فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
تحولت وسائل التواصل الإجتماعي من أدوات للتواصل وتبادل الأفكار إلى فضاءات للعرض والادعاء، تُصنع فيها الصور أكثر مما تُنقل الحقائق، ويُقاس فيها النجاح أحياناً بعدد المتابعين والإعجابات بدل قيمة المضمون وأثره.
ولذلك لم يعد الحديث عن الأصالة ترفاً فكرياً، بل أصبح موقفاً أخلاقياً واجتماعياً يفرض نفسه على كل من يسعى إلى الحفاظ على صدقه مع ذاته ومع الآخرين.
فوعي الإنسان بزيف بعض مظاهر العالم الافتراضي يحرره من مقاييس نجاح مصطنعة، ويمنحه القدرة على بناء هويته على أسس حقيقية.
إن السعادة لا تُقاس بالأرقام، بل بالانسجام مع الذات وبالعلاقات الإنسانية الصادقة القائمة على الاحترام والوفاء.
لا أذكر أني طوال الدهر الذي عشته مع الكتابة والتحرير الصحفي، وقد حل العقد الرابع من الزمان لمعانقتي الكتابات خاصة منها الصحفية، أني سوَّدتُ خطابًا أو رسالةً أو نشرة إعلامية دون تركيز أو تمحيض.
كتابات صحفية كانت تهتم لقضايا وانشغالات الرأي العام بصفة إجمالية، وبقناعة استنادا لما توفر في قضية ما من ضوابط ومعلومات أساسية لوضع الراي العام في الصورة الكاملة للموضوع الإثارة...
طوال مساري مع الكتابة بمختلف أجناسها وعلى مختلف وسائل النشر كنت أكتب بقناعة وفي احترام تام لأصول الكتابة والنشر، وفي إطار احترام ضوابط الأجناس الصحفية وأخلاقيات النشر، وبإيمان راسخ بحق الجميع في الاختلاف وإبداء الرأي والرأي المضاد المحترمين لأصول النقاش المتزن.
قد تكون تلك الكتابات أو النشرات أحيانا صائبة، كما قد تكون منها ما لم تصب في أحيان أخرى مما يجعلها محطة نقد، وهو أمر محمود، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي التي تتيح أكثر الوقوف على الرأي الآخر بشكل تلقائي لتقويم ما يمكن تقويمه من مواقف.
لم تكن غايتي يوماً البحث عن الشهرة أو مراكمة المتابعين.
المؤسف أن بعض الفضاءات الرقمية أصبحت مرتعاً للمجاملات المفرطة حيناً، وللتجريح والطعن حيناً آخر.
كما أنه احيانا ما يظهر فيها أشخاص يكتفون بدور المتربص، يراقبون في صمت، ثم يختارون لحظة معينة للانقضاض، لا لمناقشة الفكرة، بل لمحاربة صاحبها وللطعن في شخصيته أو النشرة دون تمحيص.
هذه السلوكيات تعكس في كثير من الأحيان صراعات نفسية واجتماعية مرتبطة بالرغبة في الظهور، والسعي إلى القبول، والتنافس على المكانة الرمزية داخل الفضاء الافتراضي.
وفي خضم هذه الدوامة، تضيع القيم الحقيقية للعلاقات الإنسانية، ويصبح الإنسان أسيراً لصورة يريد أن يبدو عليها أكثر من اهتمامه بما هو عليه فعلاً.
إن منصات التواصل ليست ساحات للشتيمة ولا مبرراً للمساس بكرامة الآخرين.
كما أن الصداقة أو الزمالة الحقيقية لا تُقاس بعدد التفاعلات أو التعليقات، بل بما تقوم عليه من احترام متبادل وثقة وتقدير للاختلاف.
وعندما أتعرض أحياناً لهجمات شخصية بسبب نقل واقعة أو تغطية حدث أو إبداء رأي، فإن خياري يبقى غالباً الصمت وتجنب السجالات العقيمة.
فليس كل تعليق يستحق رداً، وليس كل استفزاز يستوجب مواجهة.
تبقى وسائل التواصل الاجتماعي اليوم أمام امتحان أخلاقي حقيقي:
*هل نجعل منها فضاءات للحوار المسؤول وتبادل الأفكار، أم نستمر في تحويلها إلى منصات للادعاء والتفاهة واستعراض الذات؟
¤الجواب لا تحدده المنصات نفسها، بل يحدده المستخدمون.
فكل كلمة تُنشر تحمل مسؤولية، وكل تفاعل يعكس قيماً ومواقف.
فأما من لا يروقهم ما أنشره، فبإمكانهم ببساطة مغادرة المنصة أو تجاهل المحتوى، فالهجرة الرقمية أكثر احتراماً من الإساءة، والصمت أبلغ من الانفعال.
وإذا كنا نطمح إلى مجتمع أكثر صدقاً وتماسكاً، فعلينا أن نمنح العلاقات الحقيقية مكانتها، وألا ننخدع ببريق الواجهات الافتراضية الزائل.
خلاصة لمن يعنيهم الأمر:
[تَكَلَّم حَتَّى أَرَاك"]
بهذه العبارة الفلسفية الخالدة، أدرك سقراط قديماً أن جوهر الإنسان يكمن في فكره ومنطقه، وليس في مظهره.