مدونة فضاء الأطلس المتوسط نيوز "مازلنا هنا نقاوم وضمائرنا مرتاحة،عندما لانستطيع القيام بعملنا،سنكسر أقلامنا،ولا نبيعها."

أرشيف المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Powered By Blogger

التسميات

رايك يهمنا في شكل ومحتوى البوابة؟

المشاركات الشائعة

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

المشاركات الشائعة

Translate

الاثنين، 25 مايو 2026

#نوسطالجيا #العيد #الكبير

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/الاستاذ محمد خلاف 
من بين أزقة المدن العتيقة ودروب القرى الممتدة، تفوح رائحة "الزمن الجميل" في المغرب لتستحضر ذكريات عيد الأضحى كما عاشه الأجداد والآباء، حيث لم يكن العيد مجرد مناسبة دينية لذبح الأضحية، بل كان طقساً اجتماعياً وثقافياً تتلاحم فيه القلوب، وتذوب فيه الخلافات، وتُصنع فيه بهجة حقيقية بمكونات بسيطة وبكثير من البركة التي كانت تعم البيوت.
​وكان الاستعداد لـ "العيد الكبير" يبدأ أسابيع قبل حلوله، حيث تدب الحركة والبهجة في الأسواق الأسبوعية و"الرحبة" مخصصة لبيع الغنم، وكان لرب الأسرة هيبة خاصة وهو يختار الكبش رفقة أبنائه، ولم يكن الاختيار مبنياً على التباهي والتفاخر بحجم الأضحية، بل على البركة والجودة، بينما ينتظر الأطفال عودة الأب بالخروف بفرحة عارمة لا توصف. 
في الوقت نفسه، كانت النساء يشرعن في تنظيف البيوت تنظيفاً شاملاً يسمى "التخمال"، وتسمع أصوات "المهراز" النحاسي في الدروب وهو يدق التوابل الطرية كالكمون والقزبر اليابس والتحميرة، مع تحضير الفحم الحجري بكميات وفيرة، بالتزامن مع انتعاش الخياطة التقليدية حيث يحرص الكل على اقتناء أو خياطة الجلباب والبلغة للأب، والتكشيطة أو القفطان للأم، والملابس الجديدة للأطفال.
​أما ليلة العيد، فكانت لها أجواء ساحرة وخاصة جداً، حيث يُمارس طقس الحناء الشهير بتزيين جبهة الكبش بالحناء ووضع القليل من السكر في فمه كنوع من التبرك والترحيب به، كما كانت الأمهات يحنين أيدي الأطفال الصغار الذين ينامون وصوت ثغاء الأضحية يملأ مسامعهم وهم ينتظرون الصباح بشوق كبير، في حين تتحول السطوح المغربية إلى مسارح مفتوحة يتبادل فيها الجيران أطراف الحديث ويتفقدون أضاحي بعضهم البعض في جو من المودة والتقارب.
​ومع خيوط الفجر الأولى ليوم العيد، تعم التكبيرات والتهليلات من مآذن المساجد، ويخرج الرجال والأطفال مرتدين الجلباب المغربي الأبيض والبلغة الصفراء صوب "المصلى" في الساحات المكشوفة، وبعد الخطبة يتصافح الجميع بحرارة وتذوب كل الضغائن تحت شعار "عواشر مبروكة، وسماحة لله". 
وعقب عودة الإمام وذبحه لأضحيته، يرجع الرجال إلى البيوت للبدء في الذبح، ولم يكن الشخص في الزمن الجميل يذبح أضحيته بمفرده بل كان الجيران يتعاونون فيما بينهم، فيتنقل الشباب والرجال من دار إلى دار للمساعدة في السلخ والتعليق، بينما يتولى الأطفال والشباب مهمة "تشواط الروس" بإحراق شعر رأس وقوائم الأضحية بالفحم في أزقة الحي التي تمتلئ بدخان كثيف يحمل رائحة العيد المميزة.
​وللمطبخ المغربي في هذا اليوم نظام صارم وتدريجي يحترم التقاليد العريقة، فبعد الذبح يكون الفطور خفيفاً بالشاي بالنعناع والحلويات التقليدية ككعب الغزال والغريبة، لتأتي الوجبة الرسمية لظهر يوم العيد وهي "بولفاف " المكون من كبد الأضحية الملفوف بالشحم والمشوي على الفحم، حيث يجتمع أفراد العائلة الكبيرة حول "المجمر" الدائري. 
وفي المساء، تُطبخ "التقلية" المكونة من الكرشة والأمعاء بالتوابل المغربية والثوم والحامض المصير والزيتون، ليُخصص اليوم الثاني لتبخير رأس الأضحية، وبدء تحضير "المروزية" المصنوعة من لحم الرقبة مع التوابل الخاصة والعسل والزبيب، وهي أكلة صُممت لتذوب وتدوم طويلاً في زمن ما قبل الثلاجات.
​وما ميز عيد الأضحى في ذلك الزمن هو البُعد الإنساني والتكافل الاجتماعي، فلم يكن يمر العيد دون أن تصل حصص من لحم الأضحية إلى الفقراء أو الجيران الذين لم يسعفهم الحظ لشراء كبش، فالعيد كان "ديال الجميع". 
وفي الأيام الموالية، كان الشباب يرتدون جلود الأضاحي ويطوفون بالأزقة لإدخال البهجة وجمع الهبات في طقس فلكلوري شعبي ممتع يُعرف بـ "بوجلود" ، بينما تبدع النساء في تجفيف اللحم بعد تمليحه وتتبيله بالكزبرة والكمون لتعليقه في الحبال تحت أشعة الشمس ليصبح "قديداً" يُستعمل طيلة السنة. 
ورغم أن العصرنة غيرت الكثير من ملامح العيد وغيبت بعض هذه العادات، إلا أن الحنين إلى "عيد زمان" يظل حياً في وجدان المغاربة كذكرى لزمن كان فيه الفرح بسيطاً، واللمة العائلية مقدسة، والبركة تملأ كل ركن.

0 التعليقات:

إرسال تعليق