فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
لم تكن عبارة «ليس السابح كالجالس على الصخرة» مجرد تعليق عابر ورد ضمن تفاعلات القراء مع مقال خاص بتكريمي على هامش فعاليات الدورة الثانية لمهرجان الأرز وفن التبوريدة بتراب جماعة بن صميم، بل كانت كلمة قصيرة حملت في طياتها حكمة شعبية عميقة، ومعنى إنسانيًا يستحق الوقوف عنده.
فالصديق الذي وجّه إليّ هذه العبارة عبر منصة واتساب لم يرد مجرد تهنئة أو مجاملة، بل اختار مثلًا شعبيًا يختصر في صورة بسيطة معنى كبيرًا: أن الجهد الحقيقي لا يُدرك دائمًا من بعيد.
& صورة المثل ومعناه
السابح في الماء، إذا نُظر إليه من مسافة بعيدة، قد يبدو وكأنه جالس ساكنًا على صخرة... لا حركة ظاهرة ولا تعبًا يُرى.
لكن الحقيقة أن هذا الإنسان يبذل مجهودًا كبيرًا، ويحرك يديه وقدميه، ويقاوم الماء كي لا يغرق، وكي يتمكن من الوصول إلى الضفة.
وهنا تكمن رسالة المثل: المسافة قد تحجب التفاصيل، والمظهر قد يخفي المجهود... فما يبدو للناس سكونًا أو راحة، قد يكون خلفه تعبًا ومثابرة ومحاولة يومية للبقاء والتقدم.
& في سياق العمل الصحفي
تأتي هذه المقولة في سياق جميل، لأنها تعبّر عن معنى قريب من واقع العمل الصحفي الميداني.
فالصحفي أو المراسل الذي يظهر في الفعاليات بهدوء، أو يرافق الأنشطة دون ضجيج، قد يبدو للبعض وكأنه مجرد متفرج أو شخص مستريح... بينما هو في الحقيقة «سابح»، يتنقل ويلاحق الخبر، ويصور ويكتب، ويتحقق ويراجع، ثم يحرر ويعدّ المادة للنشر، من أجل أن تصل الصورة والمعطيات إلى الجمهور.
ولهذا فإن التكريم الذي حظيت به على هامش مهرجان الأرز وفن التبوريدة ببن صميم بإقليم إفران لم يكن مجرد لفتة ظرفية، بل اعتراف بأن ما يبدو بسيطًا أو ساكنًا في نظر الآخرين، قد يكون خلفه التزامًا وجهدًا وحضورًا مستمرًا في الميدان.
& الحكم من بعيد خطر
يذكّر هذا المثل أيضًا بأهمية عدم الاستعجال في الحكم على الناس، فكثيرًا ما نسمع أحكامًا متسرعة عن أشخاص: "فلان لا يفعل شيئًا، وفلان يعيش في راحة، وفلان لا يواجه صعوبات"...
لكن الحقيقة أن كل إنسان يحمل في داخله معركة لا يعرفها الآخرون...
معركة من أجل لقمة العيش، أو من أجل أسرته، أو من أجل تحقيق حلم، أو حتى من أجل اجتياز يوم عادي بصبر.
ولهذا فإن المثل يدعو إلى الاقتراب من الواقع قبل إصدار الأحكام...
فالاقتراب يكشف الجهد، والإنصات يكشف الألم، ومعرفة الظروف تكشف الأسباب التي قد تجعل شخصًا يبدو ساكنًا وهو في الحقيقة يبذل كل ما لديه من قوة.
«ليس السابح كالجالس على الصخرة» ليست مجرد عبارة شعبية، بل دعوة إلى التواضع في الحكم والرحمة في النظرة... فربما كان ما نظنه سكونًا، هو في الحقيقة سباحة شاقة نحو البر، وجهاد صامت نحو حياة أفضل.
& كلمات تتجاوز التهنئة
وتزداد قيمة هذه المقولة عندما تأتي من شخص عاصر مراحل مختلفة من مساري المهني، وشاهد عن قرب ظروف العمل التي كانت وسائله شحيحة والظروف فيها صعبة.
فتكريم مثل هذا لا يقف عند حد اللحظة الحاضرة، بل يستحضر ذاكرة طويلة من الكفاح الصامت، والاستمرار رغم نقص الإمكانات، والإيمان بأن الكلمة والعمل الميداني قادران على ترك أثر مهما كانت الصعوبات.
كما تزداد قيمة هذه التفاعلات عندما تتحول من مجرد تهنئة إلى نصيحة أخوية ودعوة للتفكير في مستقبل الكتابة.
فالأخ والصديق الوفي أحمد اليعقوبي لم يكتفِ بالثناء على المسار المهني الطويل، بل اقترح فتح صفحة جديدة نحو الكتابة الإبداعية، سواء في الرواية أو القصة القصيرة، باعتبارها فضاءً أوسع للتعبير عن الذات والتجارب والذكريات.
وهكذا يصبح التكريم ليس فقط اعترافًا بالماضي، بل أيضًا دعوة للاستمرار والتطور، والانتقال من الكتابة النضالية والميدانية إلى آفاق أوسع من الإبداع الأدبي.
& رسالة تقدير واحترام..
وفي الختام، لا يفوتني أن أقف وقفة إجلال وتقدير لكل الصديقات والأصدقاء في منصات التواصل الاجتماعي، الذين عبّروا بنبل عن مشاعرهم تجاه مساري الإعلامي الذي يناهز أربعة عقود...
مسار ساهمتُ من خلاله النشر فيى عدد من المنابر الصحفية الورقية والإلكترونية... مشوار اشتغلت خلاله بكل موضوعية وجدية في نقل الخبر مهما حمل في طياته من عناء البحث عن المعلومة ومتابعة الحدث.
وأظلّ أعتبر هذه المسيرة رحلة تعلّم مستمرة... مسيرة ما تزال بحاجة إلى مزيد من المعرفة والتطور، لأن القلم، كما يقولون، نبض الحياة، ولا يتوقف عن الإضافة ما دام هناك شغف بالكتابة والخدمة.












































































































