقييم الموضوعي أساس استمرارها أو إنهائها؟
فالمدرسة العمومية لا تحتاج إلى حماية المسؤول من المحاسبة، وإنما إلى حمايته من التعسف، ولا إلى تحصين القرار من المراجعة، وإنما إلى تحصينه بالوضوح والإنصاف.









































