فضاء الأطلس المتوسط نيوز/ بقلم سفيان انجدادي مستشار في الحكامة وتدبير الشأن العام
يعيش المغرب اليوم على إيقاع طفرة تنموية واقتصادية غير مسبوقة، تضع المملكة في مفترق طرق تاريخي، فبين طموحات الريادة الدولية في الطاقات المتجددة والبنيات التحتية وبين واقع مغرب السرعتين الذي نبهت إليه أعلى سلطة في البلاد، تبرز ضرورة ملحة لإعادة النظر في أدوات التنفيذ.
إن القراءة المتأنية للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية تكشف عن تحول استراتيجي في أدوار الفاعلين، حيث لم يعد إشراف وزارة الداخلية على التخطيط الترابي عبارة عن خيار إداري، بل أصبح ضرورة مرحلية فرضها واقع ضعف نجاعة السياسات العمومية وتواضع أداء بعض النخب السياسية المحلية.
لقد كشفت الحصيلة التنموية للعقد الأخير أن الفجوة المجالية بين المدن والقرى لم تكن ناتجة عن نقص في الموارد المالية، بل عن عجز في هندسة والتقائية التدخلات. فبينما كان الزمن السياسي يهدر في ظل حكومات ضعيفة وصراعات حزبية ضيقة داخل المجالس المنتخبة، كانت مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد والبطالة في العالم القروي تسجل أرقاما مقلقة، حيث وصلت بطالة القرى إلى 21.4% في عام 2024.
هذا العقم التدبيري لدى بعض النخب السياسية هو ما حتم استدعاء الواقعية الإدارية التي تمثلها وزارة الداخلية، بما تملكه من خبرة في التنسيق الميداني وقدرة على ضبط الأجندات الزمنية والمالية بعيدا عن المزايدات الانتخابوية.
الرهان المغربي الحالي يضعنا امام مشارف استحقاقات دولية كبرى كـمونديال 2030، لا يسمح بتكرار تجارب التخطيط المتسمة بالبطء. لذا، فإن الدور الفوق حكومي الذي تلعبه الإدارة الترابية اليوم، من خلال اللقاءات التشاورية التي قادها العمال والولاة، يهدف بالأساس إلى تحصين الزمن التنموي. فوزارة الداخلية لا تسعى هنا لمصادرة اختصاصات المنتخبين، بل لتقديم نموذج في الحكامة التنفيذية بما يضمن تنزيل مشاريع التشغيل، والتأهيل الترابي، والتدبير المستدام للموارد المائية، وهي الأولويات الأربع التي رسمها خطاب عيد العرش الأخير كخارطة طريق لردم الفوارق المجالية.
إن نجاح الجيل الجديد من البرامج الترابية المندمجة يظل رهينا بمدى قدرة الإدارة على استنهاض همم كافة الفاعلين، وتحويل الصرامة الإدارية إلى قوة دفع لفائدة العدالة المجالية. فالمغرب الذي يطمح للريادة لا يمكنه التحليق بجناح واحد، وإشراف وزارة الداخلية اليوم هو الضمانة الأقوى لكي لا يتبدد الزمن السياسي في غياب النجاعة، ولكي يلتحق المغرب العميق بقطار التنمية السريع قبل فوات الأوان.






0 التعليقات:
إرسال تعليق