فضاء الأطلس المتوسط نيوز/ أحمد زعيم
يبدو أن الإنتخابات التشريعية المقبلة قررت، قبل أن تصل إلى صناديق الإقتراع، أن تمر أولا من بوابة التراث الشعبي.
يبدو أن الإنتخابات التشريعية المقبلة قررت، قبل أن تصل إلى صناديق الإقتراع، أن تمر أولا من بوابة التراث الشعبي.
فمع إقتراب موعد الإستحقاق، بدأت في بعض المناطق مشاهد تستعير تفاصيلها من الأعراس والمواسم: خيام تُنصب، كراس تُصف، مكبرات صوت تُجهز، أضواء تملأ المكان، حشود تتقاطر، سيارات تتحرك في المواكب، أهازيج ترتفع، وموائد تجد طريقها إلى المشهد.
وحده البرنامج الإنتخابي يبدو أحيانا كأنه تأخر عن موعد الحفل.
ولأن عبارة "العرس الديمقراطي" أصبحت من العبارات الرائجة في وصف الإنتخابات، فقد يبدو الأمر طبيعيا لمن أراد أن يضع السياسة في قالب إحتفالي.
ولأن عبارة "العرس الديمقراطي" أصبحت من العبارات الرائجة في وصف الإنتخابات، فقد يبدو الأمر طبيعيا لمن أراد أن يضع السياسة في قالب إحتفالي.
لكن المشكلة تبدأ عندما لا تعود العبارة مجرد إستعارة، بل تتحول بعض الممارسات نفسها إلى محاكاة لطقوس العرس الشعبي: مكان مهيأ للإحتفال، حضور مكثف، مكبرات صوت، هتافات، موسيقى ومظاهر للضيافة، في مشهد قد يجعل المتابع يتساءل للحظة: هل حضر إلى لقاء يفترض أن يناقش مستقبل البلاد، أم إلى مناسبة إجتماعية ينتظر بدايتها صاحب الحفل؟
واللافت أن هذه الأجواء تظهر قبل إنطلاق الحملة الإنتخابية الرسمية بأيام.
واللافت أن هذه الأجواء تظهر قبل إنطلاق الحملة الإنتخابية الرسمية بأيام.
لقاءات توصف بأنها تواصلية، تجمعات، حشود، سيارات، شعارات، أصوات مرتفعة وموائد؛ أي أن المسرح بدأ يكتمل قبل أن يُرفع الستار رسميا.
في الأعراس، يكون للعريس موكب وتصفيق وأغان وزغاريد ورقص، ويُحتفى به بإعتباره نجم المناسبة.
في الأعراس، يكون للعريس موكب وتصفيق وأغان وزغاريد ورقص، ويُحتفى به بإعتباره نجم المناسبة.
وفي بعض المشاهد الإنتخابية، يبدو أن المترشح وجد لنفسه نسخة سياسية من الدور نفسه: إسمه يتقدم المشهد، والهتافات تلاحقه، والتصفيق والتصوير يرافقه، والسيارات تمنح الموكب إمتداده البصري، فيما يصبح حجم الحضور أحيانا أكثر إثارة للإهتمام من مضمون اللقاء نفسه.
أما السيارة المزينة التي ترافق العروسين، فقد وجدت هي الأخرى ما يشبه توأمها الإنتخابي: سيارات رباعية الدفع، شعارات تُرفع فوق الرؤوس، مواكب من الأنصار، ومجموعات فلكلورية تغني وترقص، فتضفي على المشهد نكهة إحتفالية، وكأن الطريق إلى صندوق الإقتراع يحتاج، قبل الوصول إليه، إلى شيء من الزينة والضجيج حتى لا يمل الناخب من إنتظار السياسة.
ثم تأتي الموائد، وهي ربما أكثر حلقات المشهد قدرة على إختصار المفارقة كلها.
أما السيارة المزينة التي ترافق العروسين، فقد وجدت هي الأخرى ما يشبه توأمها الإنتخابي: سيارات رباعية الدفع، شعارات تُرفع فوق الرؤوس، مواكب من الأنصار، ومجموعات فلكلورية تغني وترقص، فتضفي على المشهد نكهة إحتفالية، وكأن الطريق إلى صندوق الإقتراع يحتاج، قبل الوصول إليه، إلى شيء من الزينة والضجيج حتى لا يمل الناخب من إنتظار السياسة.
ثم تأتي الموائد، وهي ربما أكثر حلقات المشهد قدرة على إختصار المفارقة كلها.
فالطعام حاضر، والموائد ممتدة، والكرم حاضر في بعض اللقاءات، بينما يظل السؤال البسيط معلقا في الهواء: هل اجتمع الناس من أجل الإستماع إلى البرنامج، أم أن البرنامج نفسه أصبح شيئا يمكن تناوله؟
لا مشكلة في الكرم الإجتماعي، ولا في إطعام الناس، ولا في العادات التي ترافق المناسبات الإجتماعية.
لا مشكلة في الكرم الإجتماعي، ولا في إطعام الناس، ولا في العادات التي ترافق المناسبات الإجتماعية.
الإشكال يبدأ عندما تفقد المناسبة الإنتخابية وظيفتها السياسية، ويصبح الطعام، متى استخدم لهذا الغرض، وسيلة للإستمالة، والحشد بديلا عن النقاش، والهتاف بديلا عن الحجة، والإستعراض بديلا عن البرنامج.
فاللقاء الإنتخابي، في جوهره، ليس مسابقة في عدد السيارات، ولا في علو مكبرات الصوت، ولا في طول المائدة.
فاللقاء الإنتخابي، في جوهره، ليس مسابقة في عدد السيارات، ولا في علو مكبرات الصوت، ولا في طول المائدة.
قيمته في الأسئلة التي يطرحها المواطن وفي الأجوبة التي يقدمها المترشح: ماذا سيغير؟ بأي وسائل؟ ما أولوياته؟ وما الذي يمكن محاسبته عليه بعد وصوله إلى البرلمان؟
لكن السياسة، حين تدخل من باب الإحتفالية المفرطة، قد تجد نفسها أمام منطق مختلف: لا أحد يسأل كثيرا عن تفاصيل البرنامج إذا كان المرق قد سبق النقاش، ولا أحد يغامر بإفساد أجواء المناسبة بسؤال ثقيل عن المحاسبة، ما دام الجميع منشغلا بما هو أخف على المعدة وأيسر على الأذن.
حين يصبح المرق عهدا إنتخابيا، والدعاء وسيلة للمحاسبة، وحكايات أصحاب الملاحم مادة للخطاب السياسي، يصبح المشهد أقرب إلى حكاية شعبية منه إلى نقاش حول مستقبل سياسي...
لكن السياسة، حين تدخل من باب الإحتفالية المفرطة، قد تجد نفسها أمام منطق مختلف: لا أحد يسأل كثيرا عن تفاصيل البرنامج إذا كان المرق قد سبق النقاش، ولا أحد يغامر بإفساد أجواء المناسبة بسؤال ثقيل عن المحاسبة، ما دام الجميع منشغلا بما هو أخف على المعدة وأيسر على الأذن.
حين يصبح المرق عهدا إنتخابيا، والدعاء وسيلة للمحاسبة، وحكايات أصحاب الملاحم مادة للخطاب السياسي، يصبح المشهد أقرب إلى حكاية شعبية منه إلى نقاش حول مستقبل سياسي...
حكاية الراعي قديما، العائد إلى القبيلة محملا بقصص معاركه مع الذئاب والوحوش، وبطولات لا شهود عليها سوى الراوي نفسه، ناسيا ثغاء الأغنام، ومتغافلا عن التعاون الذي كان قائما بينه وبين زملائه الرعاة، بينما كانت الذئاب تتربص بالقطيع.
وفي هذه الحكاية، قد يصبح السؤال عن حجم الإنجاز أقل حضورا من السؤال عن حجم الرواية، وقد يصبح الصدى الذي تتركه الملاحم أهم من الحقيقة التي يمكن قياسها.
وفي هذه الحكاية، قد يصبح السؤال عن حجم الإنجاز أقل حضورا من السؤال عن حجم الرواية، وقد يصبح الصدى الذي تتركه الملاحم أهم من الحقيقة التي يمكن قياسها.
فالراوي يستطيع دائما أن يرفع منسوب البطولة، لكن الوقائع وحدها قادرة على تحديد حجم الإنجاز.
ومع ذلك، فإن المشهد الحالي لا يسمح بإصدار حكم نهائي على ما ستؤول إليه الحملة الإنتخابية.
ومع ذلك، فإن المشهد الحالي لا يسمح بإصدار حكم نهائي على ما ستؤول إليه الحملة الإنتخابية.
فما نراه لا يزال سابقا على إنطلاقها الرسمي، ولم يبق على موعدها سوى أيام معدودة.
ولذلك يبقى السؤال مفتوحا، وربما أكثر إثارة من كل ما سبق: إذا كانت بعض مظاهر "العرس الانتخابي" قد بدأت قبل بداية الحملة، فكيف سيكون المشهد عندما تنطلق الحملة فعليا وعندما تنتهي؟
هل ستتقدم البرامج إلى الواجهة، أم ستتقدم الموائد؟ هل سنسمع عن الحلول والمشاريع أكثر مما سنسمع عن الحشود والهتافات؟ وهل سيكون المواطن ناخبا يناقش ويختار، أم مجرد رقم إضافي في صورة جماعية كبيرة؟
وهنا لا يتعلق الأمر برفض الإحتفال أو التضييق على العادات الإجتماعية، بل بالسؤال عن الحدود الفاصلة بين التواصل السياسي والإستعراض، وبين الضيافة الإجتماعية والإستمالة الإنتخابية، وبين الحشد الذي يعكس اهتماما حقيقيا، والحشد الذي يتحول إلى صورة تُستخدم لإظهار القوة والنفوذ.
المنافسة الإنتخابية لا تُقاس بعدد الكراسي التي امتلأت، ولا بعدد السيارات التي تحركت، ولا بحجم مكبرات الصوت.
هل ستتقدم البرامج إلى الواجهة، أم ستتقدم الموائد؟ هل سنسمع عن الحلول والمشاريع أكثر مما سنسمع عن الحشود والهتافات؟ وهل سيكون المواطن ناخبا يناقش ويختار، أم مجرد رقم إضافي في صورة جماعية كبيرة؟
وهنا لا يتعلق الأمر برفض الإحتفال أو التضييق على العادات الإجتماعية، بل بالسؤال عن الحدود الفاصلة بين التواصل السياسي والإستعراض، وبين الضيافة الإجتماعية والإستمالة الإنتخابية، وبين الحشد الذي يعكس اهتماما حقيقيا، والحشد الذي يتحول إلى صورة تُستخدم لإظهار القوة والنفوذ.
المنافسة الإنتخابية لا تُقاس بعدد الكراسي التي امتلأت، ولا بعدد السيارات التي تحركت، ولا بحجم مكبرات الصوت.
الإختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح لكل وعد قابلية للنقاش، ولكل برنامج إمكانية للقياس، ولكل منتخب مسؤولية تنتظره بعد إنتهاء التصفيق.
فالإنتخابات ليست عرسا ينتهي بإنتهاء الموسيقى، ولا وليمة تنتهي بإنتهاء المرق، ولا ملحمة يكتب بطلها نهايتها بنفسه. إنها لحظة إختيار ومسؤولية ومساءلة، وصندوق الإقتراع هو المكان الذي ينبغي أن تُحسم فيه المنافسة بعيدا عن كل ما يمكن أن يحجب جوهرها السياسي.
وإذا استمر المشهد في إستعارة طقوس الأعراس والمواسم، فقد يأتي يوم يصبح فيه السؤال الانتخابي الأكثر تداولا ليس: "ما برنامجكم؟"، وإنما: "ماذا في الكَصعة؟ وكم سيارة في الموكب؟ ومن صاحب الحكاية الأطول؟".
وإلى أن تبدأ الحملة رسميا، يبقى الستار نصف مرفوع. المشاهد الأولى وصلت، والأهازيج بدأت، والموائد ظهرت في بعض الأمكنة، فيما لا يزال البرنامج الانتخابي ينتظر دوره في الواجهة.
وعندما يبدأ السباق الحقيقي، لن يكون المهم من استطاع أن يصنع أكبر ضجيج، ولا من جمع أكبر عدد من الوجوه في صورة واحدة، بل من يستطيع أن يضع أمام الناخب ما يمكن مناقشته وقياسه ومحاسبته عليه.
ففي النهاية، قد تنتهي الموسيقى، وتُطوى الخيام، وتُرفع الموائد، وتعود السيارات إلى مرائبها، لكن ما يبقى بعد إنفضاض الحفل هو السؤال الذي لا تستطيع الأهازيج الإجابة عنه:
ماذا سيقدم الفائز عندما تنتهي الفرجة ويبدأ زمن المسؤولية؟
فالإنتخابات ليست عرسا ينتهي بإنتهاء الموسيقى، ولا وليمة تنتهي بإنتهاء المرق، ولا ملحمة يكتب بطلها نهايتها بنفسه. إنها لحظة إختيار ومسؤولية ومساءلة، وصندوق الإقتراع هو المكان الذي ينبغي أن تُحسم فيه المنافسة بعيدا عن كل ما يمكن أن يحجب جوهرها السياسي.
وإذا استمر المشهد في إستعارة طقوس الأعراس والمواسم، فقد يأتي يوم يصبح فيه السؤال الانتخابي الأكثر تداولا ليس: "ما برنامجكم؟"، وإنما: "ماذا في الكَصعة؟ وكم سيارة في الموكب؟ ومن صاحب الحكاية الأطول؟".
وإلى أن تبدأ الحملة رسميا، يبقى الستار نصف مرفوع. المشاهد الأولى وصلت، والأهازيج بدأت، والموائد ظهرت في بعض الأمكنة، فيما لا يزال البرنامج الانتخابي ينتظر دوره في الواجهة.
وعندما يبدأ السباق الحقيقي، لن يكون المهم من استطاع أن يصنع أكبر ضجيج، ولا من جمع أكبر عدد من الوجوه في صورة واحدة، بل من يستطيع أن يضع أمام الناخب ما يمكن مناقشته وقياسه ومحاسبته عليه.
ففي النهاية، قد تنتهي الموسيقى، وتُطوى الخيام، وتُرفع الموائد، وتعود السيارات إلى مرائبها، لكن ما يبقى بعد إنفضاض الحفل هو السؤال الذي لا تستطيع الأهازيج الإجابة عنه:
ماذا سيقدم الفائز عندما تنتهي الفرجة ويبدأ زمن المسؤولية؟














