تتميز فترة "الترمضينة" في الشارع المغربي (حالة العصبية الناتجة عن الصيام) بترديد عبارات تعكس التوتر، مثل: "مالك واش مقطوع؟" (هل أنت مدمن؟)، "هذا راه مرمضن" (إنه في حالة توتر بسبب الصيام)، و"إلى ما قادرش متصومش" (إذا كنت غير قادر فلا تصم).
هذه العبارات وأخرى من هذا القبيل تردد على مسامعنا كثيرا طيلة أيام رمضان بصيغ مختلفة، وغالباً ما تكون هذه العبارات مصحوبة بأسلوب سوقي أو بذيء.
تؤدي هذه العبارات والسلوكيات المرتبطة بها في كثير من الأحيان إلى مشادات كلامية وعراك في نهار رمضان.
هذا مع العلم ان شهر رمضان يعتبر شهرا لتعظيم شعائر الله ناهيك عن كونه موعدا لتقرب العبد بربه واستجداء بركاته وثوابه.
وفي هذه الورقة نتطرق للموضوع في محاولة لمعالجة هذه الظاهرة، ونظرا لاعتبارات شتى متعلقة برمضان شهر التوبة والمغفرة والرحمة.. نتناول الموضوع بطريقة مختلفة سائلين حول النصائح التي يمكن تقديمها للصائمين للحفاظ على صيامهم وتجنب جعله مبررا للعنف أو ارتكاب أفعال يجرمها القانون.
وترتبط ظاهرة "الترمضينة " في المغرب بالانفعال والغضب الذي يرافق الصيام لدى البعض خلال شهر رمضان، ويتطور تدريجيا إلى عنف لفضي أو جسدي قد تستعمل فيه أحيانا أسلحة بيضاء، كما قد يؤدي إلى جرائم قتل بشعة، لأسباب بسيطة في غالب الأحيان، وخاصة قبيل موعد آذان المغرب، فتفرز سلوكات عدوانية تحت غطاء الصيام.
وتعود الأسباب وراء "الترمضينة" بحسب البعض إلى التوتر والقلق الذي ينتج عن الإمساك عن بعض مسببات الإدمان مثل السجائر والمخدرات والقهوة، فيما يرفض آخرون تبرير هذه الممارسات العنيفة بحجة الصيام وربطها بشهر التسامح والغفران.
علميا يؤكد الأخصائيون في المجال الطب، أن التوقف عن استهلاك بعض المواد المسببة للإدمان مثل مادة "النيكوتين" الموجود في السجائر، قد يولد تأثيرات نفسية وعصبية، كالقلق والغضب، وتقلب المزاج مع الأرق والإحساس بالجوع.
وحسب مدير المرصد المغربي للمخدرات والإدمان والعضو في اللجنة الوطنية للمخدرات، الدكتور جلال توفيق، فإن ارتفاع منسوب التوتر العصبي المفضي إلى بعض الممارسات العنيفة لدى المدمنين خلال شهر رمضان، يعود إلى عدة أسباب من أبرزها الإقلاع عن التدخين أو التوقف عن استهلاك بعض أنواع المخدرات وعلى رأسها الحشيش.
ويضيف الدكتور توفيق، أن تدني مستوى السكر في الدم والاختلال في نمط العيش اليومي خلال شهر رمضان، يساهمان بدورهما في زيادة التوتر والقلق لدى الفرد، وبالتالي ظهور سلوكيات تدخل في خانة ما يعرف بـ"الترمضينة".
ومن بين أهم الأسباب التي تؤدي إلى الانفعال وتزايد سرعة الغضب خلال ساعات الصيام، يشير الدكتور أيضا إلى الاختلالات في نمط النوم خلال الليل، والتي تتسبب في اضطرابات نفسية ناجمة عن عدم إفراز الجسم لهرمون "الميلاتونين"، الذي يساعد على تنظيم دورة النوم لدى الإنسان.
وكشفت عدد من الأبحاث والدراسات الطبية أن عدم حصول الشخص على كفايته من النوم، قد يؤثر بشكل مباشر على مزاجه خلال النهار، مما يزيد من مستوى التوتر والقلق النفسي لديه.
ومع تزايد مظاهر العنف بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان، بجميع مناطق المغرب وبصورة أكبر في المدن الكبرى، فإن عددا من الباحثين الاجتماعيين يشددون على أن ممارسة العنف لا ترتبط بوقت أو شهر محدد، ويؤكدون على أن المجتمع يشهد على مثل تلك السلوكات طيلة أيام السنة.
ويرفض الباحث المتخصص في علم النفس الاجتماعي، محسن بنزاكور، ربط ظاهرة "الترمضينة" وما تحمله من سلوكات عنيفة بشهر رمضان، ويمثل هذه الظاهرة بالشماعة الجاهزة التي تعلق عليها كل ممارسة غير مقبولة ومتنافية مع قيم شهر الصيام.
وفي ذات السياق يوضح بنزاكور أن "الترمضينة وهي مصطلح مغربي وظاهرة مجتمعية وحجة من لا حجة له لتبرر ممارسات غير مقبولة، لأشخاص سريعي الغضب والانفعال والذين ينشرون أجواء غير صحية في الشارع أو داخل منازلهم، طيلة أشهر السنة".
من جهة أخرى يرى بنزاكور، أن للإقلاع عن التدخين دورا في الشعور بالتوتر والقلق خلال ساعات الصيام، لكنه يعود ويؤكد أنه يمكن للشخص السيطرة على غضبه حتى لا يدخل في مشادات لفظية أو جسدية لأسباب بسيطة جدا.
وإضافة إلى الأشخاص سريعي الغضب ومدمني السجائر، يشير بنزاكور، إلى أن هناك نوعا ثالثا من الأشخاص الذين يعلقون تصرفاتهم أيضا خلال هذا الشهر على شماعة "الترمضينة"، وهم الأشخاص الذين يحاولون فرض سيطرتهم على الآخرين من خلال القيام بأعمال عنف وترهيب في الشارع العام.
وبصفة عامة يرى بنزاكور أن ظاهرة "الترمضينة" تحيل على الخلل الحاصل في العلاقة بين الأفراد، خاصة عندما يغيب عنها الصبر وحس التحضر لتسيطر بدلهما أفعال عنيفة غير مبررة.
ويشدد الباحث الاجتماعي على أن الجانب الروحي لشهر رمضان يتعارض تماما مع مثل تلك الممارسات غير المقبولة، سواء من الناحية النفسية أو الاجتماعية أو الدينية.
ويعتبر الصيام فرصة لترسيخ قيم التسامح والمحبة، ولمحو الذنوب والمعاصي والعتق من النار، إذ أن فقهاء الدين يحثون الأشخاص الصائمين على عدم الانسياق أو الاندفاع وراء مظاهر وسلوكات سيئة قد تؤدي بهم إلى الدخول في ملسنات أو معارك حادة خلال هذا الشهر.
يقول خطيب الجمعة، وعضو المجلس العلمي بإقليم النواصر، محمد الحياني، إن بعض السلوكات المشينة خلال شهر رمضان والتي تصنف ضمن خانة "الترمضينة"، تتنافى بشكل تام مع أهداف الصوم، الذي يعتبر بمثابة حصن منيع يقي من الوقوع في مثل تلك الأفعال العنيفة.
ويضيف الحياني، أنه "انطلاقا من أحاديث النبي محمد (ص)، فإن الصيام يعتبر وقاية تمنع الصائم من أن يتعرض أو يعرض الآخرين للسب والشتم والخصومة وغيرها من السلوكات التي تنتشر خلال هذا الشهر الفضيل".
ويشدد المتحدث على أن الصيام الذي ينمي لدى الفرد القدرة على التحكم في الذات، ويعتبر بمثابة تهذيب للنفس والسلوك، يجب أن تطغى على أجوائه العامة حالة من الصفاء والنقاء الروحي، حتى يصل الصائمون إلى الطمأنينة والهدوء النفسي، اللذين يقطعان الطريق أمام أي سلوك مشين من شأنه أن يعكر صفو شهر الصيام والعبادة.
إن تبادل السب والشتم الذي قد يتطور إلى العنف الجسدي في الشارع العام، تقلب المزاج والأعصاب، فقدان السيطرة على النفس، وهي مجموعة من التمثلات العدوانية لسلوك يرتفع خلال شهر الصيام، مما جعل البعض يطلق عليه وصف "الترمضينة".
وظاهرة "الترمضينة" التي ترافق الصيام لدى المغاربة، ترتبط بالانفعال والغضب، والذي قد يتطور تدريجيا إلى عنف لفظي او جسدي يتم خلاله استعمال السلاح أو الضرب والقوة، وهو ما يؤدي في بعض الأحيان إلى تسجيل جرائم لأسباب بسيطة وتافهة قبيل آذان المغرب.
ويرى العديد من الفقهاء أن ضبط النفس وتعظيم شعائر رمضان، هي أولى العوامل التي تساعد الشخص على تفادي كل ما قد يدخله في مشاكل هو في غنى عنها، ناهيك عن التقرب إلى الله سلوكا وعبادة وجعل شهرا الصيام مناسبة لكسب الثواب عوض ارتكاب ما قد يجر عليه المصائب.
ولأن الأسباب وراء "الترمضينة" بحسب الباحثين متعلقة بالتوتر والقلق الذي ينتج عن الإمساك عن بعض مسببات الإدمان مثل السجائر والمخدرات...، فإن جعل رمضان فرصة للإقلاع عن هذه السموم سيساعد الكثيرين على سلك الطريق الصحيح واستثمار أيام شهر التسامح والغفران فيما سيعود بالنفع عليهم.
ومن باب النصح، قدم مشاركون في أحد الاستطلاعات بعض الإرشادات التي يرونها مناسبة للحد من كل العادات السيئة في رمضان، وذلك بما سيعود بالنفع على الصائمين والمجتمع ككل، داعين إلى تجنب كل ما سيضر بهم او بعائلتهم ومحطيهم والمحتكين معهم في الفضاءات العمومية والحيوية.






.jpg)




.jpg)


