فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
مع انطلاقة صيف 2026، دخلت جهة فاس-مكناس مرحلة حرجة بفعل موجات حر متتالية رفعت منسوب الخطر على الغابات والمجالات العشبية والفضاءات المفتوحة، في وقت سجلت فيه عدة تدخلات ميدانية لاحتواء حرائق متفرقة داخل الجهة.
وبين تحذيرات الأرصاد الجوية وخرائط الإنذار المبكر الصادرة عن الوكالة الوطنية للمياه والغابات، وجدت أقاليم الجهة نفسها أمام موسم مشتعل مبكرًا، ينذر بأضرار بيئية ومادية واسعة إذا استمرت الظروف المناخية نفسها.
ولم يعد الخطر مقتصرًا على المجال الغابوي فقط، بل امتد إلى قلب المدن والحواضر، حيث أظهرت وقائع الأيام الأولى من يوليوز أن ألسنة اللهب يمكن أن تشتعل في فضاءات حضرية وتجارية مكتظة، مسببة خسائر مادية وقلقًا واسعًا في صفوف الساكنة والمهنيين.
&خريطة المخاطر
في 29 يونيو 2026، حذرت الوكالة الوطنية للمياه والغابات من ارتفاع خطر اندلاع حرائق الغابات ما بين فاتح يوليوز و8 يوليوز، وصنفت أقاليم مكناس والحاجب وإفران وصفرو وتاونات وتازة ضمن مستوى الخطورة القصوى.
كما أدرجت المعطيات التحذيرية العمالة الحضرية فاس ضمن المناطق ذات الخطورة المرتفعة، في إشارة إلى أن المجال الترابي للجهة كله كان تحت ضغط مناخي متصاعد.
وبالتوازي مع ذلك، أكدت نشرات إنذارية أخرى أن موجة الحر شملت أقاليم فاس ومكناس ومولاي يعقوب وتاونات وصفرو، مع درجات حرارة تراوحت في بعض الفترات بين 40 و43 درجة، بل وصلت في تنبيهات أخرى إلى مستويات أعلى في مناطق مجاورة من المملكة.
هذا التكرار في التحذيرات يفسر لماذا أصبح أي احتكاك بسيط بالنار، سواء في الأعشاب اليابسة أو في النفايات أو قرب المنشآت الحضرية، قادرًا على التحول إلى حريق سريع الانتشار.
وفي الوقت نفسه، كانت الجهات المختصة تضع أقاليم عدة ضمن مستويات قصوى أو مرتفعة من الخطر، ما يعني أن الخسائر المحتملة قد لا تقتصر على الأشجار والأعشاب، بل قد تطال ممتلكات الساكنة والتجار والبنيات المجاورة للمجالات القابلة للاشتعال.
&فاس: حريق وسط المدينة
دخلت مدينة فاس صيف 2026 تحت ضغط مزدوج: حرارة مرتفعة وحريق حضري، حيث شهدت يوم 4 يوليوز 2026 تدخلًا للوقاية المدنية بعد اندلاع حريق وسط المدينة قرب محطة الطاكسيات صفرو، وهو ما أعاد إلى الواجهة هشاشة بعض الفضاءات الحضرية أمام الحرارة المرتفعة وسوء التدبير أو الإهمال.
كما أن إدراج فاس ضمن الأوساط الأكثر هشاشة أمام الحرائق يعكس أن الخطر في المدينة لا يرتبط فقط بالمجالات الغابوية المحيطة، بل أيضًا بالمراكز الحضرية المكتظة.
&مكناس: جوطية باب الجديد ومقر المياه والغابات
مكناس كانت من بين الأقاليم الأكثر تعرضًا للإنذار المبكر، إذ صُنفت ضمن مستوى الخطورة القصوى لحريق الغابات خلال الفترة من فاتح إلى 8 يوليوز.
وفي المدينة، لم تمر موجة الحر دون تبعات ميدانية، إذ اندلع حريق بجوطية باب الجديد مخلفًا خسائر مادية همّت عددًا من المحلات والبضائع، قبل أن تتدخل المصالح المعنية للسيطرة على الوضع.
كما شهد مقر تابع للمياه والغابات وسط الأسبوع الأخير، وفي مطلع يوليوز الجاري، اشتعال النيران في مناسبتين خلال اليوم نفسه، وهو ما هز العاصمة الإسماعيلية واستنفر السلطات المحلية وعناصر الوقاية المدنية. ويكشف هذا الحادث أن خطر الحرائق لم يعد محصورًا في الغابات والمجالات العشبية، بل امتد إلى أسواق ومرافق ذات كثافة تجارية مرتفعة، فضلاً عن مؤسسات ومقار إدارية حساسة.
كما ورد اسم مكناس ضمن موجات الحر الحادة التي بلغت 40 إلى 43 درجة، الأمر الذي يرفع احتمال اندلاع النيران في المناطق العشبية، والهوامش الحضرية، والأراضي غير المحروسة جيدًا.
&إفران: حوادث متتالية قرب المجال الغابوي
إقليم إفران، باعتباره من أكثر أقاليم الجهة ارتباطًا بالمجال الغابوي، ظهر في صلب التحذيرات الرسمية، كما سجلت خلال الفترة المعنية عدة إحداث حرائق متفرقة.
فقد نشبت نيران في الأعشاب اليابسة والمتلاشيات بمحيط الثانوية التأهيلية محمد الخامس بأزرو يوم 17 يونيو، قبل أن يندلع حريق بالقرب من المجال الغابوي المحيط بمطار إفران يوم 25 يونيو، كاد أن يتسبب في خسائر بيئية جسيمة لولا التدخل السريع واليقظة الكبيرة لمختلف المصالح المتدخلة.
كما سُجل حريق بغابة مجاورة لتراب آيت يحيى أوعلا يوم 3 يوليوز، إلى جانب نشوب نيران زوال الجمعة 8 يوليوز بأحد الحقول والأشجار قرب حي مشليفن، بمحاذاة مسجد السعادة بمدينة أزرو.
وتبرز هذه الوقائع أن المنطقة عاشت بالفعل على وقع سلسلة حرائق متفرقة، مست حقولًا وأعشابًا ومجالات غابوية، ما جعل التدخل الوقائي والاستعجالي عنصرًا حاسمًا في الحد من الخسائر.
&الحاجب: هشاشة المجال الغابوي
إقليم الحاجب ورد ضمن الأقاليم الستة المصنفة في أعلى درجات الخطر الغابوي، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى طبيعة مجاله القريب من الغطاء النباتي والمناطق الجبلية.
وفي مثل هذه الوضعية، يصبح أي حريق محدود قابلًا للتحول إلى تهديد أكبر بسبب سرعة الرياح وجفاف الأعشاب وتشتت نقاط التدخل.
وتزداد هشاشة الإقليم مع استمرار موجات الحر التي ترفع من قابلية الاشتعال في المساحات المفتوحة، خصوصًا في المناطق المحاذية للغابات أو البعيدة عن التغطية السريعة لوسائل الإطفاء.
&صفرو: امتداد الخطر إلى المجال المجاور
إقليم ظهر في التحذيرات الرسمية وفي المعطيات الميدانية أيضًا، بحكم إدراجه ضمن الأقاليم القصوى في خطر الحرائق، ثم بروز اسمه مجددًا في سياق الحوادث التي مسّت المنطقة والفضاءات المجاورة.
وهذا يبين أن المجال المرتبط به لم يكن خارج دائرة التهديد، سواء في المناطق الغابوية أو في الفضاءات الحضرية المجاورة.
&تاونات: هشاشة المساحات العشبية والغابوية
إقليم تاونات كان من بين الأقاليم الأكثر عرضة للحرائق، خاصة بعد وروده في خرائط الخطر القصوى، ثم تكرار ذكره في نشرات موجة الحر.
وتشير هذه الوضعية إلى هشاشة خاصة بسبب انتشار المجالات العشبية والغابوية، ما يجعل أي اشتعال صغير عرضة للتحول إلى حريق واسع يصعب احتواؤه سريعًا.
كما أن الطبيعة التضاريسية وبعض المناطق الوعرة تزيد من صعوبة التدخل، خصوصًا حين يتزامن الاشتعال مع درجات حرارة مرتفعة ورياح متقلبة.
&تازة: تعبئة وقائية ضرورية
إقليم تازة أيضًا حضر ضمن لائحة الأقاليم الأكثر تهديدًا بحريق الغابات خلال بداية يوليوز.
ورغم غياب معطيات تفصيلية منشورة حول حادثة حريق محددة داخل هذه الإقليم، فإن تصنيفه ضمن الخطورة القصوى يكفي لإبراز أنه كان ضمن البؤر التي تستوجب تعبئة وقائية كاملة.
وتعكس هذه الوضعية أهمية الرصد المبكر، خصوصًا في الأقاليم التي تجمع بين الامتداد الغابوي، والغطاء النباتي الجاف، والمساحات المفتوحة المعرضة للاشتعال.
&مولاي يعقوب: خطر قائم رغم غياب حوادث كبرى
إقليم يعقوب لم تُسجل حوله، في المعطيات المتاحة، حادثة حريق محددة بالأرقام، لكنه ظهرت في نشرات موجة الحر وضمن الأقاليم المعنية بالإنذار.
وهذا يعني أن المناطق العشبية والفراغات المحيطة بها كانت بدورها معرّضة لخطر الاشتعال، لا سيما مع استمرار درجات الحرارة المرتفعة لأيام متتالية.
بولمان: امتداد الخطر إلى المجال الغابوي والجبلـي
لم يكن إقليم بولمان بمنأى عن موجة الحر وتهديدات الحرائق التي مست جهة فاس-مكناس، إذ وجد هو الآخر نفسه ضمن المجال الجهوي الأكثر عرضة للاشتعال، بالنظر إلى طبيعته الجبلية واتساع مساحاته الغابوية والعشبية.
ورغم غياب حصيلة تفصيلية معلنة حول حريق محدد داخل هذه المادة، فإن إدراج الإقليم ضمن المناطق المهددة يبرز حجم الهشاشة التي يعرفها خلال فترات الحرارة المرتفعة، خصوصًا في المناطق القريبة من الغطاء النباتي الجاف والفضاءات المفتوحة.
وتفرض هذه الوضعية يقظة دائمة وتدخلًا استباقيًا لتفادي تحوّل أي بؤرة صغيرة إلى حريق أوسع قد يهدد الغطاء البيئي والمجالات المجاورة.
&حجم الخسائر
المعطيات المنشورة لا تقدم، حتى الآن، حصيلة مفصلة لكل مدينة أو إقليم داخل الجهة من حيث عدد الهكتارات المحترقة أو قيمة الخسائر المادية في الممتلكات الخاصة والتجارية.
ومع ذلك، تكشف الحصيلة الوطنية للوكالة الوطنية للمياه والغابات أن جهة فاس-مكناس سجلت 1046 هكتارًا من المساحات المحترقة، ما يضعها ضمن الجهات الأكثر تضررًا على المستوى الوطني خلال سنة 2026.
وهذه الخسارة البيئية ليست رقمًا مجردًا، لأنها تعني تراجع الغطاء النباتي، وتهديد التنوع البيولوجي، وإمكانية اتساع آثار التعرية والجفاف في الأشهر اللاحقة.
&التدخلات الرسمية
المنحى الرسمي في التعامل مع هذه الحرائق اتسم، إلى حدود المعطيات المتوفرة، بالاستباق والإنذار المبكر أكثر من الاكتفاء برد الفعل.
فقد سبق للوكالة الوطنية للمياه والغابات أن حددت مناطق الخطر بدقة، ودعت إلى تعزيز اليقظة واتخاذ التدابير الوقائية في الأقاليم المعنية.
كما أظهرت وقائع الحرائق بالجهة تدخل عناصر الوقاية المدنية بسرعة للسيطرة على النيران، في مؤشر على جاهزية ميدانية نسبيًا، وإن كانت الحاجة قائمة إلى تنسيق أقوى بين الجماعات والسلطات المحلية ومصالح المياه والغابات.
&خلاصة
تكشف حرائق صيف 2026 بجهة فاس-مكناس أن المشكلة لم تعد ظرفية، بل صارت مرتبطة ببنية مناخية وبيئية هشّة تتكرر كلما ارتفعت درجات الحرارة واشتدت فترات الجفاف.
وبين الأقاليم المصنفة ضمن أقصى درجات الخطر، والحرائق التي وصلت إلى قلب كل من فاس ومكناس، والخسائر المسجلة على المستوى الجهوي، يبدو واضحًا أن موسم النار هذا العام لم يبدأ مبكرًا فقط، بل حمل معه إنذارًا بضرورة إعادة التفكير في آليات الوقاية والتدخل والتأهيل البيئي داخل الجهة.