"وكم من منزلٍ في الأرضِ يألفه الفتى **وحنينُه أبداً لأولِ منزلِ"
الاستهلال ليس برئيا بحكم ان هذا البيت الشعري لأبي تمام ليس مجرد سطر، بل هو دستور للمشاعر يلخص غربة الروح مهما تعددت الأماكن.
بين أزقة "لاربعا" القديمة، حيث كانت الجدران تتنفس صدقاً، وحيث كانت الشمس لا تشرق إلا لتلقي تحية الصباح على وجوهٍ لوحتها الطيبة قبل لفح الهجير؛ هناك نبتت جذورنا.
ليست مجرد مدينة من إسمنت وحجر، بل هي قصيدة حب كتبت بماء الود، وحفرت قوافيها في ذاكرة لا يأكلها النسيان.
كانت "لاربعا" بالنسبة لنا هي المبتدأ والخبر. كانت الدروب الضيقة تتسع لكل أحلامنا الصغيرة، وكان رغيف الخبز الذي يخرج من "فران الحومة" يحمل نكهة المشاركة؛ فلا يأكل الواحد منا حتى يشبع جاره.
كنا نقتسم حبة "النبق" ونشرب من "خابية" واحدة، لا نسأل عن هوية أو مصلحة، فالمعدن كان واحداً، والقلوب كانت مغسولة بماء القناعة والرضى.
في تلك الأيام، كانت المروءة هي العملة المتداولة. الصديق كان مرآة لصديقه، يرمم انكساره قبل أن يراه الناس، ويحفظ سره كما يحفظ الأرض البذر.
كانت "التجمعات" في الساحات والحدائق العمومية ليست لقتل الوقت، بل لإحياء الأمل، وتبادل أحاديث كانت تخرج من القلب لتستقر في القلب، دون حاجة لشاشات باردة أو رموز تعبيرية جوفاء....
أما اليوم، فقد داهمتنا "صداقات الفاست فود" حيث أضحت الصداقات مرافقة مغلفة بالمنفعة، تنتهي بانتهاء الغرض. كما أصبحت العلاقات هشة، تنكسر عند أول اختلاف في الرأي، وتتلاشى أمام عواصف الحسد وحب الذات.
فغابت تلك "المخادنة" التي تحدث عنها ميخائيل نعيمة، وحلت محلها "البروتوكولات" الجافة والولائم التي تشبع البطون وتترك الأرواح جائعة.
لقد فقدنا -مع الأسف- تلك الفطرة التي كانت تجعل من الصديق أخاً لم تلده الأم.
أصبحنا نبحث عن "لاربعا" القديمة في وجوه الغرباء، وفي بقايا الأبواب العتيقة، لعلنا نجد أثراً لذاك العطر الذي كان يفوح بعد أول زخة مطر على ترابها الغالي.....
رغم كل شيء، ستظل "الفقيه بن صالح" في وجداننا تلك الأنثى العربية الشامخة، التي مهما شاخت ملامحها بفعل الإهمال أو التغيير، يظل قلبها ينبض بالوفاء لمن أوفى لها. سنظل نحمل في جيوبنا مفاتيح تلك البيوت القديمة (معنوياً)، ونردد في سرنا: "الحب يليق بكِ يا مدينة العز".
إن الصداقة الحقيقية، كتلك التي صهرتها شمس "لاربعا"، هي جبل لا يهزه ريح "الوصولية"، وهي نهر جارٍ سيظل يسقي أرواحنا كلما جفت منابع الإنسانية في هذا الزمن المادي الصاخب.






0 التعليقات:
إرسال تعليق