فضاء الأطلس المتوسط نيوز/ محمد لشهب (باحث في التدبير العمومي والمالية العامة)
الملخص
تتناول هذه الدراسة الإشكالية المركزية المتمثلة في التوفيق بين الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية واستدامة الدين العمومي، من جهة، ومتطلبات بناء الدولة الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية وتمويل الأوراش الكبرى، من جهة أخرى، وذلك في سياق التحولات الهيكلية التي يشهدها المغرب خلال العقد الحالي. تنطلق الدراسة من فرضية أساسية مؤداها أن الاستقرار الماكرواقتصادي والإنفاق الاجتماعي والاستثمار العمومي ليست أهدافاً متعارضة بالضرورة، بل يمكن أن تشكل منظومة متكاملة شريطة اعتماد حكامة مالية فعالة، وترتيب عقلاني للأولويات، وتحسين جودة الإنفاق العمومي، وتنويع مصادر التمويل المستدام.
تعتمد الدراسة منهجاً وصفياً تحليلياً يقوم على تفسير العلاقات الديناميكية بين النمو الاقتصادي، عجز الميزانية، المديونية، الإنفاق الاجتماعي، والاستثمار العمومي، مع تحليل معمق لمتطلبات تمويل تعميم الحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وإنجاز المشاريع الكبرى. وتخلص الدراسة إلى أن نجاح المغرب في تحقيق هذه المعادلة يقتضي الانتقال من منطق ضبط الإنفاق في حد ذاته إلى منطق تحسين جودته ومردوديته، وربط الاقتراض بالاستثمار المنتج، وتوسيع الموارد الجبائية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتحسين حكامة المؤسسات والمقاولات العمومية، وإدماج العدالة المجالية في برمجة الاستثمار.
الملخص
تتناول هذه الدراسة الإشكالية المركزية المتمثلة في التوفيق بين الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية واستدامة الدين العمومي، من جهة، ومتطلبات بناء الدولة الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية وتمويل الأوراش الكبرى، من جهة أخرى، وذلك في سياق التحولات الهيكلية التي يشهدها المغرب خلال العقد الحالي. تنطلق الدراسة من فرضية أساسية مؤداها أن الاستقرار الماكرواقتصادي والإنفاق الاجتماعي والاستثمار العمومي ليست أهدافاً متعارضة بالضرورة، بل يمكن أن تشكل منظومة متكاملة شريطة اعتماد حكامة مالية فعالة، وترتيب عقلاني للأولويات، وتحسين جودة الإنفاق العمومي، وتنويع مصادر التمويل المستدام.
تعتمد الدراسة منهجاً وصفياً تحليلياً يقوم على تفسير العلاقات الديناميكية بين النمو الاقتصادي، عجز الميزانية، المديونية، الإنفاق الاجتماعي، والاستثمار العمومي، مع تحليل معمق لمتطلبات تمويل تعميم الحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وإنجاز المشاريع الكبرى. وتخلص الدراسة إلى أن نجاح المغرب في تحقيق هذه المعادلة يقتضي الانتقال من منطق ضبط الإنفاق في حد ذاته إلى منطق تحسين جودته ومردوديته، وربط الاقتراض بالاستثمار المنتج، وتوسيع الموارد الجبائية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتحسين حكامة المؤسسات والمقاولات العمومية، وإدماج العدالة المجالية في برمجة الاستثمار.
وبذلك تصبح استدامة المالية العمومية والدولة الاجتماعية والاستثمار المنتج مكونات متكاملة ضمن نموذج تنموي واحد.
الكلمات المفتاحية:
الكلمات المفتاحية:
التوازنات الماكرواقتصادية؛ الدين العمومي؛ الدولة الاجتماعية؛ العدالة المجالية؛ الاستثمار العمومي؛ الأوراش الكبرى؛ المالية العمومية؛ المغرب
مقدمة
أصبحت مسألة التوفيق بين الاستقرار الاقتصادي والمالي والاستجابة للحاجيات الاجتماعية والتنموية إحدى القضايا المركزية التي تواجه الدول المعاصرة، ولا سيما الاقتصادات الصاعدة والنامية.
مقدمة
أصبحت مسألة التوفيق بين الاستقرار الاقتصادي والمالي والاستجابة للحاجيات الاجتماعية والتنموية إحدى القضايا المركزية التي تواجه الدول المعاصرة، ولا سيما الاقتصادات الصاعدة والنامية.
فمن جهة، تفرض قواعد الاستدامة المالية ضرورة التحكم في عجز الميزانية، وتطور الدين العمومي، والحفاظ على استقرار الأسعار والتوازنات الخارجية، وذلك تجنباً لتراكم اختلالات قد تؤدي إلى أزمات مالية أو تخفيضات في التصنيف الائتماني (IMF, 2023; World Bank, 2023). ومن جهة ثانية، تواجه الدولة مطالب متزايدة تتصل بالحماية الاجتماعية، التعليم، الصحة، التشغيل، البنيات التحتية، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية، وهي مطالب تعكس تحولاً في وظائف الدولة من دولة حارسة إلى دولة فاعلة ومتدخلة (Stiglitz & Rosengard, 2015).
تكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة في الحالة المغربية، في ظل تزامن عدة تحولات وإصلاحات هيكلية طموحة، أبرزها: تعميم الحماية الاجتماعية (القانون الإطار 09.21)، وإصلاح منظومتي الصحة والتعليم، وتفعيل الدعم الاجتماعي المباشر، ومواجهة الإجهاد المائي والجفاف، وتطوير البنية التحتية للنقل والطاقة والماء، إلى جانب الاستثمار في أوراش كبرى ذات بعد وطني ودولي، كمشاريع الموانئ الكبرى والقطار فائق السرعة والطاقات المتجددة (اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي, 2021).
غير أن هذه المتطلبات تتزامن مع ضرورة الحفاظ على استدامة المالية العمومية، خاصة أن توسيع وظائف الدولة الاجتماعية وارتفاع الاستثمارات العمومية يولدان حاجيات تمويلية إضافية.
تكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة في الحالة المغربية، في ظل تزامن عدة تحولات وإصلاحات هيكلية طموحة، أبرزها: تعميم الحماية الاجتماعية (القانون الإطار 09.21)، وإصلاح منظومتي الصحة والتعليم، وتفعيل الدعم الاجتماعي المباشر، ومواجهة الإجهاد المائي والجفاف، وتطوير البنية التحتية للنقل والطاقة والماء، إلى جانب الاستثمار في أوراش كبرى ذات بعد وطني ودولي، كمشاريع الموانئ الكبرى والقطار فائق السرعة والطاقات المتجددة (اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي, 2021).
غير أن هذه المتطلبات تتزامن مع ضرورة الحفاظ على استدامة المالية العمومية، خاصة أن توسيع وظائف الدولة الاجتماعية وارتفاع الاستثمارات العمومية يولدان حاجيات تمويلية إضافية.
ويطرح ذلك تساؤلاً حول حدود الاعتماد على المديونية، ومدى قدرة النمو الاقتصادي والموارد الجبائية على توفير هوامش مالية تسمح باستمرار هذه السياسات دون خلق اختلالات مستقبلية (Ministère de l'Économie et des Finances, 2023).
غير أن صياغة الإشكالية باعتبارها اختياراً بين التقشف المالي والإنفاق الاجتماعي تبدو قاصرة من الناحية الاقتصادية. فالاستثمار في البنيات التحتية والرأسمال البشري يمكن أن يرفع الإنتاجية والنمو في الأجلين المتوسط والطويل، مثلما أن غياب الانضباط المالي قد يؤدي إلى ارتفاع خدمة الدين وتراجع الحيز المالي المتاح للسياسات الاجتماعية (Musgrave & Musgrave, 1989).
غير أن صياغة الإشكالية باعتبارها اختياراً بين التقشف المالي والإنفاق الاجتماعي تبدو قاصرة من الناحية الاقتصادية. فالاستثمار في البنيات التحتية والرأسمال البشري يمكن أن يرفع الإنتاجية والنمو في الأجلين المتوسط والطويل، مثلما أن غياب الانضباط المالي قد يؤدي إلى ارتفاع خدمة الدين وتراجع الحيز المالي المتاح للسياسات الاجتماعية (Musgrave & Musgrave, 1989).
تتمحور الإشكالية الرئيسية للدراسة حول السؤال التالي:
كيف يمكن للمغرب التوفيق بين متطلبات الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية واستدامة الدين العمومي، وبين استدامة تمويل الدولة الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية وإنجاز الأوراش الكبرى؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية تساؤلات جزئية تتعلق بحدود استدامة المديونية، وجودة الإنفاق العمومي، ومصادر تمويل الدولة الاجتماعية، وكيفية تحديد أولويات الاستثمار، ومدى قدرة الأوراش الكبرى على التحول من أعباء مالية آنية إلى روافع للنمو والإنتاجية والتشغيل.
لمعالجة هذه الإشكالية، نعتمد المنهج الوصفي والتحليلي والاستقرائي، بالاستناد إلى الأدبيات الاقتصادية والمؤسساتية، والتقارير الرسمية الوطنية والدولية، وذلك من خلال مبحثين متوازنين: يناقش الأول التوازنات الماكرواقتصادية وإشكالية استدامة الدين العمومي، بينما يعالج الثاني الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية والأوراش الكبرى وآليات التوفيق مع الاستدامة المالية.
●المبحث الأول:
كيف يمكن للمغرب التوفيق بين متطلبات الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية واستدامة الدين العمومي، وبين استدامة تمويل الدولة الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية وإنجاز الأوراش الكبرى؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية تساؤلات جزئية تتعلق بحدود استدامة المديونية، وجودة الإنفاق العمومي، ومصادر تمويل الدولة الاجتماعية، وكيفية تحديد أولويات الاستثمار، ومدى قدرة الأوراش الكبرى على التحول من أعباء مالية آنية إلى روافع للنمو والإنتاجية والتشغيل.
لمعالجة هذه الإشكالية، نعتمد المنهج الوصفي والتحليلي والاستقرائي، بالاستناد إلى الأدبيات الاقتصادية والمؤسساتية، والتقارير الرسمية الوطنية والدولية، وذلك من خلال مبحثين متوازنين: يناقش الأول التوازنات الماكرواقتصادية وإشكالية استدامة الدين العمومي، بينما يعالج الثاني الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية والأوراش الكبرى وآليات التوفيق مع الاستدامة المالية.
●المبحث الأول:
التوازنات الماكرواقتصادية وإشكالية استدامة الدين العمومي
□المطلب الأول:
□المطلب الأول:
محددات التوازنات الماكرواقتصادية وتحديات المالية العمومية
تشير التوازنات الماكرواقتصادية إلى درجة من الانسجام بين المؤشرات الكبرى للاقتصاد الوطني، بما يشمل النمو الاقتصادي، التضخم، التشغيل، المالية العمومية، الحسابات الخارجية، والاستقرار النقدي.
تشير التوازنات الماكرواقتصادية إلى درجة من الانسجام بين المؤشرات الكبرى للاقتصاد الوطني، بما يشمل النمو الاقتصادي، التضخم، التشغيل، المالية العمومية، الحسابات الخارجية، والاستقرار النقدي.
ولا يعني التوازن هنا ثبات هذه المؤشرات عند مستويات جامدة، وإنما الحفاظ على مسارات تسمح بتحقيق النمو والاستقرار دون تراكم اختلالات يصعب تصحيحها لاحقاً (Blanchard, 2017).
يشكل النمو الاقتصادي أحد أهم محددات هذا التوازن، باعتباره مصدراً لتوسيع الوعاء الجبائي، وخلق فرص الشغل، وتحسين دخل الأسر، ورفع قدرة الاقتصاد على تحمل الدين. ففي المغرب، سجل متوسط معدل النمو خلال العقد الماضي حوالي 3.2%، مع تقلبات مرتبطة بالجفاف والأزمات الخارجية (Haut-Commissariat au Plan, 2023).
يشكل النمو الاقتصادي أحد أهم محددات هذا التوازن، باعتباره مصدراً لتوسيع الوعاء الجبائي، وخلق فرص الشغل، وتحسين دخل الأسر، ورفع قدرة الاقتصاد على تحمل الدين. ففي المغرب، سجل متوسط معدل النمو خلال العقد الماضي حوالي 3.2%، مع تقلبات مرتبطة بالجفاف والأزمات الخارجية (Haut-Commissariat au Plan, 2023).
وفي المقابل، فإن ضعف النمو مع استمرار ارتفاع الإنفاق والعجز يؤدي إلى زيادة نسبة الدين إلى الناتج الداخلي الإجمالي، مما يضيق هوامش المناورة.
ومن الناحية المالية، يمثل عجز الميزانية نقطة التقاء بين موارد الدولة والتزاماتها.
ومن الناحية المالية، يمثل عجز الميزانية نقطة التقاء بين موارد الدولة والتزاماتها.
فإذا تجاوزت النفقات الإيرادات بصورة مستمرة، يصبح اللجوء إلى الاقتراض ضرورياً لتغطية الفجوة التمويلية.
وقد بلغ عجز الميزانية المغربي في السنوات الأخيرة مستويات تراوحت بين 4% و 6% من الناتج المحلي الإجمالي، متأثراً بارتفاع النفقات الاستثنائية المرتبطة بالجائحة والحماية الاجتماعية (Ministère de l'Économie et des Finances, 2024).
ولا تكمن المشكلة في وجود العجز بصورة مطلقة، لأن السياسة المالية قد تحتاج إلى دعم الاقتصاد خلال الأزمات، وإنما في طبيعته ومدته وكيفية استعمال الموارد الناتجة عنه.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الاقتراض الموجه لتمويل استثمارات ذات عائد اقتصادي واجتماعي مستقبلي، والاقتراض الذي يؤدي بصورة مستمرة إلى تمويل نفقات لا تولد قدرات إنتاجية أو موارد مستقبلية. فالاستثمار في النقل والماء والطاقة والتعليم والصحة يمكن، إذا كان فعالاً، أن يدعم النمو والإنتاجية، وبالتالي يوسع مستقبلاً القاعدة التي تؤدى منها الضرائب ويُسدد الدين (OECD, 2022).
كما يرتبط الاستقرار الماكرواقتصادي بالتضخم والسياسة النقدية. فارتفاع التضخم يضعف القدرة الشرائية ويؤثر بصورة أكبر على الأسر المحدودة الدخل، بينما يمكن أن يؤدي التشدد النقدي لمواجهته إلى ارتفاع كلفة الائتمان والتمويل. وقد عانى المغرب من موجة تضخمية في 2022-2023 تجاوزت 6%، مما دفع بنك المغرب إلى رفع سعر الفائدة الرئيسي، وهو ما زاد من كلفة خدمة الدين (Bank Al-Maghrib, 2023).
ومن هنا ينبغي التمييز بين الاقتراض الموجه لتمويل استثمارات ذات عائد اقتصادي واجتماعي مستقبلي، والاقتراض الذي يؤدي بصورة مستمرة إلى تمويل نفقات لا تولد قدرات إنتاجية أو موارد مستقبلية. فالاستثمار في النقل والماء والطاقة والتعليم والصحة يمكن، إذا كان فعالاً، أن يدعم النمو والإنتاجية، وبالتالي يوسع مستقبلاً القاعدة التي تؤدى منها الضرائب ويُسدد الدين (OECD, 2022).
كما يرتبط الاستقرار الماكرواقتصادي بالتضخم والسياسة النقدية. فارتفاع التضخم يضعف القدرة الشرائية ويؤثر بصورة أكبر على الأسر المحدودة الدخل، بينما يمكن أن يؤدي التشدد النقدي لمواجهته إلى ارتفاع كلفة الائتمان والتمويل. وقد عانى المغرب من موجة تضخمية في 2022-2023 تجاوزت 6%، مما دفع بنك المغرب إلى رفع سعر الفائدة الرئيسي، وهو ما زاد من كلفة خدمة الدين (Bank Al-Maghrib, 2023).
ومن ثم تظهر ضرورة التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية حتى لا تعمل إحداهما في اتجاه معاكس للأخرى.
ويضاف إلى ذلك البعد الخارجي، خاصة بالنسبة إلى اقتصاد منفتح على التجارة العالمية وأسعار الطاقة والمواد الأولية. وتمثل الصدمات الخارجية وتقلبات الأسعار والجفاف والتغيرات الجيوسياسية مصادر ضغط محتملة على الميزانية والحساب الخارجي والنمو.
ويضاف إلى ذلك البعد الخارجي، خاصة بالنسبة إلى اقتصاد منفتح على التجارة العالمية وأسعار الطاقة والمواد الأولية. وتمثل الصدمات الخارجية وتقلبات الأسعار والجفاف والتغيرات الجيوسياسية مصادر ضغط محتملة على الميزانية والحساب الخارجي والنمو.
فالمغرب يستورد حوالي 90% من احتياجاته الطاقية، مما يجعله عرضة لتقلبات أسعار النفط والغاز، وهو ما أثقل كاهل الميزانية خلال فترات الارتفاع الحاد (World Bank, 2023).
وبذلك فإن الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية لا ينبغي اختزاله في مؤشر منفرد كالعجز، بل ينبغي النظر إليه باعتباره توازناً دينامياً بين النمو والاستقرار النقدي والمالي والخارجي، يتطلب متابعة دقيقة وتدابير تصحيحية في الوقت المناسب.
المطلب الثاني:
وبذلك فإن الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية لا ينبغي اختزاله في مؤشر منفرد كالعجز، بل ينبغي النظر إليه باعتباره توازناً دينامياً بين النمو والاستقرار النقدي والمالي والخارجي، يتطلب متابعة دقيقة وتدابير تصحيحية في الوقت المناسب.
المطلب الثاني:
استدامة الدين العمومي وهوامش تمويل السياسات العمومية
يشكل الدين العمومي إحدى أهم أدوات السياسة المالية، حيث يسمح للدولة بتوزيع تكلفة بعض الاستثمارات بين الأجيال، وتمويل احتياجات استثنائية، والتدخل في مواجهة الأزمات. لذلك لا يمكن الحكم على المديونية انطلاقاً من حجمها فقط، وإنما يجب تحليل كلفتها وآجالها وتركيبتها والعملة المقومة بها وأوجه استخدام الموارد المقترضة (IMF, 2022).
وتعني استدامة الدين قدرة الدولة على الاستمرار في خدمة التزاماتها دون اللجوء إلى تصحيحات مالية حادة أو إعادة هيكلة الدين أو إحداث اختلالات اقتصادية واجتماعية كبيرة. وترتبط هذه الاستدامة أساساً بالعلاقة بين معدل النمو الاقتصادي ومعدل الفائدة، إضافة إلى الرصيد الأولي للميزانية. ففي المغرب، ارتفعت نسبة الدين العمومي إلى الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 60% قبل الجائحة إلى أكثر من 72% في 2023، مع توقعات بانخفاض تدريجي إلى حدود 68% بحلول 2026، شرط استمرار النمو وتحقيق الضبط المالي (Ministère de l'Économie et des Finances, 2024).
فعندما ينمو الاقتصاد بوتيرة جيدة وتظل تكلفة التمويل تحت السيطرة، تصبح إدارة نسبة الدين إلى الناتج أسهل.
يشكل الدين العمومي إحدى أهم أدوات السياسة المالية، حيث يسمح للدولة بتوزيع تكلفة بعض الاستثمارات بين الأجيال، وتمويل احتياجات استثنائية، والتدخل في مواجهة الأزمات. لذلك لا يمكن الحكم على المديونية انطلاقاً من حجمها فقط، وإنما يجب تحليل كلفتها وآجالها وتركيبتها والعملة المقومة بها وأوجه استخدام الموارد المقترضة (IMF, 2022).
وتعني استدامة الدين قدرة الدولة على الاستمرار في خدمة التزاماتها دون اللجوء إلى تصحيحات مالية حادة أو إعادة هيكلة الدين أو إحداث اختلالات اقتصادية واجتماعية كبيرة. وترتبط هذه الاستدامة أساساً بالعلاقة بين معدل النمو الاقتصادي ومعدل الفائدة، إضافة إلى الرصيد الأولي للميزانية. ففي المغرب، ارتفعت نسبة الدين العمومي إلى الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 60% قبل الجائحة إلى أكثر من 72% في 2023، مع توقعات بانخفاض تدريجي إلى حدود 68% بحلول 2026، شرط استمرار النمو وتحقيق الضبط المالي (Ministère de l'Économie et des Finances, 2024).
فعندما ينمو الاقتصاد بوتيرة جيدة وتظل تكلفة التمويل تحت السيطرة، تصبح إدارة نسبة الدين إلى الناتج أسهل.
أما اجتماع تباطؤ النمو وارتفاع أسعار الفائدة واستمرار العجز، فيؤدي إلى تضييق الهوامش المالية وارتفاع حصة خدمة الدين في الميزانية.
وفي المغرب، تمثل خدمة الدين العمومي حوالي 12% من النفقات العامة، وهو مستوى مرتفع يحد من القدرة على تمويل أولويات جديدة (Cour des Comptes, 2023).
وتكتسي بنية الدين أهمية موازية لحجمه. فمديونية طويلة الأجل وبشروط تمويلية ملائمة تختلف في مخاطرها عن دين قصير الأجل أو مرتفع التكلفة.
وتكتسي بنية الدين أهمية موازية لحجمه. فمديونية طويلة الأجل وبشروط تمويلية ملائمة تختلف في مخاطرها عن دين قصير الأجل أو مرتفع التكلفة.
وقد نجح المغرب في إطالة آجال استحقاق ديونه وتنويع مصادر التمويل بين السوق الداخلية والخارجية، مما قلص مخاطر إعادة التمويل.
كما أن تنمية السوق الداخلية لسندات الخزينة وتدبير آجال الاستحقاق يمكن أن يخففا من مخاطر إعادة التمويل (Bank Al-Maghrib, 2023).
وتتجلى الإشكالية الأساسية في أثر المديونية على "الحيز المالي"، أي قدرة الدولة على تمويل أولويات جديدة دون تعريض استدامة المالية العمومية للخطر. فكلما ارتفعت تكلفة خدمة الدين، تقلصت الموارد التي يمكن تخصيصها للصحة والتعليم والاستثمار والحماية الاجتماعية.
وتتجلى الإشكالية الأساسية في أثر المديونية على "الحيز المالي"، أي قدرة الدولة على تمويل أولويات جديدة دون تعريض استدامة المالية العمومية للخطر. فكلما ارتفعت تكلفة خدمة الدين، تقلصت الموارد التي يمكن تخصيصها للصحة والتعليم والاستثمار والحماية الاجتماعية.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن المغرب يحتاج إلى تحقيق فائض أولي (قبل احتساب الفوائد) بنسبة 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي للحفاظ على استدامة الدين في الأفق المتوسط (IMF, 2024).
ولا ينبغي، مع ذلك، أن يقود الحرص على استدامة الدين إلى خفض آلي للاستثمار العمومي.
ولا ينبغي، مع ذلك، أن يقود الحرص على استدامة الدين إلى خفض آلي للاستثمار العمومي.
فالاستثمار المنتج قد يرفع الناتج المحتمل ويقوي القدرة المستقبلية على تحمل الدين.
ولهذا ينبغي أن تركز استراتيجية ضبط المالية العمومية على جودة الإنفاق والإصلاح الجبائي وتحسين الحكامة بدلاً من الاقتصار على تخفيض الاستثمارات ذات المردودية المرتفعة (OECD, 2022).
ويستوجب ذلك اعتماد إطار مالي متوسط الأجل يحدد مساراً واقعياً للعجز والدين، مع إخضاع المشاريع الكبرى لتقييم قبلي وبعدي، ومراقبة المخاطر المالية المرتبطة بالمؤسسات والمقاولات العمومية والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ويستوجب ذلك اعتماد إطار مالي متوسط الأجل يحدد مساراً واقعياً للعجز والدين، مع إخضاع المشاريع الكبرى لتقييم قبلي وبعدي، ومراقبة المخاطر المالية المرتبطة بالمؤسسات والمقاولات العمومية والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وقد أنشأ المغرب هيئة لتقييم السياسات المالية، لكن تفعيل دورها بشكل كامل ما زال يحتاج إلى تعزيز (Cour des Comptes, 2023).
المبحث الثاني:
المبحث الثاني:
الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية والأوراش الكبرى ومعادلة التوفيق مع الاستدامة الماكرواقتصادية
المطلب الأول: استدامة الدولة الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية
يشكل ترسيخ الدولة الاجتماعية تحولاً في وظائف السياسة العمومية المغربية، خاصة مع تعميم الحماية الاجتماعية (القانون الإطار 09.21)، وتوسيع التغطية الصحية، وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر (برنامج "تيسير" و"أمل")، إلى جانب إصلاح قطاعي الصحة والتعليم.
المطلب الأول: استدامة الدولة الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية
يشكل ترسيخ الدولة الاجتماعية تحولاً في وظائف السياسة العمومية المغربية، خاصة مع تعميم الحماية الاجتماعية (القانون الإطار 09.21)، وتوسيع التغطية الصحية، وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر (برنامج "تيسير" و"أمل")، إلى جانب إصلاح قطاعي الصحة والتعليم.
وتترجم هذه السياسة انتقالاً من تدخلات اجتماعية متفرقة إلى بناء منظومة يفترض أن تتميز بالشمول والاستمرارية والاستهداف (اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي, 2021).
غير أن التحدي الرئيسي لا يكمن فقط في إطلاق البرامج الاجتماعية، وإنما في ضمان استدامة تمويلها.
غير أن التحدي الرئيسي لا يكمن فقط في إطلاق البرامج الاجتماعية، وإنما في ضمان استدامة تمويلها.
فالدولة الاجتماعية لا يمكن أن تعتمد بصورة دائمة على الاقتراض لأن الالتزامات الاجتماعية ذات طبيعة متكررة ومستمرة (Musgrave & Musgrave, 1989).
وتشير تقديرات وزارة المالية إلى أن تكلفة تعميم الحماية الاجتماعية قد تصل إلى 50 مليار درهم سنوياً بحلول 2025، وهو مبلغ كبير يتطلب موارد مالية ثابتة (Ministère de l'Économie et des Finances, 2023).
تبعاً لذلك، ينبغي أن يرتكز تمويل الدولة الاجتماعية على موارد مستدامة، في مقدمتها الموارد الجبائية والاشتراكات الاجتماعية بحسب طبيعة كل برنامج.
تبعاً لذلك، ينبغي أن يرتكز تمويل الدولة الاجتماعية على موارد مستدامة، في مقدمتها الموارد الجبائية والاشتراكات الاجتماعية بحسب طبيعة كل برنامج.
وقد شرع المغرب في إصلاح جبائي موسع يهدف إلى توسيع الوعاء، والحد من التهرب والغش، وتقييم النفقات الجبائية، وتحسين نجاعة التحصيل.
غير أن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تزال دون 23%، وهي أقل من متوسط الاقتصادات الصاعدة المماثلة (IMF, 2023).
ويتطلب ذلك تسريع وتيرة الإصلاح مع مراعاة القدرة التنافسية والعدالة الجبائية.
ويرتبط نجاح الدولة الاجتماعية كذلك بجودة الاستهداف. وقد ساهم إحداث السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد في توفير أدوات مؤسساتية يمكن توظيفها لتحسين توجيه برامج الدعم.
ويرتبط نجاح الدولة الاجتماعية كذلك بجودة الاستهداف. وقد ساهم إحداث السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد في توفير أدوات مؤسساتية يمكن توظيفها لتحسين توجيه برامج الدعم.
غير أن الاستهداف ينبغي أن يظل مصحوباً بالتقييم المستمر، حتى لا يؤدي إلى أخطاء في الإدماج أو الإقصاء، كما حصل في بعض التجارب الأولية (Haut-Commissariat au Plan, 2022).
ولا تكتمل الدولة الاجتماعية من دون العدالة المجالية.
ولا تكتمل الدولة الاجتماعية من دون العدالة المجالية.
فالحقوق الاجتماعية لا ينبغي أن تتحدد بحسب مكان إقامة المواطن... ووجود تغطية صحية، على سبيل المثال، لا يحقق الغاية كاملة إذا كانت بعض المجالات تعاني ضعف العرض الطبي أو صعوبة الوصول إلى المستشفيات.
فالفوارق بين الجهات المغربية في مؤشرات التنمية البشرية والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية لا تزال كبيرة، حيث تتراوح نسبة الفقر متعدد الأبعاد بين 10% في بعض المناطق الحضرية و30% في المناطق القروية والجبلية (Haut-Commissariat au Plan, 2023).
وتقتضي العدالة المجالية لذلك الانتقال من قياس الإنفاق بحسب حجمه إلى قياسه بحسب النتائج المحققة في مختلف الجهات: زمن الوصول إلى المرافق الصحية، جودة التعليم، الربط بالماء والكهرباء والنقل، فرص الشغل، والاستفادة من الاستثمار.
وتقتضي العدالة المجالية لذلك الانتقال من قياس الإنفاق بحسب حجمه إلى قياسه بحسب النتائج المحققة في مختلف الجهات: زمن الوصول إلى المرافق الصحية، جودة التعليم، الربط بالماء والكهرباء والنقل، فرص الشغل، والاستفادة من الاستثمار.
وقد خصص المغرب نسبة مئوية من ميزانية الاستثمار للجهات الأقل نمواً، لكن تنفيذ ذلك يظل غير كافٍ لسد الفجوات المتراكمة (Cour des Comptes, 2023).
ومن هذا المنظور، تصبح العدالة المجالية عاملاً اقتصادياً إلى جانب بعدها الاجتماعي، لأن تأهيل المجالات الأقل استفادة يسمح بإدماج موارد بشرية وإنتاجية جديدة في الدورة الاقتصادية، ويخفف الضغط الديمغرافي والخدماتي عن المراكز الحضرية الكبرى، ويعزز التماسك الاجتماعي (World Bank, 2022).
المطلب الثاني: تمويل الأوراش الكبرى وآليات التوفيق بين الاستثمار والاستقرار الماكرواقتصادي
تمثل الأوراش الكبرى إحدى الأدوات التي تراهن عليها الدول لتحديث البنية التحتية وزيادة تنافسية الاقتصاد. وقد راكم المغرب استثمارات ضخمة في الطرق السيارة (أكثر من 1800 كلم)، الموانئ (طنجة المتوسط، الداخلة)، السكك الحديدية (القطار فائق السرعة)، الطاقة (مشاريع نور للطاقة الشمسية، وطاقة الرياح)، الماء (محطات تحلية المياه)، والمطارات، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بالتنمية الحضرية والاستعداد لاستضافة كأس العالم 2030 (Ministère de l'Équipement et de l'Eau, 2023).
ولا ينبغي تقييم هذه المشاريع فقط من خلال تكلفتها المباشرة، بل من خلال أثرها الاقتصادي والاجتماعي والمجالي خلال دورة حياتها.
ومن هذا المنظور، تصبح العدالة المجالية عاملاً اقتصادياً إلى جانب بعدها الاجتماعي، لأن تأهيل المجالات الأقل استفادة يسمح بإدماج موارد بشرية وإنتاجية جديدة في الدورة الاقتصادية، ويخفف الضغط الديمغرافي والخدماتي عن المراكز الحضرية الكبرى، ويعزز التماسك الاجتماعي (World Bank, 2022).
المطلب الثاني: تمويل الأوراش الكبرى وآليات التوفيق بين الاستثمار والاستقرار الماكرواقتصادي
تمثل الأوراش الكبرى إحدى الأدوات التي تراهن عليها الدول لتحديث البنية التحتية وزيادة تنافسية الاقتصاد. وقد راكم المغرب استثمارات ضخمة في الطرق السيارة (أكثر من 1800 كلم)، الموانئ (طنجة المتوسط، الداخلة)، السكك الحديدية (القطار فائق السرعة)، الطاقة (مشاريع نور للطاقة الشمسية، وطاقة الرياح)، الماء (محطات تحلية المياه)، والمطارات، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بالتنمية الحضرية والاستعداد لاستضافة كأس العالم 2030 (Ministère de l'Équipement et de l'Eau, 2023).
ولا ينبغي تقييم هذه المشاريع فقط من خلال تكلفتها المباشرة، بل من خلال أثرها الاقتصادي والاجتماعي والمجالي خلال دورة حياتها.
فالبنية التحتية الجيدة يمكن أن تخفض تكاليف النقل والإنتاج، وتحسن جاذبية البلاد للاستثمار، وتربط المجالات بمراكز النشاط، وتساهم في خلق فرص العمل.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن كل درهم يستثمر في البنية التحتية يمكن أن يولد عائداً مضاعفاً على النمو في الأجل الطويل (World Bank, 2023).
لكن هذا الأثر الإيجابي ليس تلقائياً... فقد يتحول المشروع الكبير إلى عبء مالي إذا كانت تكلفته أعلى من منافعه، أو إذا كانت تقديرات الطلب غير واقعية، أو إذا ترتبت عنه تكاليف تشغيل وصيانة مرتفعة لم تؤخذ في الاعتبار.
لكن هذا الأثر الإيجابي ليس تلقائياً... فقد يتحول المشروع الكبير إلى عبء مالي إذا كانت تكلفته أعلى من منافعه، أو إذا كانت تقديرات الطلب غير واقعية، أو إذا ترتبت عنه تكاليف تشغيل وصيانة مرتفعة لم تؤخذ في الاعتبار.
وقد أظهرت بعض التجارب السابقة في المغرب، كمشاريع السدود أو الطرق السريعة، أن الجدوى الاقتصادية تعتمد بشكل كبير على جودة الدراسة المسبقة ومتابعة التنفيذ (Cour des Comptes, 2022).
ومن ثم فإن التوفيق بين تمويل الأوراش الكبرى والتوازنات المالية يتطلب إخضاع المشاريع لمنهجية دقيقة للاختيار والتقييم، مع ترتيبها بحسب الأولوية والمردودية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية.
ومن ثم فإن التوفيق بين تمويل الأوراش الكبرى والتوازنات المالية يتطلب إخضاع المشاريع لمنهجية دقيقة للاختيار والتقييم، مع ترتيبها بحسب الأولوية والمردودية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية.
وقد اعتمد المغرب إطاراً للتقييم القبلي للمشاريع الكبرى، لكن تطبيقه لا يزال جزئياً، ويتطلب تعزيز قدرات الإدارات المعنية (اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي, 2021).
كما يمكن تعبئة القطاع الخاص من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص عندما تكون طبيعة المشروع ملائمة لذلك.
كما يمكن تعبئة القطاع الخاص من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص عندما تكون طبيعة المشروع ملائمة لذلك.
وقد استعمل المغرب هذه الآلية في مشاريع الطاقة والماء والبنية التحتية، لكنها تظل محدودة بسبب تعقيدات الإطار القانوني والمالي.
غير أن هذه الشراكات ليست تمويلاً مجانياً؛ فقد تخلق التزامات مالية مستقبلية على الدولة (التزامات طارئة أو محتملة)، وهو ما يقتضي الشفافية وتوزيع المخاطر على الطرف الأكثر قدرة على تحملها (IMF, 2022).
وإلى جانب ذلك، يسمح إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية وتحسين حكامتها بتحرير هوامش إضافية للاستثمار.
وإلى جانب ذلك، يسمح إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية وتحسين حكامتها بتحرير هوامش إضافية للاستثمار.
فالمغرب يمتلك منظومة واسعة من المقاولات العمومية التي تدير قطاعات حيوية كالماء والكهرباء والنقل والاتصالات، وهي بحاجة إلى إعادة هيكلة لتحقيق الكفاءة المالية وتقليل الاعتماد على الميزانية.
وقد بدأ العمل في هذا الاتجاه، لكن النتائج ما زالت محدودة (Cour des Comptes, 2023).
كما يمكن الاستفادة من التمويلات المبتكرة والخضراء بالنسبة إلى مشاريع الطاقة والماء والتكيف المناخي، شريطة احترام الاستدامة المالية.
وعملياً، يمكن بناء معادلة التوفيق على مجموعة من المرتكزات العملية:
• الضبط التدريجي وليس الفجائي:
وعملياً، يمكن بناء معادلة التوفيق على مجموعة من المرتكزات العملية:
• الضبط التدريجي وليس الفجائي:
خفض العجز والمديونية بصورة متدرجة تتناسب مع وتيرة النمو، مع تجنب السياسات التقشفية الحادة التي تقوض النشاط الاقتصادي.
• حماية الإنفاق الاجتماعي الأساسي والاستثمارات ذات المردودية المرتفعة:
• حماية الإنفاق الاجتماعي الأساسي والاستثمارات ذات المردودية المرتفعة:
تحديد حد أدنى للإنفاق الاجتماعي والاستثماري لا يمكن تجاوزه في عمليات الترشيد.
• تعزيز الموارد الجبائية:
• تعزيز الموارد الجبائية:
توسيع الوعاء، ومكافحة التهرب، وتحديث الإدارة الضريبية، مع الحفاظ على القدرة التنافسية.
• ترتيب المشاريع الكبرى حسب الأولوية وإخضاعها لتقييم التكلفة والمنفعة:
• ترتيب المشاريع الكبرى حسب الأولوية وإخضاعها لتقييم التكلفة والمنفعة:
اعتماد معايير واضحة للانتقاء، وإجراء تقييمات بعدية للمشاريع المنجزة.
• إشراك القطاع الخاص مع ضبط المخاطر المالية الضمنية: تطوير الشراكات مع وضع حدود لتحمل الدولة للمخاطر، وتعزيز الشفافية في العقود.
• تحسين حكامة الاستثمار والمؤسسات والمقاولات العمومية: إعادة هيكلة المؤسسات العمومية، وتعزيز الرقابة، وتقييم الأداء بانتظام.
• توجيه الاستثمار نحو تقليص الفوارق الترابية:
• إشراك القطاع الخاص مع ضبط المخاطر المالية الضمنية: تطوير الشراكات مع وضع حدود لتحمل الدولة للمخاطر، وتعزيز الشفافية في العقود.
• تحسين حكامة الاستثمار والمؤسسات والمقاولات العمومية: إعادة هيكلة المؤسسات العمومية، وتعزيز الرقابة، وتقييم الأداء بانتظام.
• توجيه الاستثمار نحو تقليص الفوارق الترابية:
تخصيص حصص استثمارية للجهات الأقل نمواً، مع ربطها بمشاريع منتجة تخلق قيمة مضافة محلية.
• اعتماد برمجة مالية واستثمارية متعددة السنوات:
• اعتماد برمجة مالية واستثمارية متعددة السنوات:
وضع إطار متوسط الأجل للاستثمار ينسجم مع أهداف المالية العمومية، ويتيح استباق حاجيات التمويل.
وبذلك، فإن معيار النجاح ليس إنفاق أكبر قدر ممكن من الموارد ولا تحقيق أقل مستوى ممكن من الإنفاق، وإنما تحقيق أكبر أثر اقتصادي واجتماعي ومجالي ممكن مقابل كل درهم من المال العام.
خاتمة
خلصت الدراسة إلى أن العلاقة بين التوازنات الماكرواقتصادية والدولة الاجتماعية والعدالة المجالية والأوراش الكبرى لا ينبغي النظر إليها من زاوية التعارض، وإنما من منظور التكامل المشروط بالكفاءة والاستدامة.
وبذلك، فإن معيار النجاح ليس إنفاق أكبر قدر ممكن من الموارد ولا تحقيق أقل مستوى ممكن من الإنفاق، وإنما تحقيق أكبر أثر اقتصادي واجتماعي ومجالي ممكن مقابل كل درهم من المال العام.
خاتمة
خلصت الدراسة إلى أن العلاقة بين التوازنات الماكرواقتصادية والدولة الاجتماعية والعدالة المجالية والأوراش الكبرى لا ينبغي النظر إليها من زاوية التعارض، وإنما من منظور التكامل المشروط بالكفاءة والاستدامة.
فالحفاظ على عجز ومديونية قابلين للاستدامة ضروري لضمان قدرة الدولة على الاستمرار في تمويل سياساتها، لكنه لا يستوجب بالضرورة تقليص النفقات الاجتماعية والاستثمارات المنتجة.
وفي الاتجاه المقابل، فإن توسيع الحماية الاجتماعية والاستثمار العمومي دون مصادر تمويل مستقرة ودون تقييم للمردودية يمكن أن يراكم التزامات تهدد استدامة هذه السياسات نفسها.
وتتمثل المعادلة الأكثر توازناً بالنسبة إلى المغرب في الجمع بين الضبط التدريجي للمالية العمومية، وتحسين جودة الإنفاق، ورفع كفاءة الاستثمار، والإصلاح الجبائي، وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
وتتمثل المعادلة الأكثر توازناً بالنسبة إلى المغرب في الجمع بين الضبط التدريجي للمالية العمومية، وتحسين جودة الإنفاق، ورفع كفاءة الاستثمار، والإصلاح الجبائي، وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
كما ينبغي أن تصبح العدالة المجالية معياراً في تخصيص الاستثمار، وليس مجرد نتيجة منتظرة منه.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن المغرب يمتلك هامشاً للمناورة، شريطة تحسين الحكامة وتفعيل الأدوات المؤسساتية القائمة.
إن الانتقال من منطق "كم تنفق الدولة؟" إلى سؤال "كيف تنفق الدولة وما النتائج المتحققة؟" يشكل أحد المفاتيح الرئيسية لهذه المعادلة.
إن الانتقال من منطق "كم تنفق الدولة؟" إلى سؤال "كيف تنفق الدولة وما النتائج المتحققة؟" يشكل أحد المفاتيح الرئيسية لهذه المعادلة.
فاستدامة الدين لا تتحقق فقط بتقليص البسط، أي الدين، وإنما كذلك بتقوية المقام، أي الناتج والثروة الوطنية.
والدولة الاجتماعية بدورها تكون أكثر استدامة كلما ساهمت في بناء رأسمال بشري منتج، بينما تكون المشاريع الكبرى أكثر قابلية للتمويل كلما خلقت قيمة اقتصادية واجتماعية ومجالية تتجاوز تكلفتها.
ومن ثم فإن التحدي الحقيقي أمام السياسات العمومية المغربية ليس الاختيار بين الاستقرار المالي والتنمية الاجتماعية والاستثمار، وإنما بناء حكامة قادرة على جعل كل عنصر منها داعماً للآخر، ضمن رؤية طويلة الأمد تحفظ حقوق الأجيال الحالية دون تحميل الأجيال القادمة أعباء مالية غير مستدامة. ويتطلب ذلك إرادة سياسية قوية، وشفافية في التدبير، ومشاركة واسعة للفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.
ومن ثم فإن التحدي الحقيقي أمام السياسات العمومية المغربية ليس الاختيار بين الاستقرار المالي والتنمية الاجتماعية والاستثمار، وإنما بناء حكامة قادرة على جعل كل عنصر منها داعماً للآخر، ضمن رؤية طويلة الأمد تحفظ حقوق الأجيال الحالية دون تحميل الأجيال القادمة أعباء مالية غير مستدامة. ويتطلب ذلك إرادة سياسية قوية، وشفافية في التدبير، ومشاركة واسعة للفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.











