فضاء الأطلس المتوسط نيوز / محمد عبيد
في خضم النقاش حول الاستحقاقات التشريعية المقبلة، عبّر أحد القراء - من بين المتابعين الأوفياء لكل نشراتنا وتشريح بعضها بقراءة عميقة والتعليق عليها بكل موضوعية وعقلانية، وفي صلب الموضوع شكلا ومضمونا- (عَبَّر) عن فكرة لافتة: "جيل اليوم، جيل الإنترنت، لم يعد من السهل استمالته ببعض الكلمات الجاهزة، أو بالمشاركة في رقصة مع فرقة أحواش، أو بالظهور إلى جانب الفقراء وتقاسم وجبة مع المحتاجين. فهذه المشاهد، التي كانت تُستعمل لإظهار القرب من الناس، لم تعد كافية لإقناع ناخب شاب يطالب بالمضمون ويبحث عن الحصيلة."
الفكرة قادتنا لتوسيع مضامينها وعمقها حيث يمكن القول بأن المشاركة في المناسبات الثقافية قد تبدو تعبيراً عن احترام الهوية المحلية، غير أن جيل الإنترنت بات أكثر قدرة على مساءلة الصورة والبحث عن خلفياتها.
فالكاميرا لم تعد حكراً على الإعلام، بل أصبحت في يد كل مواطن، وأي مشهد انتخابي يمكن أن ينتشر خلال دقائق ويخضع للتعليق والمقارنة.
لم يعد الناخب الشاب يكتفي برؤية المرشح وهو يزور حياً مهمشاً أو يشارك في مناسبة ثقافية.
أصبح يطرح أسئلة مباشرة: ماذا فعل قبل الحملة؟ أين كان خلال الولاية السابقة؟ ما مواقفه من التعليم والصحة والشغل والنقل؟ وهل تحولت وعوده السابقة إلى مشاريع ملموسة؟
هذا يعكس انتقالاً من سياسة الانطباع إلى سياسة التحقق. فالمرشح لم يعد يتحكم وحده في صورته، لأن المواطنين قادرون على توثيق الواقع ومقارنة الخطاب بالممارسة واستعادة التصريحات السابقة.
غير أن جيل الإنترنت ليس محصناً تماماً ضد الدعاية، فالمنصات الرقمية تكشف التناقضات، لكنها قد تكون أيضاً مجالاً للشائعات والأخبار الزائفة والحسابات الوهمية.
لذلك فإن الرهان الحقيقي ليس في استبدال خطاب بآخر، بل في بناء وعي نقدي يميز بين المعلومة والدعاية، وبين النقد والتشهير.
كانت الحملات في الماضي تجري في ظل وسائل تواصل محدودة، وكان المرشح يملك قدرة أكبر على التحكم في خطابه. أما اليوم فقد انتهى زمن الرسالة الوحيدة... أي مواطن يستطيع تسجيل تصريح ونشره، وأي تناقض يمكن أن يتحول إلى موضوع للنقاش العمومي.
وهذا يضع شيوخ السياسة أمام واقع جديد...
الخبرة والعلاقات تظل مهمة، لكنها لم تعد كافية للتأثير في ناخب يتابع النقاشات الوطنية والمحلية ويقارن بين التجارب.
هذا الجيل لا يقيس المرشح بقربه من الأعيان أو بقدرته على تنظيم التجمعات، بل بقدرته على التواصل المستمر والإنصات واحترام ذكاء الناخب.
الشباب قد لا يرفضون الثقافة الشعبية أو اللقاءات الميدانية، لكنهم يرفضون أن تتحول إلى بديل عن البرنامج.
فالرقص مع أحواش او أحيدوس قد يكون اعتزازاً بالهوية، لكنه لا يعوض غياب تصور تنموي، كما أن الأكل مع الفقراء لا يصبح إنجازاً سياسياً إذا لم يتحول التعاطف إلى التزام، والالتزام إلى قرار، والقرار إلى أثر ملموس.
لا يمكن إنكار قيمة مشاركة المواطنين أفراحهم وأحزانهم، لكن الفارق كبير بين تضامن حقيقي ومستمر، وبين ظهور موسمي أمام الكاميرا بحثاً عن صورة مؤثرة.
السياسة ليست مسابقة في تمثيل القرب، وإنما اختبار للقدرة على معالجة القضايا.
لذلك قد يسأل الناخب الجديد: هل سيظل المرشح قريباً بعد الحملة؟ هل سيفتح قنوات للتواصل؟ هل سيقدم حصيلة دورية؟ وهل سيعترف بتعثراته بدل الاكتفاء بتسويق النجاحات؟ إن تحويل الفقر إلى خلفية للصورة بدل اعتباره قضية تحتاج حلولاً لم يعد مقنعاً.
حين يقال إن الانتخابات المقبلة ستكون "بوجه آخر"، فذلك يعني بروز أدوات جديدة: الاعتماد على الفيديوهات القصيرة والبث المباشر، حضور أقوى للشباب في النقاش، سرعة انتشار الصور والمواقف المتناقضة، مساءلة المرشحين عن حصيلتهم، ظهور مبادرات لمقارنة البرامج، وتوظيف البيانات في النقاش.
لكن هذه الأدوات لا تضمن وحدها انتخابات أكثر نضجاً. قد تتحول المنصات إلى سوق جديدة للشعارات إذا لم تُربط بمحتوى سياسي واضح، وقد ينتصر صاحب القدرة على صناعة المحتوى لا الأكثر كفاءة...
وقد يطغى الفيديو المؤثر على البرنامج الجاد إذا غاب الإعلام المهني.
أمام هذا التحول، لم يعد كافياً أن يعلن المرشح انتماءه للمنطقة. المطلوب برنامج واضح يتضمن أولويات محددة وأهدافاً قابلة للقياس ووسائل تنفيذ واقعية.
وعلى الناخب أن يسأل: ما الذي يستطيع النائب فعله داخل البرلمان؟ ما القضايا التي سيدافع عنها؟ وهل يميز بين وعود تدخل ضمن اختصاصه وتلك التي تتطلب تدخل الحكومة أو الجماعات؟
الوعي الانتخابي لا يعني رفض المرشحين جميعاً، بل اختيارهم على أساس فهم دقيق لأدوارهم.
والبرنامج الجيد لا يقاس بعدد صفحاته، بل بوضوحه وواقعيته وقابليته للمحاسبة.
يحتاج جيل الإنترنت إلى إعلام لا يكتفي بنقل صور الحملات، بل يطرح الأسئلة ويقارن الوعود بالاختصاصات.
كما يحتاج إلى مجتمع مدني ينظم لقاءات مفتوحة ومناظرات حقيقية بعيداً عن لغة التمجيد والولاءات.
وتتحمل وسائل الإعلام مسؤولية مضاعفة: التحقق من الصور المتداولة، عدم تحويل المحتوى المثير إلى دعاية مجانية، احترام حق الرد، والتمييز بين الخبر والرأي والإعلان الانتخابي.
أما المواطنون فعليهم التحقق من مصادر المحتويات وعدم تحويل الفضاء الرقمي إلى وسيلة للتشهير.
قد تكون الانتخابات المقبلة مختلفة في أدواتها وسرعة تداول رسائلها.
لكن تغيير الوجه لا يعني تغيير الجوهر، ما لم تنتقل المنافسة من استعراض الحضور إلى التنافس حول البرامج والحصيلة.
وفي النهاية، لن يكون السؤال: من ظهر أكثر في الصور؟ أو من أتقن صناعة المشهد؟
بل: من قدم تصوراً واضحاً؟ من امتلك شجاعة مناقشة المشكلات؟ ومن يستطيع تحويل ثقة الناخبين إلى مسؤولية قابلة للمحاسبة؟
هذه هي الأسئلة التي يصعب تجاوزها في زمن أصبح فيه الناخب لا يرى الصورة فقط، بل يبحث عما يوجد خلفها.