فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
& الجزء3/1: تحوّل صامت للمسرح الدبلوماسي والمكسب الاستراتيجي
ديباجة/ بعد ثلاثة أشهر من قرار لمجلس الأمن الدولي دَعَم خطة الحكم الذاتي المغربية في المنطقة، أعلنت الولايات المتحدة، عن عقد اجتماع في إسبانيا بشأن قضية الصحراء الغربية..
المحادثات ركّزت بشكل أساسي على إنشاء لجنة فنيّة دائمة تضم ممثلين عن المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، مهمتها صقل خطة الحكم الذاتي التي قدّمتها الرباط.
المشاورات أفضت إلى بلورة "خارطة طريق مدريد 2026"، التي حددت ملامح المرحلة المقبلة، بما في ذلك عقد جولة تفاوضية جديدة بواشنطن قبيل شهر أبريل 2026 المقبل بهدف مناقشة تفاصيل العرض المغربي الجديد الذي سيقدم رسمياً إلى الأمم المتحدة.
ويذكر أن مجلس مجلس الأمن الدولي كان في نونبر 2025 قد أعلن عن القرار رقم 2797 الذي يؤيد خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء الغربية.
في هذا الملف السياسي الذي نُجِّزؤُهُ إلى 3 أجزاء، سنحاول الوقوف على ماوراء مشاورات مدريد 2026..
فبعض الاجتماعات لا تُسفر عن صورة مؤثرة ولا عن إعلان رسمي، لكنها تُغيّر موازين القوى بهدوء.
ومشاورات مدريد تندرج ضمن هذا النوع.
إن تفسيرها استنادًا فقط إلى بيان ختامي أو غياب اتفاق رسمي يُعدّ خطأً في التحليل والمنظور.
ما جرى هناك لم يكن يتعلق بالنتيجة المباشرة، بل بإعادة تشكيل استراتيجية.
في مدريد، لم يكن الهدف فرض حل، بل وضع إطار عمل. وفي الجغرافيا السياسية، من يضع إطار العمل يُحدد النتيجة.
لم تكن هذه المشاورات قمة رسمية ولا مؤتمراً رفيع المستوى، إلا أنها كانت حاسمة.
عندما تحل الجغرافيا السياسية محل الوضع الراهن فإن التاريخ الدبلوماسي يُعلّمنا أن التحولات الكبرى غالباً ما تظهر في بيئات حميمة، حيث يختبر الفاعلون خطوطهم الحمراء، ويُقيّمون هامش مناورتهم، ويرسمون ملامح حلول وسط لم تُعتمد بعد.
إندرج هذا الاجتماع تحديداً ضمن دبلوماسية المعايرة الاستراتيجية هذه.
بالنسبة للمغرب، لم تكن المسألة اتفاقاً متسرعاً، بل ترسيخاً لمبدأ.
لقد دخلت المسألة مرحلة ما بعد النظرية.
بمعنى آخر، ينتقل النقاش من عالم النماذج المجردة إلى ميدان الطرائق الملموسة.
لم يعد النقاش يدور حول الخيارات النظرية، بل حول تطبيقها..
الجزء1 @ تحوّل صامت للمسرح الدبلوماسي والمكسب الاستراتيجي
عُقدت المحادثات في الفترة من 8 إلى 10 فبراير 2026 في السفارة الأمريكية بمدريد، بتيسير من البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة وبرعاية مشتركة من الأمم المتحدة. وشاركت الأطراف الأربعة - المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو - ممثلين بثلاثة أعضاء من كل طرف، بقيادة مسؤولين دبلوماسيين رفيعي المستوى، بمن فيهم وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا.
وكانت هذه أول جولة رسمية من المحادثات منذ اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2797 في أكتوبر 2025.
وكان الهدف الرئيسي هو بدء تنفيذه، أي الانتقال من النص إلى إطار سياسي... وهنا تكمن الأهمية الحقيقية لاجتماع مدريد.
* تحوّل صامت للمسرح الدبلوماسي
على مدى نصف قرن تقريبًا، ظلت قضية الصحراء الغربية عالقة في دوامة الأمم المتحدة المتكررة: جولات من المفاوضات، ومبعوثون خاصون، وقرارات متجددة، ووضع قائم مؤسسي.
نظام مصمم لاحتواء النزاع أكثر من حله... لكن اجتماع مدريد شكّل نقطة تحول في هذا النموذج.
فقد غيّر التدخل المباشر للولايات المتحدة مركز الثقل.
لم نعد نتعامل مع إدارة غير محددة لنزاع، بل مع بداية منظمة لحلّه.
عندما تقرر قوة عالمية أن تلعب دورًا قياديًا في قضية إقليمية، فذلك لأنها تعتقد أن تكلفة الحفاظ على الوضع الراهن تفوق الآن تكلفة التوصل إلى تسوية.
يكمن التحول الجوهري في التالي: لم تعد واشنطن طرفًا ثانويًا في العملية، بل أصبحت مشاركًا فاعلًا.
ونتيجةً لذلك، تتطور طبيعة القضية نفسها.
بالأمس، كان هناك إطار عمل بطيء للأمم المتحدة، خاضعًا لتوازن قوى النقض.
أما اليوم، فهو نموذج هجين حيث تظل الأمم المتحدة وسيطًا بينما تعمل الولايات المتحدة كمحفز.
بالأمس، كان النقاش عقائديًا جامدًا... أما الآن، فهو نقاش تقني موجه نحو التنفيذ.
باختصار، يتغير المنطق: من إدارة النزاعات إلى بناء حلول.
هذا التحول حاسم.
تنتقل القضية تدريجيًا من النطاق القانوني البحت إلى عالم الجغرافيا السياسية الاستراتيجية.
*المكسب الاستراتيجي الرئيسي: فرض الإطار
لا يُقاس نجاح المغرب الحقيقي بتوقيع أو بيان صحفي، بل يكمن في تحول أعمق: تغيير الإطار المفاهيمي.
فالحكم الذاتي، الذي كان يُطرح كخيار من بين خيارات أخرى، أصبح الآن محور النقاش الدولي.
في الدبلوماسية، من يحدد قواعد النقاش يُؤثر حتماً على نتائجه.
ولزمن طويل، تبلورت المواجهة حول معضلة وجودية: الاستقلال أم السيادة.
أما الآن، فينتقل النقاش نحو مجال الآليات والضمانات والبنية المؤسسية.
هذا التحول من المبدأ إلى الإجراء، في تاريخ النزاعات الإقليمية، يُشير إلى دخول مرحلة ما قبل الحل.
@يتبع مع الجزء2






