فضاء الأطلس المتوسط نيوز محمد/ الأستاذة سرغيني ف.ا+ م.عبيد
تعززت الخزانة الجغرافية الوطنية بإصدار مؤلفين إثنين أكاديميين للدكتور يوسف عاشي الباحث في الجغرافيا وإعداد التراب.
المؤلفان من الحجم المتوسط يسلطان الضوء على إقليم إفران. ويتميزان بالتكامل من الناحيتين المعرفية والمنهجية، ذلك أن الباحث خصص كتابا لمعالجة تطور ظاهرة التمدين في المناطق الجبلية مركزا على مجال اتحادية بني مكيلد (دائرة أزرو)، فيما خصص الكتاب الثاني لدراسة التحولات التي تشهدها الأرياف في المنطقة.
ويرتبط الإصداران بشكل وثيق بالمسار الأكاديمي لمألفهما.. خاصة وان الاسناذ يوسف عاشي ينحذر من الجبل، وانشغل بقضايا الجبل عن قرب، مما جعله ينخرط بشكل دائم من الزاوية العلمية في النقاش الحاصل حول تنمية المناطق الجبلية.
يحمل الكتاب الأول عنوان "دينامية التمدين وإعادة تشكيل التراب بإقليم إفران: حالة مجال بني مكيلد (الأطلس المتوسط الأوسط)"، ويقع في 276 صفحة، يتكون من ستة فصول عالج عبرها الباحث إشكالية التمدين بالمنطقة انطلاقا من إرهاصاتها الأولى خلال عهد مولاي إسماعيل وصولا إلى الوضعية الراهنة، التي يرى فيها صاحب الكتاب أن مدينة "أزرو" قد انتقلت من قصبة تقليدية إلى مدينة جبلية من الحجم المتوسط وقطبا حضريا بارزا في كل من الأطلس المتوسط الأوسط وجهة فاس مكناس.
بينما الإصدار الثاني يحمل عنوان "الديناميات المجالية وأشكال التكيف بأرياف إقليم إفران: حالة مجال بني مكيلد (الأطلس المتوسط الأوسط)".
يقع هذا الكتاب في 349 صفحة، حيث عالج فيه الكاتب عبر سبعة فصول موضوع التحولات المجالية وتأثيرها على البنيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والديمغرافية والبيئية، كما سلط الضوء على مساهمة هذه التحولات في تغير أنماط عيش الساكنة المحلية ودورها في بروز أشكال جديدة للتكيف مع الظرفية الراهنة، أيضاً أشار المؤلف إلى ظهور فاعلين جدد يساهمون في خلق تنظيم جديد للمجال.
وفي قراءة شاملة للكتابين يستنتج انهما يشكلان إضافة نوعية للبحث العلمي حول منطقة أزرو والأطلس المتوسط الأوسط، وبانهما سيساهمان بلا شك في إغناء الخزانة الجغرافية الوطنية، إذ يتسم الكتابان بخلفية أكاديمية محضة، حيث اعتمد الكاتب على مناهج علمية محكمة ومقاربات معاصرة ومنهجية رصينة، فقد وظف مختلف أدوات البحث الجغرافي انطلاقا من العمل البيبليوغرافي، والبحث الميداني الذي زاوج فيه بين الاستمارة والملاحظة والمقابلة، كما قام بعمل تقني دقيق، حين أغنى الباحث عمله بمجموعة من الخرائط والرسوم البيانية والصور الفتوغرافية.
يندرج هذان الإصداران ضمن تخصص الجغرافيا البشرية، إذ يمكن إدراج الكتاب الأول أي المتعلق بدراسة ظاهرة التمدين في خانة "الجغرافية الحضرية" أو "جغرافية المدن"، كونه يعالج إشكالية المدن الجبلية التي أصبحت تكتسي أهمية كبرى على مستوى سياسات إعداد التراب، بينما يمكن إدراج الثاني أي الكتاب المخصص لدينامية الأرياف ضمن خانة "الجغرافيا القروية"، بل وينتمي هذا الأخير إلى تيار الجغرافيا القروية المعاصرة، لأن الكاتب حاول أن يتجاوز النمط التقليدي للأبحاث، كونه لم يقتصر على وصف التحولات وتحليلها وتشخيص المعطيات المجالية، بل قدم مقترحات جريئة وتصورات عملية لتجاوز المشاكل التي تتخبط فيها المنطقة.
يتجلى التكامل المنهجي والمعرفي الذي يطبع هذان الإصداران في طبيعة المقاربة التي تبناها الكاتب، فقد عالج إشكالية التحولات المجالية بالأرياف لكن دون فصلها عن دينامية التمدين بالمنطقة.
فميزة هذا العمل (الكتابين معا) تتجلى كذلك في الأسلوب الأكاديمي البسيط الذي وظفه الكاتب، عندما حاول أن يؤسس لهذا البحث بخطاب واضح ومفهوم، لكي يجعل عمله يلائم أكبر قد ممكن من القراء سواء كانوا باحثين أكاديميين أو مهتمين بالشأن الترابي والثقافي في المنطقة، دون أن يفقده ذلك سمته العلمية.
كما أن هذا العمل يعتبر أيضا بحثا نوعيا يحاول كشف الديناميات التي تعرفها المناطق الجبلية من خلال تتبع التحولات التي تشهدها جبال الأطلس المتوسط، وبالخصوص مجال اتحادية قبائل بني مكيلد الشمالية، الذي يعتبره الكاتب المجال الأكثر تأثرا بالتحولات بسبب موقعه المنفتِح والمختَرَق.
يقدم هذا الكتاب تشخيصا مجاليا دقيقا لأعطاب التنمية بالمنطقة سواء تعلق الأمر بالمدن أو الأرياف، لكنه أيضا يفتح أفقا للتفكير في البدائل الممكنة للتنمية، ويعطي اقتراحات وتوصيات جريئة لتقليص حدة التفاوتات المجالية والفوارق الاجتماعية، وذلك عن طريق إعادة النظر في طبيعة السياسات العمومية الموجهة للجبل، وتكييف التدخلات مع حاجيات وخصوصيات المناطق الجبلية.
ففي مجال بني مكيلد، يعتقد الباحث أن تجاوز إكراهات التنمية لن يتحقق إلا عبر المدخل الترابي، حيث يقترح إعادة النظر في التقسيم الجماعي الحالي وذلك عن طريق خلق جماعة ترابية بالجبل، كما يؤكد على أهمية تقوية التنافسية الترابية لمدينة أزرو، إضافة إلى إعادة النظر في توزيع المصالح الترابية والنهوض بالمراكز الصاعدة (سيدي عدي، تمحضيت، عين اللوح، سوق الحد) سواء فيما يتعلق بالتهيئة أو فيما يخص تقوية مرافقها الاجتماعية والخدماتية.
كما ان الباحث يعتبر أن حل المشاكل التي تتخبط فيها المراكز الجبلية يكمن في معالجة الاختلالات الترابية التي تعيق تنمية المجالات القروية.
فضلا عن ذلك، يقترح الكاتب ضرورة تثمين الموارد الترابية المحلية، وتعبئة وتوظيف التراث المادي واللامادي، ودعم فلاحة مستدامة ملائمة لخصوصيات المنطقة وذلك بالعودة إلى النظام الرعي زراعي التقليدي، إضافة إلى دعم الأنشطة غير الفلاحية خاصة السياحة الإيكولوجية.








0 التعليقات:
إرسال تعليق