فضاء الأطلس المتوسط نيوز/بقلم الأستاذ محمد خلاف
على رصيف أحد المقاهي العتيقة بمدينة الفقيه بن صالح التي تعيش على صدى "تحويلات الخارج"، يجلس بوعزة أو "جوفاني" كما كان يُنادى في أزقة ميلانو - يرقب المارة بعينين غائرتين، سكنهما غبار الخيبة. لم تكن رحلته مجرد عبور للبحر، بل كانت عبوراً من الذات إلى قناع "المهاجر الناجح" الذي لم يلبث أن تهرأ، ليعود إلى نقطة البداية، ليس كعائد فاتح، بل كغريب في وطنه، يحمل لقب "الروفولي" (Refoulé) كوشم لا يُمحى.
يتذكر لاربعا التي كانت بالأمس القريب عبارة عن حقول خضراء وبساطة فلاحية، وسينما كاليبسو، ومقر الجدارمية. وبيرو عراب والبوسطة.....
والآن حيث انقض عليها "إسمنت المهاجر".
بنايات شاهقة بأسوار عالية، نوافذ مغلقة طوال السنة، وسيارات فارهة تتبختر في شارع وشوارع ضيقة؛ كلها مظاهر لثراء فجّ غير من معالم الإنسان قبل المكان.
في هذه المدينة، لم يعد يُقاس المرء بأخلاقه أو علمه، بل بما يضخه في البنوك.
هذا النسق المتسارع خلق فجوة اجتماعية رهيبة، جعلت من لم يهاجر يشعر بالدونية، ومن عاد خالي الوفاض يشعر بالعار.
بوعزة الذي قضى زهرة شبابه يصارع الصقيع في معامل إيطاليا ، استسلم يوماً لإغواء "الربح السريع"... حيث انخرط في دوامة التجارة الممنوعة، ظناً منه أن الذكاء يكمن في الالتفاف على القانون.
بنى في الدوار فيلاًّ شاهقة ظلت تسكنها الغربان، واشترى سيارات لم تكن تزيد حياته إلا تعقيداً.
لكن "غدر الزمن" كان أسرع؛ فبين ليلة وضحاها، وفي كمين أمني على حدود فرنسية ايطالية لم تعد ترحم، وبتنسيق مع المخابرات المغربية،،،،، تبخر كل شيء. سُحبت الأوراق، صودرت الممتلكات، ورُحّل بوعزة بجواز سفر مؤقت، وقلب دائم الانكسار...... اصطدم بواقع "الإدارة" التي لا تعرف الرحمة، و"الأصدقاء" الذين انفضوا من حوله بمجرد أن جفت منابع "الأورو".لأن أخطر ما في ظاهرة "الروفولي" ليس ضياع المال، بل ضياع الهوية... حيث عاد من عيش "برزخي"الى عقل مشتت لا يزال يجوب شوارع "تورينو" أو "ميلانو". يقتات على ذكريات "الدولشي فيتا" (الحياة الحلوة)، بينما واقعه اليومي هو "القمار" في مقاهي الهامش، وانتظار دخان غليون أو سيجارة من هذا أو صدقة من ذاك.
لقد تحولت أحلامه من "بناء مستقبل" إلى "استعادة ماضٍ" ولّى.
لقد كان ضحية لثقافة "الاستهلاك المظهري" التي تعلمها بايطاليا،حيث تعلم كيف يشتري ماركات (غوتشي) و(برادا)، ولم يتعلم كيف يدير أزمة أو يستثمر في مشروع مستدام!!!!
رغم مرارة الإقصاء ، يظل "الدوار" بصدقه، وصوت الأهل بوقارهم، الملاذ الأخير لبوعزة...
هناك من يذكره بأن "القناعة كنز"، وأن الحياة ليست سباقاً للمليارات بل هي رحلة للبحث عن السكينة.
في جلسات "الروفولي" المشتركة، يتعلمون أن الألم جماعي، وأن السقوط ليس نهاية العالم، بل قد يكون بداية لتصالح حقيقي مع الذات، بعيداً عن أضواء أوروبا الزائفة.
إن قصة بوعزة أو (بعيزة) بلغة الأصدقاء والناس اليوم ...... ليست مجرد حكاية فردية، بل هي مرآة لمجتمع راهن بكل ما يملك على "الخارج"، ونسي أن يبني "الداخل".....دوما يتذكر صديقه الايطالي لوكا ونصحيته اليومية لبوعزة...Lavora sodo e con il sudore della fronte, guadagna soldi onesti, affinché Dio benedica i tuoi progetti futuri.
سيبقى "الروفولي" جرحاً نازفاً في خاصرة المدن الهامشية، تذكرةً لكل طامح بأن الأموال التي تُجمع بالخداع تحترق في صمت، وأن الوطن - برغم قسوته - هو المكان الوحيد الذي لا يطالبك بـ "أوراق إقامة" لكي تشعر بإنسانيتك......
وكما يقول الطليان ينطبق عن بوعزة وغيره كثير
"Dalle stelle alle stalle





.jpg)


