فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
في زمن أصبح فيه الصوت الحر عملة نادرة، يبرز النقد البناء كواجب وطني أصيل، لا مجرد رفاهية.
وعندما ننتقد الفساد والمفسدين في وطننا – من رشاوي التراخيص في المجالس المحلية إلى الإسراف الفاضح في المشاريع العمومية – فإننا نفعل ذلك من منطلق حب جامح لهذا الوطن ورغبة حارة في رؤيته أفضل.
هذا النقد يسعى إلى تصحيح المسار، لا تشهيرا ولا تدميراً يهدف إلى زعزعة الاستقرار كما يسعى إليه بعض رؤساء الجماعات المحلية هروبا إلى الأمام...
إنه حق دستوري يكفله القانون، يمنح المواطن فرصة محاسبة المسؤولين الفاسدين ومطالبتهم بالأفضل.
هذا الحق صمام أمان أي ديمقراطية حقيقية، ويؤكد أن الإصلاح يبدأ من الداخل.
السياسي دائماً معرض للنقد البناء، فمن لا يقبله غير صالح لتدبير الشؤون المحلية... لكن بعض السياسيين المتسللين – خاصة بعض رؤساء مجالس محلية مثل أزرو وأشكالهم – يرفضون هذا النقد تماماً، محاولين الركوب على موجته لخدمة أجنداتهم الذاتية وأغراضهم الشخصية باستغلال موقعهم الرئاسي.
رفض النقد يعني عدم قدرة السياسي على التفاعل مع أغراض الساكنة، مما يجعله غير موثوق.
يسارعون إلى التصدي الرخيص، متشدقين بشعارات ديماغوجية، ومضربين أمثلة كاذبة بعيدة عن الواقع.
هنا يكمن الفرق الجوهري: شتان بين صوت النقد البناء – صوت المواطن الذي يؤمن بالدستور ويعيش في وطنه، يرى عيوبه ويسعى لإصلاحها – وبين صوت النباح الوسخ، الذي لا يعرف الديمقراطية ويظل تحت سطوة الإيديولوجية الملغومة بعقول طائشة وأفكار قديمة.
كل سياسي يُختبر بنقده، من يرفضه لا يُعول عليه في خدمة المجتمع المحلي.
هؤلاء السياسيون في مراكز قرار الشؤون المحلية يتجاهلون عمداً كل نقد ودعوة للإصلاح، مصرين على العيش في ظلام الكراهية السامة والأوهام المريضة.
إثارتهم للفساد المستشري سيما في جهة فاس-مكناس، بما فيها إفران، تؤكدها تقارير وزارة الداخلية (2025): خروقات جسيمة تشمل مناقصات صورية، اختلالات مالية، إسراف في المشاريع العمومية، عدم تعيين لجان فتح أظرفة، واحتكار شركات قريبة من المنتخبين.
إشكالية انتخاب سياسيين محاطين بشبهات فساد، كما في أزرو، تعمق المشكلة، حيث يستمر التسيير الفاسد رغم الشكاوي وصدور أحكام تورطهم في فساد إداري.
النقد حق مواطني، والسياسي الذي يخشاه يفشل في تدبير شؤون الساكنة.
عدم قبول النقد دليل على ضعف السياسي، فالتدبير الحقيقي يبدأ بالاستماع للساكنة.
تتفاقم هذه الأسباب بنقص الحملات الرقابية، مما يشجع مخالفات التعمير والخدمات العمومية.
الواقع العمراني المشوه – مع التجزئات العشوائية والبناء غير القانوني – يفشل مشاريع التنمية، ويعزي ارتفاع الفساد في جماعات منها جماعات في إقليم إفران (خاصة أزرو) إلى ضعف الرقابة، تواطؤ المنتخبين مع المستثمرين في صفقات غير قانونية، عجز ميزاني، وتدهور الخدمات...
غياب الشفافية بمنح صفقات لشركات مرتبطة برؤساء ومستشارين بجماعات دون مناقصات حقيقية، مع ابتزاز مقاولين، منها قضايا معروضة على القضاء.
للمواجهة، لا مناص من قوانين تحد من المخالفات في التعمير والبناء، مع رقابة فعالة وزجرية.
قواعد التعمير وبرمجة مشاريع تنموية وتفويت الصفقات العمومية تكون فعالة فقط بحمايتها قبل وقوع المخالفات، وتنظيم القطاع يحقق تنمية متوازنة.
نظام الرقابة صعب بسبب ديناميكية الظاهرة، لكنه يتطلب أجهزة قوية واضحة الصلاحيات على جميع المستويات. المسطرة الحالية غير فعالة بسبب توزيع الأدوار المعقدة بين الجماعات، الإدارة، القضاء، والسلطة، مما يعيق التدخل الناجع ويطرح مراجعة شاملة لتحرير هذه الأجهزة.
فهل يتعض سياسيونا في الشؤون المحلية، ويقبلون بالرأي الآخر والنقد البناء، ويستجيبون لصرخات الشعب؟
الرفض المستمر للنقد يؤكد عدم صلاحيتهم لقيادة الشأن المحلي!
في الختام تبقى الدعوة للثورة الرقابية الدستورية، إذ ان السياسي الذي يرفض النقد يغرق وطنه في مستنقع الفساد، ويخون أمانة الساكنة.
السياسي دائماً معرض للنقد، ومن لا يقبله لا يُعول عليه أبداً في تدبير الشؤون المحلية أو التفاعل مع أغراضها.
يفرض الدستور المغربي 2011 (الفصل 145) رقابة الولاة والعمال على الجماعات الترابية، ويؤكد (الفصل 149) دور المجالس الجهوية للحسابات في مراقبة التدبير المالي والإداري... كما تنص القوانين التنظيمية 111.14 و112.14 و113.14 على تفعيل الرقابة السياسية والإدارية والقضائية لحسن التدبير المحلي.
لقد حان الوقت لثورة رقابية شعبية تجرف هؤلاء المتمسكين بكراسيهم الفاسدة، وتُعيد الشؤون المحلية إلى يدِ من يقبل النقد ويبني عليه.
الوطن ينتظر منا الصمود، فالنقد سلاحنا، والإصلاح هدفنا!






0 التعليقات:
إرسال تعليق