فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
ليست قوة الحكومة في عدد الأحزاب التي ترضيها، بل في قدرتها على خدمة المواطنين.
وليست قيمة التشكيلة الوزارية في بريق الأسماء التي تضمها، وإنما في مدى ملاءمة تلك الأسماء للمسؤوليات المسندة إليها.
ومن هنا، يكتسب النقاش حول تشكيل الحكومة المغربية وتوزيع حقائبها معناه الحقيقي:
"هل تنطلق الاختيارات من حاجات القطاعات وأولويات الإصلاح، أم تتقدم حسابات التوازن الحزبي على شروط الاستحقاق؟"
لا يتعلق الأمر بإصدار حكم مسبق على الأشخاص، ولا باعتبار الانتماء الحزبي شبهة تنقص من أهلية صاحبه... إنما يتعلق بسؤال ينبغي ألا تغطي عليه احتفالية الإعلان عن الأسماء:
*لماذا أُسندت هذه الوزارة إلى هذا المسؤول تحديدًا؟
*وما الذي يحمله من معرفة وتجربة ورؤية يؤهله لتدبيرها؟
& الإطار الدستوري وحدود الحسابات السياسية
يحدد الدستور المغربي مسار تشكيل الحكومة، إذ يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، وفق الفصل 47.
وبعد التعيين، يعرض رئيس الحكومة برنامجها أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ولا تُعد الحكومة منصبة إلا بعد حصول برنامجها على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، وفق الفصل 88.
وبذلك، لا يستقيم التعامل مع تشكيل الحكومة باعتباره عملية تقنية منفصلة عن السياسة والانتخابات.
غير أن هذا الأساس السياسي لا يعفي الاختيارات من سؤال الملاءمة، ولا يجعل كل توافق حزبي دليلًا كافيًا على حسن الاختيار.
فثمة فرق بين توافق يتيح تنفيذ برنامج مشترك، وتسوية يصبح هدفها الأول إرضاء مكونات التحالف.
الأول يمكن الدفاع عنه باعتباره وسيلة لتأمين الانسجام، أما الثاني فيستحق النقد حين تصبح مصلحة التنظيم أسبق من مصلحة القطاع.
& متى يتحول التوافق إلى «وزيعة»؟
لا يجوز وصف أي توزيع للحقائب بأنه «وزيعة» لمجرد أن أحزابًا تفاوضت بشأنه... فهذا توصيف نقدي يحتاج إلى قرائن، لا إلى انطباعات أو خصومات مع أشخاص بعينهم.
لكن السؤال يصبح مشروعًا حين تبدو الأسماء سابقة على تحديد المسؤوليات، أو حين يصعب تفسير الصلة بين تجربة المرشح والقطاع المسند إليه، أو عندما يطغى النقاش حول حصة كل حزب على النقاش حول ما سيفعله داخل الحكومة.
والاختبار هنا واضح:
هل تبحث الأحزاب عن أفضل من يمثل برنامجها ويستطيع تنفيذه، أم عن مواقع لأسماء تريد مكافأتها أو استيعابها؟
ليست المشكلة أن يكون الوزير حزبيًا، بل أن يصبح انتماؤه مبرره الوحيد للوصول إلى الوزارة.
وليست المشكلة في التفاوض، بل في أن تُختزل المسؤولية العمومية في ميزان الربح التنظيمي والخسارة التنظيمية.
& الكفاءة ليست شهادة فقط
في المقابل، يحتاج الدفاع عن الكفاءة إلى تحريرها من الفهم الضيق الذي يحصرها في التطابق بين تخصص الشهادة واسم الوزارة.
فالمنصب الوزاري ليس مجرد وظيفة تقنية، ولا يفترض أن يتحول الوزير إلى بديل عن جميع الخبراء والأطر التي يضمها قطاعه.
المعيار الأجدى هو مجموع المؤهلات التي تسمح له بالقيادة: معرفة كافية بقضايا القطاع، وخبرة مناسبة، وقدرة على تدبير الموارد، وحسن اختيار الفرق، والاستماع إلى أهل الاختصاص، ثم اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته.
وقد تكون الشهادة المتخصصة عنصر قوة، لكنها لا تغني عن القدرة على التدبير.
كما أن التجربة السياسية قد تساعد على التفاوض وبناء التوافق، لكنها لا تعوض غياب المعرفة بالملفات.
ولا يصح، بالمثل، منح غير المنتمي حزبيًا شهادة كفاءة تلقائية، لمجرد تقديمه بصفة «تقنوقراطي».
المطلوب، إذن، ليس إقصاء السياسي لمصلحة التقني، ولا تفضيل التقني لمجرد صفته، بل اختيار مسؤول يجمع بين فهم المهمة والقدرة على إنجازها.
& توزيع الحقائب ليس توزيع أسماء فحسب
لا ينتهي النقاش عند هوية الوزير، بل يمتد إلى هندسة الحكومة نفسها:
لماذا تُجمع قطاعات معينة داخل وزارة واحدة؟
ولماذا تُفصل أخرى؟
وهل يساعد هذا التنظيم على وضوح المسؤوليات وتكامل التدخلات، أم يفتح المجال لتداخل الاختصاصات؟
وينص القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها على أن رئيس الحكومة يحدد، بعد تعيين أعضائها من قبل الملك، مهام كل عضو واختصاصاته والهياكل الإدارية التي يتولى السلطة عليها، بموجب مراسيم تُنشر في الجريدة الرسمية.
كما يؤكد مبادئ التنسيق والتتبع والتقييم والتضامن الحكومي.
ولهذا، ينبغي تقييم توزيع الحقائب من زاويتين متلازمتين: ملاءمة الشخص للمسؤولية، وملاءمة البنية الحكومية للأهداف المعلنة.
فما جدوى اختيار مسؤول مقتدر إذا كانت حدود اختصاصاته ملتبسة؟
وما قيمة هيكلة تبدو منسجمة على الورق إذا لم يتوفر القائمون عليها على القدرة على تفعيلها؟
إن منطق الإصلاح يقتضي أن تُبنى المسؤوليات على حاجات العمل، لا أن تُعاد صياغتها فقط لتناسب عدد المرشحين للمناصب.
& من حق المواطن أن يفهم أسباب الاختيار
ليس المطلوب كشف كل تفاصيل المفاوضات السياسية، بل تقديم ما يكفي لتفسير الاختيارات:
ما الخبرة ذات الصلة التي يحملها المسؤول؟
وما الإنجازات التي يمكن الاستناد إليها في تقييم مساره؟
وما الأولويات التي سيلتزم بها؟
وكيف سيُقاس التقدم في تنفيذها؟
ومن المهم هنا التمييز بين السيرة المهنية بوصفها قائمة من الألقاب، والسيرة باعتبارها دليلًا على الخبرة والنتائج.
فشغل مناصب متعددة لا يجيب، وحده، عن سؤال النجاح فيها، كما أن محدودية الظهور الإعلامي لا تعني غياب الأهلية.
وبالمثل، لا ينبغي الحكم على مسؤول بالإخفاق قبل أن يبدأ، ولا إعفاؤه من المساءلة بحجة أنه يحتاج دائمًا إلى مزيد من الوقت. الإنصاف يقتضي منحه فرصة للعمل، والجدية تقتضي ربط هذه الفرصة بأهداف وآجال ومؤشرات معلنة.
& حكومة واحدة لا حصص متجاورة
يمارس الوزراء مسؤولياتهم داخل إطار جماعي، فالحكومة تتولى السلطة التنفيذية وتعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين، كما يتحمل الوزراء مسؤولية تنفيذ السياسة الحكومية في القطاعات المكلفين بها، في إطار التضامن الحكومي.
وهذا يعني أن نجاح الحكومة لا يمكن اختزاله في حصيلة منفصلة لكل حزب.
فالمواطن يحتاج إلى خدمات وسياسات تتكامل، لا إلى قطاعات تتنافس في نسب الإنجازات أو تتبادل المسؤولية عن التعثر.
ومن هنا، يجب أن يمتد التقييم إلى قدرة الفريق الحكومي على التنسيق، وإلى استعداد مكوناته لتحمل المسؤولية المشتركة.
كما أن دور البرلمان لا يتوقف عند منح الثقة، إذ يراقب العمل الحكومي ويقيّم السياسات العمومية.
& المناصب للأحزاب أم المسؤولية للمواطنين؟
ختاما، ليس المطلوب حكومة بلا سياسة، بل سياسة لا تُفرغ الكفاءة من معناها.. ولا حكومة بلا أحزاب، بل أحزاب تدرك أن مشاركتها في الحكم مسؤولية أمام المواطنين قبل أن تكون مكسبًا داخل التحالف.
فالحقائب الوزارية ليست غنائم انتخابية، والمرافق العمومية ليست جوائز ترضية، والثقة لا تُكتسب بمجرد الإعلان عن الأسماء.
لذلك، سيظل السؤال الأجدر بالمرافقة والمساءلة:
هل اختير لكل قطاع من يستطيع خدمته، أم جرى البحث لكل اسم عن حقيبة تستوعبه؟
وبين المنطقين يتحدد الفرق بين حكومة تنشغل بنجاح مهمتها، وتشكيلة تنشغل برضا مكوناتها.
أما المواطن، فلا تعنيه حصة كل حزب من الوزارات بقدر ما تعنيه حصته من نتائجها.


















