مدونة فضاء الأطلس المتوسط نيوز

مدونة فضاء الأطلس المتوسط نيوز "مازلنا هنا نقاوم وضمائرنا مرتاحة،عندما لانستطيع القيام بعملنا،سنكسر أقلامنا،ولا نبيعها."

أرشيف المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Powered By Blogger

التسميات

رايك يهمنا في شكل ومحتوى البوابة؟

المشاركات الشائعة

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

المشاركات الشائعة

Translate

الاثنين، 17 أغسطس 2026

التوفيق بين التوازنات الماكرواقتصادية ومتطلبات الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية وتمويل الأوراش الكبرى بالمغرب: أية معادلة للاستدامة؟



فضاء الأطلس المتوسط نيوز/ محمد لشهب (باحث في التدبير العمومي والمالية العامة)
الملخص
تتناول هذه الدراسة الإشكالية المركزية المتمثلة في التوفيق بين الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية واستدامة الدين العمومي، من جهة، ومتطلبات بناء الدولة الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية وتمويل الأوراش الكبرى، من جهة أخرى، وذلك في سياق التحولات الهيكلية التي يشهدها المغرب خلال العقد الحالي. تنطلق الدراسة من فرضية أساسية مؤداها أن الاستقرار الماكرواقتصادي والإنفاق الاجتماعي والاستثمار العمومي ليست أهدافاً متعارضة بالضرورة، بل يمكن أن تشكل منظومة متكاملة شريطة اعتماد حكامة مالية فعالة، وترتيب عقلاني للأولويات، وتحسين جودة الإنفاق العمومي، وتنويع مصادر التمويل المستدام.
تعتمد الدراسة منهجاً وصفياً تحليلياً يقوم على تفسير العلاقات الديناميكية بين النمو الاقتصادي، عجز الميزانية، المديونية، الإنفاق الاجتماعي، والاستثمار العمومي، مع تحليل معمق لمتطلبات تمويل تعميم الحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وإنجاز المشاريع الكبرى. وتخلص الدراسة إلى أن نجاح المغرب في تحقيق هذه المعادلة يقتضي الانتقال من منطق ضبط الإنفاق في حد ذاته إلى منطق تحسين جودته ومردوديته، وربط الاقتراض بالاستثمار المنتج، وتوسيع الموارد الجبائية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتحسين حكامة المؤسسات والمقاولات العمومية، وإدماج العدالة المجالية في برمجة الاستثمار. 
وبذلك تصبح استدامة المالية العمومية والدولة الاجتماعية والاستثمار المنتج مكونات متكاملة ضمن نموذج تنموي واحد.
الكلمات المفتاحية: 
التوازنات الماكرواقتصادية؛ الدين العمومي؛ الدولة الاجتماعية؛ العدالة المجالية؛ الاستثمار العمومي؛ الأوراش الكبرى؛ المالية العمومية؛ المغرب
مقدمة
أصبحت مسألة التوفيق بين الاستقرار الاقتصادي والمالي والاستجابة للحاجيات الاجتماعية والتنموية إحدى القضايا المركزية التي تواجه الدول المعاصرة، ولا سيما الاقتصادات الصاعدة والنامية. 
فمن جهة، تفرض قواعد الاستدامة المالية ضرورة التحكم في عجز الميزانية، وتطور الدين العمومي، والحفاظ على استقرار الأسعار والتوازنات الخارجية، وذلك تجنباً لتراكم اختلالات قد تؤدي إلى أزمات مالية أو تخفيضات في التصنيف الائتماني (IMF, 2023; World Bank, 2023). ومن جهة ثانية، تواجه الدولة مطالب متزايدة تتصل بالحماية الاجتماعية، التعليم، الصحة، التشغيل، البنيات التحتية، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية، وهي مطالب تعكس تحولاً في وظائف الدولة من دولة حارسة إلى دولة فاعلة ومتدخلة (Stiglitz & Rosengard, 2015).
تكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة في الحالة المغربية، في ظل تزامن عدة تحولات وإصلاحات هيكلية طموحة، أبرزها: تعميم الحماية الاجتماعية (القانون الإطار 09.21)، وإصلاح منظومتي الصحة والتعليم، وتفعيل الدعم الاجتماعي المباشر، ومواجهة الإجهاد المائي والجفاف، وتطوير البنية التحتية للنقل والطاقة والماء، إلى جانب الاستثمار في أوراش كبرى ذات بعد وطني ودولي، كمشاريع الموانئ الكبرى والقطار فائق السرعة والطاقات المتجددة (اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي, 2021).
غير أن هذه المتطلبات تتزامن مع ضرورة الحفاظ على استدامة المالية العمومية، خاصة أن توسيع وظائف الدولة الاجتماعية وارتفاع الاستثمارات العمومية يولدان حاجيات تمويلية إضافية. 
ويطرح ذلك تساؤلاً حول حدود الاعتماد على المديونية، ومدى قدرة النمو الاقتصادي والموارد الجبائية على توفير هوامش مالية تسمح باستمرار هذه السياسات دون خلق اختلالات مستقبلية (Ministère de l'Économie et des Finances, 2023).
غير أن صياغة الإشكالية باعتبارها اختياراً بين التقشف المالي والإنفاق الاجتماعي تبدو قاصرة من الناحية الاقتصادية. فالاستثمار في البنيات التحتية والرأسمال البشري يمكن أن يرفع الإنتاجية والنمو في الأجلين المتوسط والطويل، مثلما أن غياب الانضباط المالي قد يؤدي إلى ارتفاع خدمة الدين وتراجع الحيز المالي المتاح للسياسات الاجتماعية (Musgrave & Musgrave, 1989). 
تتمحور الإشكالية الرئيسية للدراسة حول السؤال التالي:
كيف يمكن للمغرب التوفيق بين متطلبات الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية واستدامة الدين العمومي، وبين استدامة تمويل الدولة الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية وإنجاز الأوراش الكبرى؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية تساؤلات جزئية تتعلق بحدود استدامة المديونية، وجودة الإنفاق العمومي، ومصادر تمويل الدولة الاجتماعية، وكيفية تحديد أولويات الاستثمار، ومدى قدرة الأوراش الكبرى على التحول من أعباء مالية آنية إلى روافع للنمو والإنتاجية والتشغيل.
لمعالجة هذه الإشكالية، نعتمد المنهج الوصفي والتحليلي والاستقرائي، بالاستناد إلى الأدبيات الاقتصادية والمؤسساتية، والتقارير الرسمية الوطنية والدولية، وذلك من خلال مبحثين متوازنين: يناقش الأول التوازنات الماكرواقتصادية وإشكالية استدامة الدين العمومي، بينما يعالج الثاني الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية والأوراش الكبرى وآليات التوفيق مع الاستدامة المالية.
●المبحث الأول: 
التوازنات الماكرواقتصادية وإشكالية استدامة الدين العمومي
□المطلب الأول: 
محددات التوازنات الماكرواقتصادية وتحديات المالية العمومية
تشير التوازنات الماكرواقتصادية إلى درجة من الانسجام بين المؤشرات الكبرى للاقتصاد الوطني، بما يشمل النمو الاقتصادي، التضخم، التشغيل، المالية العمومية، الحسابات الخارجية، والاستقرار النقدي. 
ولا يعني التوازن هنا ثبات هذه المؤشرات عند مستويات جامدة، وإنما الحفاظ على مسارات تسمح بتحقيق النمو والاستقرار دون تراكم اختلالات يصعب تصحيحها لاحقاً (Blanchard, 2017).
يشكل النمو الاقتصادي أحد أهم محددات هذا التوازن، باعتباره مصدراً لتوسيع الوعاء الجبائي، وخلق فرص الشغل، وتحسين دخل الأسر، ورفع قدرة الاقتصاد على تحمل الدين. ففي المغرب، سجل متوسط معدل النمو خلال العقد الماضي حوالي 3.2%، مع تقلبات مرتبطة بالجفاف والأزمات الخارجية (Haut-Commissariat au Plan, 2023). 
وفي المقابل، فإن ضعف النمو مع استمرار ارتفاع الإنفاق والعجز يؤدي إلى زيادة نسبة الدين إلى الناتج الداخلي الإجمالي، مما يضيق هوامش المناورة.
ومن الناحية المالية، يمثل عجز الميزانية نقطة التقاء بين موارد الدولة والتزاماتها. 
فإذا تجاوزت النفقات الإيرادات بصورة مستمرة، يصبح اللجوء إلى الاقتراض ضرورياً لتغطية الفجوة التمويلية. 
وقد بلغ عجز الميزانية المغربي في السنوات الأخيرة مستويات تراوحت بين 4% و 6% من الناتج المحلي الإجمالي، متأثراً بارتفاع النفقات الاستثنائية المرتبطة بالجائحة والحماية الاجتماعية (Ministère de l'Économie et des Finances, 2024). 
ولا تكمن المشكلة في وجود العجز بصورة مطلقة، لأن السياسة المالية قد تحتاج إلى دعم الاقتصاد خلال الأزمات، وإنما في طبيعته ومدته وكيفية استعمال الموارد الناتجة عنه.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الاقتراض الموجه لتمويل استثمارات ذات عائد اقتصادي واجتماعي مستقبلي، والاقتراض الذي يؤدي بصورة مستمرة إلى تمويل نفقات لا تولد قدرات إنتاجية أو موارد مستقبلية. فالاستثمار في النقل والماء والطاقة والتعليم والصحة يمكن، إذا كان فعالاً، أن يدعم النمو والإنتاجية، وبالتالي يوسع مستقبلاً القاعدة التي تؤدى منها الضرائب ويُسدد الدين (OECD, 2022).
كما يرتبط الاستقرار الماكرواقتصادي بالتضخم والسياسة النقدية. فارتفاع التضخم يضعف القدرة الشرائية ويؤثر بصورة أكبر على الأسر المحدودة الدخل، بينما يمكن أن يؤدي التشدد النقدي لمواجهته إلى ارتفاع كلفة الائتمان والتمويل. وقد عانى المغرب من موجة تضخمية في 2022-2023 تجاوزت 6%، مما دفع بنك المغرب إلى رفع سعر الفائدة الرئيسي، وهو ما زاد من كلفة خدمة الدين (Bank Al-Maghrib, 2023). 
ومن ثم تظهر ضرورة التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية حتى لا تعمل إحداهما في اتجاه معاكس للأخرى.
ويضاف إلى ذلك البعد الخارجي، خاصة بالنسبة إلى اقتصاد منفتح على التجارة العالمية وأسعار الطاقة والمواد الأولية. وتمثل الصدمات الخارجية وتقلبات الأسعار والجفاف والتغيرات الجيوسياسية مصادر ضغط محتملة على الميزانية والحساب الخارجي والنمو. 
فالمغرب يستورد حوالي 90% من احتياجاته الطاقية، مما يجعله عرضة لتقلبات أسعار النفط والغاز، وهو ما أثقل كاهل الميزانية خلال فترات الارتفاع الحاد (World Bank, 2023).
وبذلك فإن الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية لا ينبغي اختزاله في مؤشر منفرد كالعجز، بل ينبغي النظر إليه باعتباره توازناً دينامياً بين النمو والاستقرار النقدي والمالي والخارجي، يتطلب متابعة دقيقة وتدابير تصحيحية في الوقت المناسب.
المطلب الثاني: 
استدامة الدين العمومي وهوامش تمويل السياسات العمومية
يشكل الدين العمومي إحدى أهم أدوات السياسة المالية، حيث يسمح للدولة بتوزيع تكلفة بعض الاستثمارات بين الأجيال، وتمويل احتياجات استثنائية، والتدخل في مواجهة الأزمات. لذلك لا يمكن الحكم على المديونية انطلاقاً من حجمها فقط، وإنما يجب تحليل كلفتها وآجالها وتركيبتها والعملة المقومة بها وأوجه استخدام الموارد المقترضة (IMF, 2022).
وتعني استدامة الدين قدرة الدولة على الاستمرار في خدمة التزاماتها دون اللجوء إلى تصحيحات مالية حادة أو إعادة هيكلة الدين أو إحداث اختلالات اقتصادية واجتماعية كبيرة. وترتبط هذه الاستدامة أساساً بالعلاقة بين معدل النمو الاقتصادي ومعدل الفائدة، إضافة إلى الرصيد الأولي للميزانية. ففي المغرب، ارتفعت نسبة الدين العمومي إلى الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 60% قبل الجائحة إلى أكثر من 72% في 2023، مع توقعات بانخفاض تدريجي إلى حدود 68% بحلول 2026، شرط استمرار النمو وتحقيق الضبط المالي (Ministère de l'Économie et des Finances, 2024).
فعندما ينمو الاقتصاد بوتيرة جيدة وتظل تكلفة التمويل تحت السيطرة، تصبح إدارة نسبة الدين إلى الناتج أسهل. 
أما اجتماع تباطؤ النمو وارتفاع أسعار الفائدة واستمرار العجز، فيؤدي إلى تضييق الهوامش المالية وارتفاع حصة خدمة الدين في الميزانية. 
وفي المغرب، تمثل خدمة الدين العمومي حوالي 12% من النفقات العامة، وهو مستوى مرتفع يحد من القدرة على تمويل أولويات جديدة (Cour des Comptes, 2023).
وتكتسي بنية الدين أهمية موازية لحجمه. فمديونية طويلة الأجل وبشروط تمويلية ملائمة تختلف في مخاطرها عن دين قصير الأجل أو مرتفع التكلفة. 
وقد نجح المغرب في إطالة آجال استحقاق ديونه وتنويع مصادر التمويل بين السوق الداخلية والخارجية، مما قلص مخاطر إعادة التمويل. 
كما أن تنمية السوق الداخلية لسندات الخزينة وتدبير آجال الاستحقاق يمكن أن يخففا من مخاطر إعادة التمويل (Bank Al-Maghrib, 2023).
وتتجلى الإشكالية الأساسية في أثر المديونية على "الحيز المالي"، أي قدرة الدولة على تمويل أولويات جديدة دون تعريض استدامة المالية العمومية للخطر. فكلما ارتفعت تكلفة خدمة الدين، تقلصت الموارد التي يمكن تخصيصها للصحة والتعليم والاستثمار والحماية الاجتماعية. 
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن المغرب يحتاج إلى تحقيق فائض أولي (قبل احتساب الفوائد) بنسبة 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي للحفاظ على استدامة الدين في الأفق المتوسط (IMF, 2024).
ولا ينبغي، مع ذلك، أن يقود الحرص على استدامة الدين إلى خفض آلي للاستثمار العمومي. 
فالاستثمار المنتج قد يرفع الناتج المحتمل ويقوي القدرة المستقبلية على تحمل الدين. 
ولهذا ينبغي أن تركز استراتيجية ضبط المالية العمومية على جودة الإنفاق والإصلاح الجبائي وتحسين الحكامة بدلاً من الاقتصار على تخفيض الاستثمارات ذات المردودية المرتفعة (OECD, 2022).
ويستوجب ذلك اعتماد إطار مالي متوسط الأجل يحدد مساراً واقعياً للعجز والدين، مع إخضاع المشاريع الكبرى لتقييم قبلي وبعدي، ومراقبة المخاطر المالية المرتبطة بالمؤسسات والمقاولات العمومية والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وقد أنشأ المغرب هيئة لتقييم السياسات المالية، لكن تفعيل دورها بشكل كامل ما زال يحتاج إلى تعزيز (Cour des Comptes, 2023).
المبحث الثاني: 
الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية والأوراش الكبرى ومعادلة التوفيق مع الاستدامة الماكرواقتصادية
المطلب الأول: استدامة الدولة الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية
يشكل ترسيخ الدولة الاجتماعية تحولاً في وظائف السياسة العمومية المغربية، خاصة مع تعميم الحماية الاجتماعية (القانون الإطار 09.21)، وتوسيع التغطية الصحية، وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر (برنامج "تيسير" و"أمل")، إلى جانب إصلاح قطاعي الصحة والتعليم. 
وتترجم هذه السياسة انتقالاً من تدخلات اجتماعية متفرقة إلى بناء منظومة يفترض أن تتميز بالشمول والاستمرارية والاستهداف (اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي, 2021).
غير أن التحدي الرئيسي لا يكمن فقط في إطلاق البرامج الاجتماعية، وإنما في ضمان استدامة تمويلها. 
فالدولة الاجتماعية لا يمكن أن تعتمد بصورة دائمة على الاقتراض لأن الالتزامات الاجتماعية ذات طبيعة متكررة ومستمرة (Musgrave & Musgrave, 1989). 
وتشير تقديرات وزارة المالية إلى أن تكلفة تعميم الحماية الاجتماعية قد تصل إلى 50 مليار درهم سنوياً بحلول 2025، وهو مبلغ كبير يتطلب موارد مالية ثابتة (Ministère de l'Économie et des Finances, 2023).
تبعاً لذلك، ينبغي أن يرتكز تمويل الدولة الاجتماعية على موارد مستدامة، في مقدمتها الموارد الجبائية والاشتراكات الاجتماعية بحسب طبيعة كل برنامج. 
وقد شرع المغرب في إصلاح جبائي موسع يهدف إلى توسيع الوعاء، والحد من التهرب والغش، وتقييم النفقات الجبائية، وتحسين نجاعة التحصيل. 
غير أن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تزال دون 23%، وهي أقل من متوسط الاقتصادات الصاعدة المماثلة (IMF, 2023). 
ويتطلب ذلك تسريع وتيرة الإصلاح مع مراعاة القدرة التنافسية والعدالة الجبائية.
ويرتبط نجاح الدولة الاجتماعية كذلك بجودة الاستهداف. وقد ساهم إحداث السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد في توفير أدوات مؤسساتية يمكن توظيفها لتحسين توجيه برامج الدعم. 
غير أن الاستهداف ينبغي أن يظل مصحوباً بالتقييم المستمر، حتى لا يؤدي إلى أخطاء في الإدماج أو الإقصاء، كما حصل في بعض التجارب الأولية (Haut-Commissariat au Plan, 2022).
ولا تكتمل الدولة الاجتماعية من دون العدالة المجالية. 
فالحقوق الاجتماعية لا ينبغي أن تتحدد بحسب مكان إقامة المواطن... ووجود تغطية صحية، على سبيل المثال، لا يحقق الغاية كاملة إذا كانت بعض المجالات تعاني ضعف العرض الطبي أو صعوبة الوصول إلى المستشفيات. 
فالفوارق بين الجهات المغربية في مؤشرات التنمية البشرية والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية لا تزال كبيرة، حيث تتراوح نسبة الفقر متعدد الأبعاد بين 10% في بعض المناطق الحضرية و30% في المناطق القروية والجبلية (Haut-Commissariat au Plan, 2023).
وتقتضي العدالة المجالية لذلك الانتقال من قياس الإنفاق بحسب حجمه إلى قياسه بحسب النتائج المحققة في مختلف الجهات: زمن الوصول إلى المرافق الصحية، جودة التعليم، الربط بالماء والكهرباء والنقل، فرص الشغل، والاستفادة من الاستثمار. 
وقد خصص المغرب نسبة مئوية من ميزانية الاستثمار للجهات الأقل نمواً، لكن تنفيذ ذلك يظل غير كافٍ لسد الفجوات المتراكمة (Cour des Comptes, 2023).
ومن هذا المنظور، تصبح العدالة المجالية عاملاً اقتصادياً إلى جانب بعدها الاجتماعي، لأن تأهيل المجالات الأقل استفادة يسمح بإدماج موارد بشرية وإنتاجية جديدة في الدورة الاقتصادية، ويخفف الضغط الديمغرافي والخدماتي عن المراكز الحضرية الكبرى، ويعزز التماسك الاجتماعي (World Bank, 2022).
المطلب الثاني: تمويل الأوراش الكبرى وآليات التوفيق بين الاستثمار والاستقرار الماكرواقتصادي
تمثل الأوراش الكبرى إحدى الأدوات التي تراهن عليها الدول لتحديث البنية التحتية وزيادة تنافسية الاقتصاد. وقد راكم المغرب استثمارات ضخمة في الطرق السيارة (أكثر من 1800 كلم)، الموانئ (طنجة المتوسط، الداخلة)، السكك الحديدية (القطار فائق السرعة)، الطاقة (مشاريع نور للطاقة الشمسية، وطاقة الرياح)، الماء (محطات تحلية المياه)، والمطارات، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بالتنمية الحضرية والاستعداد لاستضافة كأس العالم 2030 (Ministère de l'Équipement et de l'Eau, 2023).
ولا ينبغي تقييم هذه المشاريع فقط من خلال تكلفتها المباشرة، بل من خلال أثرها الاقتصادي والاجتماعي والمجالي خلال دورة حياتها. 
فالبنية التحتية الجيدة يمكن أن تخفض تكاليف النقل والإنتاج، وتحسن جاذبية البلاد للاستثمار، وتربط المجالات بمراكز النشاط، وتساهم في خلق فرص العمل. 
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن كل درهم يستثمر في البنية التحتية يمكن أن يولد عائداً مضاعفاً على النمو في الأجل الطويل (World Bank, 2023).
لكن هذا الأثر الإيجابي ليس تلقائياً... فقد يتحول المشروع الكبير إلى عبء مالي إذا كانت تكلفته أعلى من منافعه، أو إذا كانت تقديرات الطلب غير واقعية، أو إذا ترتبت عنه تكاليف تشغيل وصيانة مرتفعة لم تؤخذ في الاعتبار. 
وقد أظهرت بعض التجارب السابقة في المغرب، كمشاريع السدود أو الطرق السريعة، أن الجدوى الاقتصادية تعتمد بشكل كبير على جودة الدراسة المسبقة ومتابعة التنفيذ (Cour des Comptes, 2022).
ومن ثم فإن التوفيق بين تمويل الأوراش الكبرى والتوازنات المالية يتطلب إخضاع المشاريع لمنهجية دقيقة للاختيار والتقييم، مع ترتيبها بحسب الأولوية والمردودية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية. 
وقد اعتمد المغرب إطاراً للتقييم القبلي للمشاريع الكبرى، لكن تطبيقه لا يزال جزئياً، ويتطلب تعزيز قدرات الإدارات المعنية (اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي, 2021).
كما يمكن تعبئة القطاع الخاص من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص عندما تكون طبيعة المشروع ملائمة لذلك. 
وقد استعمل المغرب هذه الآلية في مشاريع الطاقة والماء والبنية التحتية، لكنها تظل محدودة بسبب تعقيدات الإطار القانوني والمالي. 
غير أن هذه الشراكات ليست تمويلاً مجانياً؛ فقد تخلق التزامات مالية مستقبلية على الدولة (التزامات طارئة أو محتملة)، وهو ما يقتضي الشفافية وتوزيع المخاطر على الطرف الأكثر قدرة على تحملها (IMF, 2022).
وإلى جانب ذلك، يسمح إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية وتحسين حكامتها بتحرير هوامش إضافية للاستثمار. 
فالمغرب يمتلك منظومة واسعة من المقاولات العمومية التي تدير قطاعات حيوية كالماء والكهرباء والنقل والاتصالات، وهي بحاجة إلى إعادة هيكلة لتحقيق الكفاءة المالية وتقليل الاعتماد على الميزانية. 
وقد بدأ العمل في هذا الاتجاه، لكن النتائج ما زالت محدودة (Cour des Comptes, 2023). 
كما يمكن الاستفادة من التمويلات المبتكرة والخضراء بالنسبة إلى مشاريع الطاقة والماء والتكيف المناخي، شريطة احترام الاستدامة المالية.
وعملياً، يمكن بناء معادلة التوفيق على مجموعة من المرتكزات العملية:
• الضبط التدريجي وليس الفجائي: 
خفض العجز والمديونية بصورة متدرجة تتناسب مع وتيرة النمو، مع تجنب السياسات التقشفية الحادة التي تقوض النشاط الاقتصادي.
• حماية الإنفاق الاجتماعي الأساسي والاستثمارات ذات المردودية المرتفعة: 
تحديد حد أدنى للإنفاق الاجتماعي والاستثماري لا يمكن تجاوزه في عمليات الترشيد.
• تعزيز الموارد الجبائية: 
توسيع الوعاء، ومكافحة التهرب، وتحديث الإدارة الضريبية، مع الحفاظ على القدرة التنافسية.
• ترتيب المشاريع الكبرى حسب الأولوية وإخضاعها لتقييم التكلفة والمنفعة: 
اعتماد معايير واضحة للانتقاء، وإجراء تقييمات بعدية للمشاريع المنجزة.
• إشراك القطاع الخاص مع ضبط المخاطر المالية الضمنية: تطوير الشراكات مع وضع حدود لتحمل الدولة للمخاطر، وتعزيز الشفافية في العقود.
• تحسين حكامة الاستثمار والمؤسسات والمقاولات العمومية: إعادة هيكلة المؤسسات العمومية، وتعزيز الرقابة، وتقييم الأداء بانتظام.
• توجيه الاستثمار نحو تقليص الفوارق الترابية: 
تخصيص حصص استثمارية للجهات الأقل نمواً، مع ربطها بمشاريع منتجة تخلق قيمة مضافة محلية.
• اعتماد برمجة مالية واستثمارية متعددة السنوات: 
وضع إطار متوسط الأجل للاستثمار ينسجم مع أهداف المالية العمومية، ويتيح استباق حاجيات التمويل.
وبذلك، فإن معيار النجاح ليس إنفاق أكبر قدر ممكن من الموارد ولا تحقيق أقل مستوى ممكن من الإنفاق، وإنما تحقيق أكبر أثر اقتصادي واجتماعي ومجالي ممكن مقابل كل درهم من المال العام.
خاتمة
خلصت الدراسة إلى أن العلاقة بين التوازنات الماكرواقتصادية والدولة الاجتماعية والعدالة المجالية والأوراش الكبرى لا ينبغي النظر إليها من زاوية التعارض، وإنما من منظور التكامل المشروط بالكفاءة والاستدامة. 
فالحفاظ على عجز ومديونية قابلين للاستدامة ضروري لضمان قدرة الدولة على الاستمرار في تمويل سياساتها، لكنه لا يستوجب بالضرورة تقليص النفقات الاجتماعية والاستثمارات المنتجة. 
وفي الاتجاه المقابل، فإن توسيع الحماية الاجتماعية والاستثمار العمومي دون مصادر تمويل مستقرة ودون تقييم للمردودية يمكن أن يراكم التزامات تهدد استدامة هذه السياسات نفسها.
وتتمثل المعادلة الأكثر توازناً بالنسبة إلى المغرب في الجمع بين الضبط التدريجي للمالية العمومية، وتحسين جودة الإنفاق، ورفع كفاءة الاستثمار، والإصلاح الجبائي، وتوسيع القاعدة الإنتاجية. 
كما ينبغي أن تصبح العدالة المجالية معياراً في تخصيص الاستثمار، وليس مجرد نتيجة منتظرة منه. 
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن المغرب يمتلك هامشاً للمناورة، شريطة تحسين الحكامة وتفعيل الأدوات المؤسساتية القائمة.
إن الانتقال من منطق "كم تنفق الدولة؟" إلى سؤال "كيف تنفق الدولة وما النتائج المتحققة؟" يشكل أحد المفاتيح الرئيسية لهذه المعادلة. 
فاستدامة الدين لا تتحقق فقط بتقليص البسط، أي الدين، وإنما كذلك بتقوية المقام، أي الناتج والثروة الوطنية. 
والدولة الاجتماعية بدورها تكون أكثر استدامة كلما ساهمت في بناء رأسمال بشري منتج، بينما تكون المشاريع الكبرى أكثر قابلية للتمويل كلما خلقت قيمة اقتصادية واجتماعية ومجالية تتجاوز تكلفتها.
ومن ثم فإن التحدي الحقيقي أمام السياسات العمومية المغربية ليس الاختيار بين الاستقرار المالي والتنمية الاجتماعية والاستثمار، وإنما بناء حكامة قادرة على جعل كل عنصر منها داعماً للآخر، ضمن رؤية طويلة الأمد تحفظ حقوق الأجيال الحالية دون تحميل الأجيال القادمة أعباء مالية غير مستدامة. ويتطلب ذلك إرادة سياسية قوية، وشفافية في التدبير، ومشاركة واسعة للفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.

من «الغرامة» إلى التطبيع — تفرجنا على «أعراس الشياطين»


فضاء الأطلس المتوسط نيوز / محمد عبيد
شهد موسم الأعراس الأخير بمنطقة الشياضمة مشهداً لم يعد يندرج تحت خانة الاحتفال فحسب، بل تحوّل إلى عرض يثير أسئلة عميقة حول قيمنا المشتركة وحدود الحرية الفردية في الفضاء العام. 
فتحت ستار ما سُمّي بـ«الغرامة» ظهرت سلوكات تجاوزت خرق الأعراف لتصبح منظومة قيمية تهدف للاستعراض والانتفاع، وتحوّل فرح العائلة إلى مسرح للابتذال والابتزاز.
في ظاهرها، تبدو «الغرامة» عرفاً محلياً أو تعويضاً، لكن ما رُصد في مناسبات متعددة يكشف عن تحوّلها إلى ذريعة لشرعنة استعراض مبالغ مالية، وتجاوزات لفظية وجسدية، وانتهاك خصوصيات الجيران والفضاءات العامة. 
وبدلاً من أن يكون الفاعلون التقليديون — العائلات، الأعيان، ورجال الدين — منظمين للحفاظ على الحد الأدنى من الاحترام، سُجِّلَ صمتٌ أو تقاعسٌ أتاح مزيداً من التأويلالت الرامية الى التطبيع مع هذه الممارسات.
شهادات متداولة على منصات التواصل حملت وقعاً مؤلماً، حيث تسجيلات لموسيقى وصيحات حتى فجر اليوم التالي، روايات عن تصوير فتيات دون موافقتهن ثم طلب مبالغ لحذف المقاطع، وحالات دفعت عائلات إلى قبول «غرامات» لإبعاد خطر نشر صور مسيئة. 
هذه الوقائع لا تُعدّ خروقات عابرة، بل مؤشرات لظاهرة اجتماعية تستدعي استجابة منظمة وحازمة.
إلى جانب البعد القانوني، ثمة بعد أخلاقي وديني لا يجوز تجاهله... الدعوة إلى الاعتدال وحفظ كرامة الإنسان واحترام حقوق الجوار ليست رهاناً أخلاقياً فقط، بل عامل تماسك ضروري للمجتمع. 
لذلك يجب أن يتعاون علماء الدين والوعاظ مع المجتمع المدني والسلطات المحلية لتثبيت قيم الاحتفال المسؤول.
امام هذه الظاهرة المثيرة يطرح سؤال: ما الذي ينبغي فعله عملياً؟ 
وحسب مقترحات، فإن المطلوب إجراءات تستعيد الدور المؤسسي وتكبح منسوب التفلت، وذلك من خلال إصدار قواعد محلية واضحة لتنظيم الاحتفالات، تفعيل قوانين عدم إثارة الضوضاء وحماية الخصوصية، وتشكيل فرق مختلطة للتدخل عند الخروقات. 
ولا يقلّ أهميةً إطلاق حملات توعية قبل مواسم الأعراس، وفتح قنوات شكاية فعّالة تضمن سرية المبلغين، والتعاون مع منصات التواصل لحذف المحتوى المسيء وتتبع المتورطين.
براي المهتمين والمتتبعين، فإن الاستمرار في الصمت أو الاكتفاء بالتنديد الرقمي سيترك المجال لمن يحوّل الفرح إلى سلعة قابلة للابتزاز والإساءة، ولأن الدفاع عن القيم يبدأ بالمساءلة، وبضبط مؤسسي ومدني يضمن أن تظل المناسبات مواعيد للكرامة لا ساحات للتفريط.
الهدف ليس قمع الفرح أو التضييق على التقاليد، بل استعادة التوازن بين حرية التعبير والاحترام المتبادل.
إذا أُخِذت هذه الإجراءات بجدية، يمكن للسلطات المحلية أن تحول موسم الأعراس إلى مناسبة فرح منظَّمة تحترم الكرامة والخصوصية، بدلاً من أن تبقى ساحة لتفريغ الحيف الاجتماعي واستعراض القوة المالية.

الأحد، 16 أغسطس 2026

الشباب والانتخابات.. حين يصبح الوعي أقوى من الخطاب

فضاء الاطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
توصلتُ مؤخراً برسالة من أحد الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي، حملت في طياتها كثيراً من القلق السياسي، وكثيراً من الأسئلة التي بات يطرحها الشارع المغربي بصوت مرتفع.
وقد جاء فيها:
«لا شك أن الوعي بالواقع السياسي والاقتصادي بلغ من النضج ما يكفي لإدراك أن تغيير الواقع لا يكون فقط بتغيير الوجوه، بل أيضاً بتطهير الجسم المغربي من آفة الفساد التي أنهكته لسنوات. 
وشباب اليوم يبعث إشارة واضحة مفادها أن الواقع أصبح مكشوفاً أمام الجميع، ولم يعد مجالاً للكذب أو صناعة القوالب الجاهزة التي تذوب مباشرة بعد انتهاء العرس الانتخابي. 
فالعريس هو العريس، والوليمة هي نفسها، والمدعوون يتكررون في كل مناسبة، غير أن العالم الأزرق كشف بوضوح ما يجري تحت قبة البرلمان، وفي المجالس الجماعية، وكواليس الأحزاب والنقابات، ومختلف دوائر القرار. 
تحية إلى الأقلام الحرة».
قد تبدو هذه الرسالة، للوهلة الأولى، مجرد تدوينة عابرة في فضاء التواصل الاجتماعي، لكنها في العمق تختزل مزاجاً عاماً وأسئلة مؤجلة حول الانتخابات، وحول علاقة الشباب بالسياسة، وحول جدوى المشاركة في عملية انتخابية لا يزال كثيرون ينظرون إليها بعين الشك والريبة.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يعود معدل المشاركة إلى واجهة النقاش العمومي، باعتباره أحد المؤشرات الأكثر دلالة على مستوى الثقة في المؤسسات السياسية والحزبية.
غير أن الأرقام، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم عزوف الشباب عن صناديق الاقتراع، لأن خلف كل نسبة مشاركة منخفضة قصة إحباط، أو تجربة سلبية، أو فقدان ثقة في خطاب لم يعد مقنعاً.
[] أزمة ثقة لا أزمة اهتمام:
يذهب كثير من المحللين إلى أن الشباب فقدوا اهتمامهم بالسياسة، لكن الواقع قد يكون أكثر تعقيداً.
فالشباب المغربي ليس بعيداً عن الشأن العام، بل يتابعه يومياً، ويناقش قضاياه، ويراقب أداء المنتخبين، ويفكك خطابات الأحزاب، ويقارن بين الوعود والنتائج.
المشكلة، إذن، ليست في غياب الاهتمام، وإنما في تراجع الثقة. فالشاب الذي يراقب تفاصيل الحياة السياسية عبر هاتفه، ويتابع النقاشات البرلمانية والمجالس المنتخبة، ويطّلع على ما يدور في كواليس الأحزاب، لم يعد مستعداً لتصديق الخطاب الانتخابي لمجرد أنه صيغ بلغة جذابة أو رُوّج له عبر حملات رقمية مكثفة.
لقد أصبح الوعي أكثر حضوراً، وأصبح الناخب الشاب أكثر قدرة على التمييز بين الالتزام الحقيقي والاستعراض، وبين النقاش السياسي المسؤول والمزايدات العابرة، وبين المشروع القابل للتنفيذ والوعد الذي ينتهي بانتهاء الحملة الانتخابية.
[] بين الخطاب والممارسة:
في خضم الصراعات الحزبية، يقدم كل حزب تحليله الخاص للواقع، ويعرض رؤيته للمستقبل، ويؤكد أن الشباب يوجد في صلب برامجه وأولوياته.
غير أن الفارق يظل شاسعاً بين الكلام والتنظير من جهة، والممارسة اليومية من جهة أخرى.
والأهم من ذلك، أن هناك فرقاً أكبر بين حزب يمتلك رؤية حقيقية للشباب، ويمنحهم موقعاً فعلياً داخل هياكله وقراراته، وحزب لا يستحضرهم إلا خلال الحملات الانتخابية، أو يوظف صورتهم لتجميل مشهد سياسي يفتقر إلى التجديد.
فالشباب لا يريدون أن يكونوا مجرد خلفية في الصور، أو أرقاماً تملأ القاعات، أو أصواتاً تستدعى عند الحاجة ثم تُنسى بعد إعلان النتائج.
إنهم يريدون مشاركة حقيقية، ومسؤولية فعلية، ومساحة للتعبير، وفرصة لصناعة القرار، لا مجرد حضور رمزي في واجهة المشهد.
[] عندما تتحول المنصات إلى ساحة للتشهير:
تزداد خطورة المشهد حين يلجأ بعض القادة والفاعلين الحزبيين إلى السعي وراء الشهرة، والتشهير بالخصوم، وترويج الأكاذيب، واستعمال وسائل التواصل الاجتماعي في التلاعب بالرأي العام.
فهذا النوع من الخطاب لا ينسجم مع القيم التي يُفترض أن تسعى الأحزاب إلى ترسيخها لدى الشباب، من احترام الاختلاف، والاحتكام إلى الحجة، والالتزام بالمسؤولية، والارتقاء بالنقاش العمومي.
كما أنه يتناقض مع مفهوم المشاركة السياسية لدى جيل نشأ في بيئة رقمية مفتوحة، وأصبح قادراً على التحقق والمقارنة وكشف التناقضات.
ويبدو أن بعض الأحزاب، أو بعض قادتها على الأقل، يعتقدون أن إتقان أدوات التواصل الاجتماعي يكفي لصناعة الشعبية وتحقيق التفوق الانتخابي.
لكن امتلاك المنصة لا يعني امتلاك المصداقية، وكثرة المتابعين لا تعادل بالضرورة قوة المشروع، والانتشار الواسع لا يحوّل الخطاب الضعيف إلى خطاب مقنع.
بل إن الإفراط في الضجيج، حين يقترن بالتشهير والتضليل، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً: دفع مزيد من الشباب إلى الابتعاد عن الأحزاب والنفور من السياسة.
[] الوعي الرقمي يغيّر قواعد اللعبة:
بفضل التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، أثبت الشباب خلال السنوات الأخيرة أنهم يمتلكون قدرة متقدمة على قراءة المشهد العام، والتمييز بين الصواب والخطأ، وبين الصدق السياسي والتظاهر، وبين الحوار والاستعراض.
كما أصبحوا أكثر انتباهاً إلى اللغة المستعملة، والصور المتداولة، وتوقيت التصريحات، والجهات المستفيدة من حملات التشهير أو الترويج... وهم يعرفون كيف يميزون بين من يخاطبهم باحترام وذكاء، ومن يتعامل معهم باعتبارهم مجرد جمهور قابل للاستمالة بالضجة الإعلامية.
لقد انتهى، إلى حد كبير، زمن مخاطبة الشباب بمنطق الوصاية. فهذا الجيل لا يريد من يتحدث باسمه، بل من ينصت إليه... ولا يحتاج إلى خطب طويلة بقدر حاجته إلى سياسات ملموسة، وفرص حقيقية، ومؤسسات تستعيد ثقة المواطنين.
[] الشعبية ليست شعبوية:
من المهم عدم الخلط بين الشعبية والشعبوية... فقد يصنع الضجيج حضوراً مؤقتاً، وقد تحقق الإثارة انتشاراً سريعاً، لكن ذلك لا يمنح بالضرورة المصداقية، ولا يبني ثقة مستدامة.
الشعبية الحقيقية تُكتسب بالعمل، والإنصات، والوضوح، والقدرة على الوفاء بالوعود، بينما تقوم الشعبوية على استثمار الغضب، وتبسيط القضايا المعقدة، وتقديم أجوبة سهلة لمشكلات عميقة، وتحويل الخصومة السياسية إلى معركة شخصية.
والشباب، رغم كل ما يقال عن عزوفه، يبدو أكثر رفضاً لهذا النوع من السياسة... إنه لا يرفض المشاركة من حيث المبدأ، بل يرفض أن يُطلب منه التصويت لمن لا يراه جديراً بثقته، أو لمن لا يقدم له سوى خطابات موسمية وصراعات شخصية.
[] الانتخابات واختبار الثقة:
لذلك، لن تكون الانتخابات المقبلة مجرد موعد لتجديد المؤسسات، بل ستكون أيضاً اختباراً حقيقياً لعلاقة الأحزاب بالشباب.
فمعدل المشاركة لن يعكس فقط قدرة الحملات الانتخابية على التعبئة، بل سيكشف حجم الثقة التي استطاعت التنظيمات السياسية بناءها، ومدى قدرتها على تقديم وجوه جديدة، وخطابات مسؤولة، ومشاريع قابلة للقياس والمحاسبة.
إن استعادة الشباب إلى الفعل السياسي لا تمر عبر التخويف، ولا عبر التشهير بالخصوم، ولا عبر الحملات الرقمية المصطنعة، بل عبر الاعتراف بذكائه، واحترام وعيه، وإشراكه في صياغة القرار، وتقديم إجابات حقيقية عن أسئلته اليومية المتعلقة بالتعليم، والشغل، والصحة، والسكن، والعدالة الاجتماعية.
فالشباب المغربي لا يريد عرساً انتخابياً تتغير فيه الواجهات بينما تبقى القواعد نفسها، ولا يبحث عن عبارات براقة تذوب مع أول يوم بعد إعلان النتائج... إنه يريد سياسة تعكس واقعه، ومؤسسات تستمع إليه، ومسؤولين يدركون أن زمن القوالب الجاهزة قد انتهى، وأن العالم الرقمي جعل كل شيء أكثر انكشافاً.
وفي النهاية، فإن مستقبل الانتخابات لا يتوقف فقط على من يترشح أو من يفوز، بل على قدرة الفاعلين السياسيين على الإجابة عن سؤال جوهري: هل يريدون شباباً يصفق، أم مواطنين يشارك ويحاسب ويقترح؟

هل الصحافة بطاقة أم ممارسة؟ مناقشة تعميما للفائدة ولكل غاية مفيدة

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/ محمد عبيد 
يذهب الكثيرون، في ظل القوانين المستجدة المنظمة للصحافة والإعلام والنشر، إلى اختزال صفة الصحفي في حيازة البطاقة المهنية، معتبرين أن كل من لا يحملها ليس سوى منتحل للصفة أو متسلط على المجال الصحفي.
غير أن هذا التصور، على وجاهته من الناحية الإدارية، يظل قاصراً عن الإحاطة بتعقيدات الممارسة الصحفية، ولا سيما في الميدان. 
فالبطاقة المهنية وثيقة تثبت الوضع المهني أو تسهّل الولوج إلى بعض الفضاءات، لكنها لا تصنع وحدها صحفياً ملتزماً، ولا تمنح حاملها تلقائياً الكفاءة أو المصداقية.
المراسل في صميم العمل الصحفي
المراسل الصحفي ليس درجة أدنى من الصحفي، ولا مجرد ناقل عابر للأخبار، بل هو صحفي يشتغل من موقع ميداني أو جغرافي يختلف عن مقر المؤسسة الإعلامية.
ويتولى جمع الأخبار والمعطيات، والتحقق منها، وإجراء التصريحات والمقابلات، ثم تحرير المادة وإرسالها إلى المؤسسة التي يعمل معها أو يتعاون لحسابها.
ومن هذه الزاوية، يدخل المراسل الصحفي في صميم المهمة الصحفية، لأنه غالباً ما يكون:
*عين المؤسسة الإعلامية في الميدان.
*مصدراً للأخبار المحلية والجهوية.
*ناقلاً للوقائع والشهادات والمعطيات الأولية.
*مسؤولاً عن التحقق من المعلومات قبل إرسالها، لا عن مجرد ترديد ما يسمعه.
*ملتزماً بالدقة والموضوعية واحترام الحياة الخاصة وأخلاقيات المهنة.
فالمراسل الصحفي هو الذي يوجد في المكان حين تغيب المؤسسة، ويقترب من الحدث حين تكتفي الأخبار المركزية بالمعطيات العامة. 
ومن خلاله تصل قضايا الناس ومشاكلهم وانشغالاتهم إلى الرأي العام.
بين البطاقة والممارسة
ينبغي التمييز بين ثلاثة عناصر كثيراً ما يجري الخلط بينها:
الوضع الإداري أو المهني: وهو ما تثبته البطاقة المهنية أو الوثائق المعتمدة قانوناً.
المهمة الصحفية: وهي العمل الذي يضطلع به المراسل الصحفي داخل مؤسسة إعلامية أو لحسابها.
الكفاءة المهنية: وهي جودة العمل، ودقة المعالجة، واحترام أخلاقيات المهنة، والقدرة على التحقق وخدمة الحقيقة.
فقد يحمل شخص البطاقة المهنية ولا يحسن ممارسة الصحافة، كما قد ينجز مراسل عمله بكفاءة وانضباط، رغم أن وضعيته الإدارية لا تعكس بالضرورة حجم عمله الفعلي. 
غير أن ذلك لا يعني أن البطاقة بلا قيمة... فهي تظل مهمة من الناحية القانونية والتنظيمية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى أداة للاحتكار أو إلى وسيلة لإسكات المشتغلين في الميدان.
إن البطاقة تثبت الوضع، لكن الممارسة تثبت المهنية. وبين الأمرين مسافة لا يملؤها سوى الالتزام، والتحقق، والمسؤولية.
تحديات قانونية في الميدان
يواجه المراسل الصحفي الميداني تحديات قانونية لا ترتبط فقط بحيازة البطاقة المهنية، بل تشمل أيضاً طريقة جمع المعلومات، وتصوير الأشخاص، وتسجيل التصريحات، ونشر المعطيات، وتحمل المسؤولية عنها.
وتزداد هذه التحديات أثناء تغطية الاحتجاجات والمحاكمات والانتخابات والملفات الأمنية والقضايا الاجتماعية الحساسة، فضلاً عن الحوادث ومناطق التوتر والنزاعات.
إثبات الصفة المهنية
قد يُطلب من المراسل الصحفي إبراز بطاقة مهنية أو تكليف رسمي أو اعتماد خاص، خصوصاً داخل المؤسسات العمومية أو في الأماكن ذات الحساسية الأمنية. 
ويصبح الوضع أكثر تعقيداً بالنسبة إلى المراسل الصحفي الحر أو المتعاون، الذي ينجز عملاً صحفياً فعلياً دون أن يكون مرتبطاً بعقد دائم مع مؤسسة إعلامية.
غير أن غياب البطاقة لا ينبغي أن يكون ذريعة لإطلاق أحكام عامة أو لإنكار كل عمل صحفي ميداني، كما أن حيازة البطاقة لا تمنح صاحبها حق دخول جميع الأماكن دون قيود. 
فكل حالة تخضع للقانون، ولطبيعة المكان، وللقواعد المنظمة للتغطية.
الولوج إلى المعلومات والأماكن
قد يصطدم المراسل الصحفي برفض الإدارات أو المسؤولين تمكينه من الوثائق والمعطيات، أو بمنعه من دخول أماكن عامة بدعوى التعليمات الداخلية أو مقتضيات الأمن أو حماية الخصوصية.
وتظل إمكانية الوصول إلى المعلومات من الشروط الأساسية للعمل الصحفي، غير أن هذا الحق ليس مطلقاً، إذ يتعين احترام الاستثناءات المرتبطة بالمعطيات الشخصية، وسرية التحقيقات، وحماية الضحايا والقاصرين، وأمن الأفراد والمؤسسات.
التصوير والتسجيل
يواجه المراسل الصحفي إشكالات قانونية ومهنية عند تصوير الأشخاص أو تسجيل تصريحاتهم، ولا سيما في الأماكن الخاصة أو في الوقائع التي يكون فيها القاصرون أو الضحايا أو المرضى طرفاً.
فالحق في الإعلام لا يلغي الحق في الحياة الخاصة، ولا يرفع الحماية عن الصورة والمعطيات الشخصية. 
ولذلك ينبغي التمييز بين تصوير واقعة تجري في فضاء عام وتكتسي أهمية إخبارية واضحة، وبين تصوير شخص في وضع خاص أو حساس من دون مبرر مهني كافٍ.
القذف والتشهير ونشر الأخبار غير الدقيقة
قد يتعرض المراسل الصحفي للمساءلة إذا تضمنت مادته اتهامات غير مثبتة، أو عبارات تمس بسمعة أشخاص أو مؤسسات، أو معلومات لم تخضع للتحقق الكافي.
■ ولهذا تظل القواعد التالية ضرورية:
□الفصل الواضح بين الخبر والرأي:
*إسناد كل معلومة إلى مصدر واضح أو قرائن قابلة للتحقق.
*منح الطرف المعني حق الرد، متى كان ذلك ممكناً.
تجنب الجزم في الاتهامات التي لم تحسم فيها الجهات القضائية المختصة.
*الاحتفاظ بالتسجيلات والوثائق والمراسلات التي تثبت مسار التحقق.
فالمراسل الصحفي لا يُحاسب فقط على ما يقصده، بل قد يُحاسب أيضاً على ما يفهمه القارئ من صياغته، وعلى مدى احترامه للقرينة والوقائع واللغة المهنية.
حماية المصادر وسريتها
قد يتعرض المراسل الصحفي لضغوط لكشف مصادره، خصوصاً عندما تتعلق المادة بملفات الفساد أو الاختلالات الإدارية أو القضايا الأمنية.
وتظل حماية المصدر من المبادئ الأساسية في العمل الصحفي، غير أنها قد تواجه قيوداً قانونية أو قضائية استثنائية بحسب التشريع الوطني وطبيعة القضية. 
لذلك لا ينبغي للمراسل الصحفي أن يقدم وعوداً مطلقة بالسرية من دون تقدير مهني وقانوني، ومن دون تنسيق مع مسؤوله التحريري عند الاقتضاء.
الاستيقاف والاحتجاز والاعتداء
أثناء تغطية الاحتجاجات أو الحوادث أو العمليات الأمنية، قد يتعرض المراسل الصحفي للاستيقاف أو الاحتجاز المؤقت أو مصادرة معداته أو الاعتداء الجسدي. 
وقد يواجه كذلك اتهامات بعرقلة عمل السلطات، أو عدم الامتثال، أو التواجد في منطقة ممنوعة.
وهنا تبرز أهمية أن يعرّف المراسل الصحفي بنفسه وبالمؤسسة التي يمثلها، وأن يتجنب التدخل في عمل السلطات أو عرقلة عمليات الإنقاذ أو الاقتراب من مناطق الخطر دون إذن أو احتياطات ضرورية.
أما في مناطق النزاع، فتتضاعف المخاطر، لأن المراسل الصحفي قد يتحول إلى هدف مباشر أو يجد نفسه عالقاً بين أطراف متنازعة، بما يجعل السلامة الشخصية والتنسيق المهني والقانوني أموراً لا تقل أهمية عن جمع الخبر.
المسؤولية عن المحتوى الرقمي
لا تنتهي مسؤولية المراسل الصحفي عند نشر مادته في الجريدة أو الموقع الإلكتروني، بل قد تمتد إلى ما يعيد نشره في حساباته الشخصية، أو ما يبثه مباشرة، أو الصور والمقاطع التي يشاركها عبر المنصات الاجتماعية.
كما تشمل المخاطر الرقمية التشهير الإلكتروني، والاختراق، والتصيد، والمراقبة، وحملات الاستهداف المنسقة. 
ولذلك ينبغي التعامل مع الحساب الشخصي للمراسل الصحفي باعتباره امتداداً محتملاً لممارسته المهنية، لا مساحة منفصلة تماماً عن مسؤوليته الإعلامية.
كيف يحمي المراسل نفسه؟
يمكن للمراسل الصحفي تقليص المخاطر القانونية والمهنية من خلال جملة من الاحتياطات العملية:
*حمل البطاقة المهنية أو التكليف الصحفي، إن وُجد، والاحتفاظ بنسخة رقمية منهما.
*تعريف نفسه بوضوح وعدم انتحال صفة مسؤول أو موظف عمومي.
*توثيق الوقائع دون اقتحام أماكن ممنوعة أو تعطيل عمل السلطات.
*طلب الموافقة عند إجراء مقابلات حساسة، مع حماية القاصرين والضحايا.
*مراجعة الأسماء والأرقام والاتهامات قبل النشر.
*حفظ النسخ الأصلية من التسجيلات والصور والوثائق.
*إبلاغ المؤسسة فوراً بأي استدعاء أو حجز أو تهديد.
*عدم التوقيع على محاضر أو الإدلاء بتصريحات قانونية متسرعة من دون فهم مضمونها.
*الاستعانة بمحامٍ أو بمسؤول مهني عند مواجهة إجراء قد تترتب عنه مسؤولية قانونية.
نحو نقاش مهني متوازن
إن وجود تجاوزات لدى بعض حاملي البطاقات المهنية لا يبرر إنكار الصفة المهنية عن جميع الصحفيين أو المراسلين الصحفيين، كما أن وجود مراسلين صحفيين يفتقرون إلى الوثائق النظامية لا يعني بالضرورة أنهم جميعاً منتحلو صفة.
المعالجة السليمة تقتضي المحاسبة الفردية، والتمييز بين الصحفي المهني، والمراسل الصحفي المتعاون، وصانع المحتوى، والناشط، ومنتحل الصفة، بدل إطلاق أحكام عامة تضر بالمهنة وتخلط بين الوضع الإداري والعمل الصحفي الفعلي.
فالمعيار الحقيقي ليس فقط: 
^هل يحمل الشخص بطاقة؟ 
^بل أيضاً: كيف يشتغل؟ ولأي مؤسسة؟ وكيف يتحقق من أخباره؟ وهل يحترم خصوصية الناس؟ وهل يتحمل مسؤولية ما ينشر؟
إن المراسل الصحفي الميداني يمارس وظيفة صحفية حقيقية، لكن هذه الصفة تقترن بمسؤولية قانونية وأخلاقية موازية. 
فالبطاقة تساعده على إثبات وضعه، بينما يحميه العمل المهني القائم على التحقق، واحترام الخصوصية، وتجنب التشهير، والالتزام بالقواعد المنظمة للتغطية.
أما التفاصيل الدقيقة، فتظل مرتبطة بالتشريع الوطني، ولا سيما قانون الصحافة والنشر، وقواعد حماية المعطيات الشخصية، والقانون الجنائي، والنصوص المنظمة للتصوير والولوج إلى المعلومات. 
لذلك فإن الدفاع عن المراسل الصحفي لا يكون بإنكار القانون، كما أن تطبيق القانون لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار لدور المراسل في خدمة الخبر والرأي العام.

السبت، 15 أغسطس 2026

نعي وفاة "علي قادا" أول مدير لمدرسة السلام بإفران


 فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد 
ببالغ الحزن والأسى، وبتسليم بقضاء الله وقدره، تلقينا نبأ وفاة المشمول برحمة الله، السيد علي قادا، المدير السابق لمدرسة السلام بمدينة إفران، والذي انتقل إلى عفو الله ورحمته يوم السبت 15 غشت 2026.
وقد ترك رحيل الفقيد علي قادا أثراً عميقاً في نفوس أسرته ومعارفه وكل من عرفه خلال مساره التربوي والمهني، حيث اشتهر خلال مساره بالسيرة الحسنة وتفانيه في العمل، وترك بصمة طيبة في قطاع التعليم بمدينة إفران.
قضى سنوات طويلة في خدمة التربية والتعليم.
أشرف كأول مسؤول على إدارة مدرسة السلام بإفران بداية الثمانينات إلى نهاية التسعينات من القرن الماضي بكل إخلاص وتفانٍ.
حظي باحترام وتقدير الأساتذة والتلاميذ وأبناء مدينة إفران.
وبهذه المناسبة الأليمة، نتقدم في "فضاء الأطلس المتوسط نيوز " بأحر التعازي وأصدق المواساة إلى أفراد عائلته الصغيرة، وإلى كافة الأسرة التعليمية والتربوية بمدينة إفران، سائلين المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته مع الصديقين والأبرار، وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان.
تغمد الله الفقيد بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه الصبر والسلوان.
"وإنا لله وإنا إليه راجعون"

الصحافة مسؤولية لا ألقاب: محمد الخولاني ينتقد مظاهر التسيب المهني

 

فضاء الاطلس المتوسط نيوز/ محمد عبيد 
في ظل التحولات التي يعرفها المشهد الإعلامي، وتنامي حضور المنصات الرقمية وتعدد أشكال النشر، يبرز مجددًا النقاش حول حدود الممارسة الصحفية ومعايير الانتساب إلى المهنة.
وفي هذا السياق، سلّط الزميل محمد الخولاني، مدير موقع «فلاش24»، الضوء، في منشور مباشر، على ما وصفه بظاهرة التسيب والترامي على مهنة الصحافة، منتقدًا بعض الممارسات التي تخلط بين العمل الصحفي المهني، وصناعة المحتوى، والظهور العابر على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأكد الخولاني أن الصحافة ليست لقبًا أو واجهة للتميز، بل مسؤولية تقوم على التكوين والتحقق والالتزام بأخلاقيات المهنة، واحترام الحقيقة وذكاء المتلقي. 
كما انتقد ما يصفه بانتشار أشخاص ينتحلون صفة الصحفي دون توفرهم على المؤهلات المهنية اللازمة أو التزامهم بقواعد العمل الصحفي.
ووجّه الزميل محمد الخولاني ردًا مباشرًا على من سمّاهم «الفقيه» ومن هم على شاكلته، وعلى من يقدمون أنفسهم باعتبارهم «صحافيين فوق العادة» رغم محدودية مستواهم، معتبرًا أن الصحافة ليست ألقابًا أو ادعاءات، ولا تُقاس بالظهور أو رفع الشعارات، وإنما بالكفاءة والتكوين والمهنية والمواكبة الميدانية واحترام الحقيقة.
ويأتي هذا الطرح في سياق نقاش أوسع حول ضرورة حماية مهنة الصحافة من التطفل والرداءة، والتمييز بين الصحفي المهني وصانع المحتوى أو الناشط الرقمي، بما يضمن صون أخلاقيات المهنة والحفاظ على مصداقية الإعلام.
وخلاصة القول إن المنشور يعيد التأكيد على أن الصحافة مسؤولية وأخلاق ومهنية، وأن قيمتها تُقاس بالكفاءة والمصداقية واحترام الحقيقة، لا بالظهور والضجيج أو إطلاق الألقاب. 
كما يفتح النقاش مجددًا حول ضرورة التصدي لظاهرة انتحال صفة الصحفي، وترسيخ التمييز بين الصحافة المهنية وصناعة المحتوى، بما يخدم المهنة ويحفظ مكانتها داخل المجتمع.

قضية وموقف: مسؤولية القول في الشأن المحلي: بين الانخراط المدني وضرورة الضوابط المعرفية

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد 
في السنوات الأخيرة شهدت بلادنا دينامية سياسية واجتماعية لافتة؛ حيث ارتفعت درجة اهتمام فئات واسعة بالشأن العام، ولا سيما بالقضايا المحلية والإقليمية. 
هذا الاهتمام، وإن كان مظهراً صحياً لتعزيز الخيار الديمقراطي والمشاركة المدنية، يحمل في طيّاته تحديات أخلاقية ومعرفية لا بد من مواجهتها إذا أردنا أن تتحول المشاركة إلى فعل بنّاء يُسهم في تحسين جودة تدبير الشأن العمومي.
في قراءتنا وتحليلنا سنتطرق الى محاور أساسية منها قيمة الانخراط المدني، والكلمة كمسؤولية أخلاقية ومعرفية، وخطر الانزلاق إلى العاطفة والإيديولوجيا، ومعايير النقد البنّاء فدعوة إلى خطاب موثوق ومسؤول.
فلا يخفى أن انخراط المجتمع المدني والفاعلين الاجتماعيين في تتبّع السياسات العمومية وتقييم أداء المؤسسات المنتخبة والإدارات العمومية أمر مهم. 
هذا المتابعة هي تعبير عن وعي مواطني ورغبة في محاسبة المنتخبة والمتدخلين، وتؤسس لثقافة سياسية تُعزّز المحاسبة والشفافية. 
سلوك المواطن الذي يدعم الخيار الديمقراطي ويشارك في النقاش العمومي يستحق التشجيع: المشاركة متطلب لبلورة مجتمع مدني فعال.
لكن هذه المشاركة لا تخلو من مسؤولية. فالمتعقب أو المهتم، سواء في لقاء عام، ندوة، مقالة صحفية أو مشاركة على منصات التواصل الاجتماعي، لا يجوز أن يتعامل مع الكلام كأداة للتصريح العابر أو لإطلاق مزاعم بلا سند. 
الكلمة هنا مسؤولية أخلاقية؛ والمزاعم تحتاج إلى إثباتات ودفاعات منطقية، والتضليل يشكل انتهاكاً للحقيقة وطمساً لمعايير النقاش العام.
التواصل السياسي والمجتمعي قد يعكس أحياناً انحرافات نفسية أو ذهنيات إيديولوجية تُطغى على الحجاج الموضوعي. 
حين يلتبس موضوع المقاربة أو تنفلت تفاصيله، يتحول النقاش إلى مشهد من المواقف الانفعالية أو الأحكام الجاهزة، فبدلاً من أن يثري الحوار العام يسهم في تشويشه وسقوطه عند أول اختبار منطقي.
أمام هذا الواقع، مطلوب من كل من يقتحم قضايا الشأن العام أن ينهج عمليّة نقدية مبنية على بحث دقيق ومنهجي. 
هذه العملية تبدأ بالبحث عن المعلومة، وتمحيصها، وتحليلها قبل استخلاص النتائج وبناء الأحكام. النقد الحقيقي لا ينتج عن ردود أفعال مجانية أو أحكام قيمة سطحية، بل يتأسس على ثقافة التحقيق التي تُبني التفسير والتعليل المنطقي والموضوعي استناداً إلى وثائق، وقواعد بيانات، وإحصائيات، وأدلة مقنعة. المقاربة السليمة تقارن المعطى بالحجة والدليل الملموسين، لا بالافتراضات أو الانطباعات.
تنوير الرأي العام واجب أخلاقي يجب أن ينبني على خطاب ذي مصداقية، يحترم عقل المتلقي ويصون حقوق الآخرين. 
هذا الخطاب لا يعطل النقد أو المساءلة، بل يضمن أن تكونا فعالين وقادرين على التغيير الإيجابي. 
عندما يلتزم الفاعلون بالمعايير المعرفية والأخلاقية، يصبح النقاش العام أداة لتنمية محلية حقيقية بدلاً من كونه فضاء للاستهلاك الإعلامي أو التشويش.
ختاما، لا نريد أن تقتصر المشاركة على الانفعال أو التلقائية، بل نريدها مسؤولية واعية ومؤطرة بمنهجية علمية وأخلاقية. 
إن نجا السياسيون والمجتمع المدني والفاعلون المحليون في اعتماد المنهجية والموضوعية، فسنكون أقرب إلى دينامية حقيقية تخدم المصلحة العامة. 
وفي نهاية المطاف، شعار واحد يجب أن يوجهنا: العقلانية أولاً- لتحقيق دينامية بناءة للشأن المحلي والإقليمي