فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
حين تتدهور الغابة، وتجف البحيرة، وتفقد المراعي وظيفتها، تفقد البلاد جزءً من مخزونها المائي.
فصون الطبيعة ليس ترفًا بيئيًا، بل رهان مباشر للأمن المائي والغذائي.
يأتي هذا الطرح حيث يلتقي الخطاب الملكي بصوت المجتمع المدني البيئي، فتتجلى حقيقة بسيطة لكنها حاسمة: لا يمكن بناء أمن مائي وغذائي وطاقي مستدام دون حماية التنوع البيولوجي والمنظومات الطبيعية التي تنتج هذه الموارد وتحفظها.
وفي افتتاح الدورة البرلمانية، دعا جلالة الملك محمد السادس إلى جيل جديد من الاستراتيجيات في مجالي الأمن المائي والغذائي والطاقي، وإلى جعل التنمية الترابية رهان المرحلة، ووضع الشباب في صلب السياسات العمومية.
وهذه المطالب ليست شعارات عامة، بل هي -في جوهرها- خلاصات مشاورات ترابية قادها المجتمع المدني البيئي، بتنظيم من قطب التنوع البيولوجي بجمعية مدرسي علوم الحياة والأرض بالمغرب، وبمشاركة شركاء الجمعية، حول الاستراتيجية الوطنية ومخطط العمل للتنوع البيولوجي 2026–2035.
& الماء يبدأ من الجبل
يشكّل الأطلس المتوسط أحد أهم خزانات المياه في المغرب، إذ يوفر نسبة وافرة من المياه القابلة للتعبئة على الصعيد الوطني.
غير أن هذا الرصيد الطبيعي يواجه ضغوطًا متزايدة، تجلّت بين 2017 و2024 في جفاف عدد من البحيرات والمناطق الرطبة بالمنطقة.
إن حماية الغابات والمروج الرعوية والمناطق الرطبة ليست ترفًا بيئيًا، بل هي حماية مباشرة لمصدر الماء نفسه، ولأهم مواطن التنوع البيولوجي في المغرب وحوض البحر الأبيض المتوسط.
فكل هكتار غابوي يتدهور، وكل بحيرة تجف، وكل مرج يفقد وظيفته البيئية، هو خسارة مباشرة في القدرة المائية للبلاد.
& الجهوية أداة للعدالة البيئية
يتطلب صون هذا الرصيد الطبيعي صندوقًا جهويًا للتنوع البيولوجي، وتنسيقًا فعليًا بين القطاعات، وصلاحيات أوضح للجهات والجماعات الترابية.
وهو ما يخدم مطلب اللاتمركز ونقل الموارد نحو المناطق التي تتحمل العبء البيئي الأكبر.
فالمناطق الجبلية، ومنها إقليم إفران والأطلس المتوسط، تحضن موائل فريدة وتقدم خدمات بيئية أساسية للوطن، لكنها تعرف في الوقت نفسه مستويات من الفقر والهشاشة تجعلها نموذجًا صارخًا لـ«المغرب ذي السرعتين».
ومن هنا، فإن الاستثمار في حماية الطبيعة هناك هو استثمار في التنمية المحلية والعدالة الترابية معًا.
& الغذاء يبدأ من الأرض والبذرة
لا يمكن تحقيق السيادة الغذائية دون حماية الأصناف المحلية المقاومة للجفاف، وتثمين المنتجات المجالية، ودعم أنماط فلاحية تصون التربة والموارد المائية والمنظومات البيئية.
هذا المسار لا يعزز الأمن الغذائي الوطني فحسب، بل يفتح آفاقًا حقيقية لتحسين دخل التعاونيات الفلاحية، ويدعم في كثير من الحالات مقاربة النوع الاجتماعي من خلال تمكين النساء في سلاسل الإنتاج والتحويل والتسويق.
& الشباب والشغل الأخضر
يمثل الشغل الأخضر أحد أهم رهانات المرحلة:
الإرشاد البيئي، والتربية البيئية، والرصد الرقمي للموارد الطبيعية، وإدارة المحميات والمسارات البيئية...
وكلها مجالات قادرة على خلق فرص شغل للشباب، خاصة في المناطق الجبلية والقروية.
غير أن تحويل هذه الفرص إلى وظائف فعلية يتطلب برامج تكوين مهنية، وتمويلًا ميسّرًا، وإدماجًا حقيقيًا للشباب في تصميم المشاريع البيئية، وليس في تنفيذها فقط.
& القطاع الخاص شريك لا بديل
يمكن للسياحة البيئية، وسلاسل القيمة المرتبطة بالمنتجات المجالية، والتمويل المسؤول، أن تشكل مجالات استثمار منتجة اقتصاديًا واجتماعيًا وبيئيًا.
لكن هذا الاستثمار يجب أن يبقى خاضعًا لضوابط صارمة تحمي المواقع الطبيعية من الاستغلال المفرط، وتضمن أن تعود منافعه على الساكنة المحلية.
& من التشخيص إلى التنفيذ
الخلاصة واضحة إذ أن التنوع البيولوجي ليس ترفًا بيئيًا ولا ملفًا هامشيًا، بل هو بنية تحتية للأمن المائي والغذائي والتنمية الترابية.
وحان الوقت لإدماجه بشكل فعلي في البرامج الحكومية والمخططات الجهوية والبرامج الجماعية، والانتقال من التشخيص والمشاورات إلى القرار والتنفيذ والمحاسبة.
فالماء لا يُصان في السدود وحدها، بل يُصان أولًا في الغابة، والبحيرة، والمرج، والتربة، وفي كل نظام طبيعي يجعل من المغرب قادرًا على مواجهة الجفاف وبناء مستقبله.


















