
فضاء الأطلس المتوسط نيوز/ محمد عبيد
وهكذا، فإن انتصار المغرب في مدريد هو انتصار مفاهيمي في المقام الأول: ترسيخ إطار عمل.
فعلى مدى عقدين تقريبًا، سعت المملكة جاهدةً لتحقيق هدف ثابت: الاعتراف بمبادرتها للحكم الذاتي كأساس واقعي للتفاوض.
وما كان في السابق مجرد اقتراح وطني، بات اليوم منصة دولية.
ويُنتج هذا التطبيع ثلاثة آثار متداخلة. أولًا، يضيق نطاق الاحتمالات.
فمع ترسيخ إطار العمل، تفقد السيناريوهات المتطرفة مصداقيتها.
ثانيًا، يصبح الوقت حليفًا...
ففي أي نزاع إقليمي، يستفيد الطرف المُسيطر على الإقليم من التلاشي التدريجي للنزاعات في غياب قطيعة استراتيجية.
أخيرًا، يتطور الخطاب الدبلوماسي، إذ ينصب التركيز الآن على الآليات والضمانات والتنفيذ - وهي مفردات نموذجية لمرحلة ما قبل الحل.
في نهاية المطاف، لم يكتفِ المغرب بالدفاع عن موقفه، بل قام بتنظيم النقاش حوله.
وهذا، في الجغرافيا السياسية، يُعدّ ميزة حاسمة.
* الجزائر: الوجود القسري، والاعتراف الهيكلي
في هذا السياق، تكتسب مشاركة الجزائر أهمية خاصة. فهي ليست تنازلاً سياسياً، لأنها ليست كذلك، بل تعكس في المقام الأول قيداً استراتيجياً بات حتمياً.
في العلاقات الدولية، تعني الموافقة على المشاركة في آلية متعددة الأطراف الإقرار بأن هذه الآلية قادرة على التأثير في مصالح الدولة.
كان الغياب يعني التهميش، أما المشاركة فتعني الانخراط. لا تؤيد الجزائر الموقف المغربي، لكنها تُقرّ بأنها لا تستطيع تجاهل الساحة التي يكتسب فيها هذا الموقف زخماً.
إذن، تكمن المفارقة في التالي: دون تغيير موقفها الأساسي، تُقرّ بأنها طرف معنيّ.
ومع ذلك، في الدبلوماسية، يُعدّ الجلوس على طاولة المفاوضات بمثابة اعتراف بالمشاركة في صياغة المشكلة، وربما في حلّها.
* إسبانيا: من الإرث الاستعماري إلى المنصة الاستراتيجية
إن خيار مدريد ليس بالأمر الهين، بل يحمل دلالات رمزية عميقة.
فالسلطة الإدارية السابقة تُغير من وضعها، إذ تتحول من فاعلٍ في الماضي إلى منصةٍ للحاضر.
ويُعدّ هذا التغيير في التموضع جزءً من ديناميكية أوسع نطاقًا، ألا وهي أوروبيّة القضية. فالعواصم الأوروبية تُولي استقرار الصحراء أهميةً استراتيجيةً متزايدة، لارتباطه بالهجرة والطاقة وتحديات منطقة الساحل.
علاوة على ذلك، يحدث تحولٌ صامت.
ففي النزاعات المطولة، غالبًا ما يميل الوقت لصالح من يتحدون النظام القائم.
وتشير أحداث مدريد إلى أن الوقت بدأ يصب في مصلحة المغرب.
وتتلاقى ثلاثة عوامل في هذا الاتجاه: الترسخ الدولي التدريجي لإطار الحكم الذاتي، وتوطيد السيطرة الإدارية والاقتصادية على الإقليم، وتزايد أولوية الاستقرار الإقليمي لدى القوى الغربية.
وعندما تتظافر هذه العوامل، تضيق نافذة الفرص الاستراتيجية المتاحة للمواقف المعارضة.
في تاريخ الصراعات ما بعد الاستعمارية، غالباً ما يشير هذا النوع من التحول، حيث تصبح السلطة الإدارية السابقة عاملاً مساعداً لتحقيق توازن جديد، إلى الدخول في مرحلة نهائية من المفاوضات.





0 التعليقات:
إرسال تعليق