فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
مع اقتراب الانتخابات التشريعية في المغرب، يعود المشهد الحزبي إلى حركته الموسمية المعتادة: انتقالات، تزكيات، إعادة تموقع، ووجوه تُستدعى من خارج المطبخ الحزبي لتزيين اللوائح أو تحسين الحظوظ الانتخابية.
هذا ما صار كثيرون يصفونه بـ"الميركاتو السياسي"، حيث تبدو الأحزاب أحيانًا وكأنها في سوق مفتوح أكثر منها في منافسة برامج ورؤى.
وفي هذا المناخ، لا يعود السؤال فقط: من سيربح المقاعد؟ بل أيضًا: من سيربح حق تشكيل الحكومة، ومن سيُمنح مفاتيح المرحلة المقبلة؟
لكن جوهر الإشكال أعمق من مجرد حركية انتخابية عابرة. فالممارسة السياسية، حين تتحول إلى سباق على الوجوه اللامعة والاصطفافات السريعة، تُضعف معنى الالتزام الحزبي وتربك ثقة المواطن في الوساطة السياسية نفسها.
المغربي اليوم لا يتابع فقط تبدل المواقع داخل الأحزاب، بل يراقب أيضًا ما إذا كانت السياسة ما تزال قادرة على إنتاج نخب تحمل مشروعًا، أم أنها اكتفت باستيراد الأسماء الجاهزة لتغطية فراغ البرامج.
^رئاسة الحكومة بين القانون والسياسة:
في النظام الدستوري المغربي، تظل رئاسة الحكومة مرتبطة بالنتائج الانتخابية وبمنطق التعيين داخل توازنات سياسية ودستورية واضحة، لا بمجرد الشعبية العابرة أو الحضور الإعلامي.
لذلك، فإن أي حديث عن رئاسة الحكومة لا ينبغي أن ينفصل عن سؤال الأغلبية، والقدرة على بناء التحالف، والانسجام بين مكونات التدبير العمومي.
هذه النقطة تجعل المعركة الانتخابية أقل براءة مما تبدو عليه، لأن التموقع داخل الأحزاب اليوم هو تمهيد مبكر لمن سيجلس غدًا على رأس الجهاز التنفيذي.
ومن هنا تظهر "رائحة التويزة" بوصفها استعارة موفقة: فالتويزة، في المخيال المغربي، عمل جماعي تطوعي قائم على التضامن والتآزر.
لكن السياسة حين تستعير هذا المعنى، لا يجب أن تفعل ذلك على سبيل التجميل فقط، بل عبر استعادة روح العمل الجماعي الحقيقي، حيث تغلب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، وتصبح الحكومة ثمرة نضج سياسي لا نتيجة مقايضات ظرفية.
فإذا كان الميركاتو يرمز إلى البيع والشراء السياسي، فإن التويزة تذكّر بأن الحكم الرشيد لا يُبنى إلا بالتشارك والمسؤولية والصدق مع الناخب.
^أزمة الثقة:
المشكلة أن المواطن لم يعد يسأل فقط عن الأسماء، بل عن جدوى اللعبة كلها.
حين يرى انتقالات متكررة بين الأحزاب، وتزكيات تُمنح وفق الحسابات الانتخابية السريعة، وتنافسًا على "النجومية" بدل الكفاءة، يتعزز لديه انطباع بأن السياسة فقدت جزءً كبيرًا من أخلاقياتها.
وهذا أخطر من أي تنافس انتخابي، لأن تآكل الثقة يضرب المشاركة نفسها، ويجعل الانتخابات تبدو للكثيرين مجرد محطة لإعادة توزيع المواقع.
لهذا، تحتاج الأحزاب المغربية إلى ما هو أكثر من "ميركاتو" ناجح.
تحتاج إلى فرز داخلي جدي، وإلى وضوح في المرجعيات، وإلى جرأة في تقديم كفاءات نزيهة لا فقط أسماء قادرة على جذب الانتباه.
فالمغاربة لا ينتظرون مباراة في الانتقالات السياسية بقدر ما ينتظرون دولة قادرة على تحويل الأصوات إلى سياسات، والبرلمان إلى فضاء للمساءلة، ورئاسة الحكومة إلى وظيفة عامة لا جائزة في نهاية السباق.
^خاتمة:
الانتخابات المقبلة ستكون اختبارًا ليس فقط لمن سيحصد المقاعد، بل أيضًا لمدى قدرة الأحزاب على استعادة معنى السياسة نفسها.
وإذا كان "الميركاتو السياسي" قد صار لغة المرحلة، فإن المخرج الحقيقي منه هو إعادة الاعتبار إلى التويزة بوصفها قيمة جماعية: تعاون، التزام، واشتغال من أجل الصالح العام.
عندها فقط يمكن أن تتحول رئاسة الحكومة من موضوع للمساومات إلى عنوان لثقة وطنية أوسع.








































































