فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
حين يعجز المنطق والبيان عن تعرية النخب، تصبح السخرية هي المشرط الوحيد القادر على فضح المستور دون إراقة دماء."
من وحي هذه المقاربة الفلسفية التي ترى في التهكم سلاحاً تواصلياً راديكالياً، كسر مجلس جماعة فاس رتابة تدبيره المحلي برجة سياسية غير مألوفة، تخطت أصداؤها أسوار المدينة لتتحول إلى مادة دسمة للنقاش العمومي على الصعيد الوطني. فقد أقدم المستشار الجماعي، علي بومهدي، على تجسيد خطوة احتجاجية غير مسبوقة، واضعاً حقيبة يد (صاك) كُتب عليها بخط عريض عبارة "حزب الصاك"، قبل أن يُعلن بشكل مفاجئ عن تقديم استقالته ومغادرة دورة أكتوبر المنتخبة.
ولم تكن هذه الخطوة لتتحول إلى قضية رأي عام وطني و"ترند" كاسح على منصات التواصل الاجتماعي، لولا التفصيل الأهم في المشهد: "ردة الفعل الانفعالية لمستشاري حزب الأصالة والمعاصرة" التي منحت الحقيبة صك الاعتراف وأخرجت الاحتجاج من الهامش إلى صدارة العناوين.
في عالم السياسة المحلية، كثيراً ما تمر قفشات المستشارين أو حركاتهم الاحتجاجية مرور الكرام، أو تنتهي بابتسامة عابرة داخل ردهات قاعات الاجتماعات.
لكن ما حدث في دورة أكتوبر 2026 لمجلس جماعة فاس كسر هذه القاعدة تماماً.
فالخطوة التي أقدم عليها المستشار الجماعي، لم تكن لتتحول إلى قضية رأي عام وطني و"ترند" كاسح على منصات التواصل الاجتماعي.
إن قراءة تفكيكية لمسار هذا الحدث تكشف كيف ساهمت ردة الفعل الحزبية في صناعة "الحدث" بدلاً من احتوائه، وتحويل حركة كان يمكن تجاوزها ببساطة إلى زلزال سياسي رقمي محكوم برمزية جغرافية وتأطير تحليلي عميق.
& صناعة "الترند" من ثقب الإبرة
قبل انطلاق الجلسة، كان المشهد يبدو كأنه "قفشة" سياسية عابرة، مستشار يحمل حقيبة كُتب عليها اسم حزب افتراضي غير موجود في الخريطة السياسية.
لو قوبلت هذه الحركة بالتجاهل، أو بنوع من البرود السياسي، لربما انتهت بانتهاء الدورة، ولما وجدت طريقها إلى صدارة العناوين.
لكن "الذكاء الاحتجاجي" لبومهدي التقى مع "الحساسية المفرطة" لخصومه السياسيين.
فبمجرد أن أبدى مستشارو "البام" غضبهم العارم واعتبروا العبارة استهدافاً مباشراً لهم، منحوا الحقيبة صك الاعتراف بالوقوع في الفخ المتربص.
هذا التفاعل السريع والمنفعل التقطته عدسات الكاميرات وهواتف الحاضرين، ليتحول الشجار والارتباك إلى مادة بصرية شديدة الجاذبية (Viral) تصدرت منصات التواصل الاجتماعي في دقائق معدودة.
& كيف حوّل الانسحاب "النكتة السياسية" إلى حقيقة؟
يرى خبراء التواصل السياسي أن انسحاب مستشاري حزب الأصالة والمعاصرة من الجلسة كان بمثابة "الوقود" الذي أشعل الترند.
فالانسحاب لم يكن مجرد موقف احتجاجي، بل فُسِّر شعبياً وسياسياً على أنه اعتراف ضمني بأن "المقصود بالرسالة قد أحس بالوخز".
لو اعتمد المستشارون الباميون استراتيجية "التجاوز أو التسامي" (Ignoring)، لظهر الاحتجاج في ثوب الشعبوية العابرة.
لكن النزول إلى حلبة الصراع والانسحاب الجماعي حوّل "حزب الصاك" من نكتة سياسية أو مجرد دعابة قاعة، إلى واقع سياسي واجتماعي يناقش بجدية أزمة الثقة والنفوذ المالي داخل المجالس المنتخبة.
لقد شرعنت ردة الفعل الاحتجاج، وجعلت من الحقيبة رمزاً لمعركة سياسية حقيقية.
& السخرية السياسية كأداة لكسر جمود النخب
تتجاوز واقعة "حزب الصاك" حدود المناكفة المحلية لتُقدّم نموذجاً حياً حول أثر السخرية السياسية (Political Satire) في تفكيك الخطاب التقليدي المنتفخ.
تعاني النخب السياسية غالباً من جمود بروتوكولي ولغوي يُبعدها عن نبض الشارع... وهنا تتدخل السخرية كأداة هدم ناعمة وإعادة بناء للوعي الجماعي.
إن استخدام "الحقيبة" كرمز يختزل ظواهر معقدة مثل "المال السياسي" أو "الولاءات المصنوعة" هو تعبير عن تحول آليات الاحتجاج.
السخرية هنا ليست للترفيه، بل هي سلاح تواصل راديكالي يسحب البساط من تحت الأنماط السياسية الجاهزة، ويجبر النخب على مواجهة عيوبها بمرآة كاريكاتورية صادمة.
عندما تعجز الكلمات والتقارير عن إحداث الأثر، تنجح "الحقيبة الساخرة" في تعرية الواقع، ليتأكد أن الضغوط النفسية والسياسية التي تمارسها الكوميديا السوداء تفوق أحياناً بؤس الخطابات الرسمية.
& فاس: الحاضنة التاريخية والأرض الخصبة للصراعات الحادة
لا يمكن عزل هذا المشهد الساخر وصناعته للترند عن الخصوصية السوسيولوجية والسياسية لمدينة فاس.
لطالما شكلت العاصمة العلمية للمملكة خزان الحراك السياسي، ومختبراً للتوازنات الحزبية الكبرى بالمغرب.
ففاس ليست مجرد جغرافيا، بل هي أرض خصبة للصراعات السياسية الحادة، ومشتل للنخب التي تتقن اللعب على حبال الرموز والمواقف.
التاريخ السياسي لفاس يؤكد أنها مدينة لا تقبل الركود... ففي ردهات مجالسها ولدت تحالفات كبرى وتفككت أخرى، وشهدت ساحاتها معارك طاحنة بين التيارات الفكرية والسياسية المتناقضة.
هذا الزخم يجعل من أي حدث يقع داخل جماعتها قابلاً للانفجار والانتشار الوطني فوراً.
فالشارع الفاسي يمتلك حساً نقدياً حاداً، وبنية سياسية متأهبة دائماً لالتقاط الإشارات وتضخيمها، مما حوّل حركة "حقيبة بومهدي" من مجرد احتجاج محلي صامت إلى قضية رأي عام تليق بمدينة تصنع الحدث السياسي ولا تكتفي بمتابعته.
&مآلات "الترند": هل يبعثر "حزب الصاك" أوراق التحالفات بفاس؟
أبعد من مجرد "ترند" عابر على منصات التواصل الاجتماعي، توغل واقعة "حزب الصاك" عميقاً في مستقبل التحالفات السياسية الهشة أصلاً داخل مجلس مدينة فاس.
إن حدة ردة الفعل والشرخ الذي أحدثه هذا الاحتجاج الساخر يضعان مكونات الأغلبية المسيرة أمام اختبار حقيقي لإعادة ترتيب الأوراق، إذ لم يعد الصراع محصوراً في كواليس المكاتب، بل صار معروضاً تحت مجهر الرأي العام الفاسي الذي يترقب بكثير من التوجس مآلات التدبير الجماعي.
ومع تقديم هذه الاستقالة وما رافقها من ارتباك وتشنج حزبي، يبدو أن الخارطة السياسية بالمدينة مقبلة على سيناريوهات إعادة تموقع جديدة، حيث قد تدفع هذه الرجة بعض الأطراف إلى مراجعة أوراق تحالفاتها أو النأي بنفسها عن تبعات "صدمة الحقيبة"، مما ينبئ بأن القادم من الأيام قد يحمل زلازل تواصلية وسياسية أخرى في عاصمة علمية لطالما برعت في إعادة صياغة توازناتها من وسط ركام الأزمات.
&درس في التواصل السياسي
خلاصة، تظل واقعة جماعة فاس درساً بليغاً في كيفية تشكل الأحداث السياسية في عصر "الترند".
لقد أثبتت الواقعة أن الفعل الاحتجاجي يشكل فقط نصف الحدث، في حين أن النصف الآخر والأهم تصنعه ردود أفعال المستهدفين منه.
وبسبب عدم قدرة مستشاري "البام" على ضبط النفس وتجاوز الاستفزاز الذكي، تحولت حقيبة يد عادية، في مدينة بحجم وثقل فاس، إلى رمز سياسي سار بذكر الركبان، وسجلت دورة أكتوبر كواحدة من أكثر الدورات إثارة للجدل في التاريخ السياسي الرقمي المعاصر للمغرب.




















































