مدونة فضاء الأطلس المتوسط نيوز "مازلنا هنا نقاوم وضمائرنا مرتاحة،عندما لانستطيع القيام بعملنا،سنكسر أقلامنا،ولا نبيعها."

أرشيف المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Powered By Blogger

التسميات

رايك يهمنا في شكل ومحتوى البوابة؟

المشاركات الشائعة

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

المشاركات الشائعة

Translate

السبت، 25 يوليو 2026

رأى في الميركاتور السياسي ورائحة التويزة في تدوير رئاسة الحكومات

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
مع اقتراب الانتخابات التشريعية في المغرب، يعود المشهد الحزبي إلى حركته الموسمية المعتادة: انتقالات، تزكيات، إعادة تموقع، ووجوه تُستدعى من خارج المطبخ الحزبي لتزيين اللوائح أو تحسين الحظوظ الانتخابية.
هذا ما صار كثيرون يصفونه بـ"الميركاتو السياسي"، حيث تبدو الأحزاب أحيانًا وكأنها في سوق مفتوح أكثر منها في منافسة برامج ورؤى. 
وفي هذا المناخ، لا يعود السؤال فقط: من سيربح المقاعد؟ بل أيضًا: من سيربح حق تشكيل الحكومة، ومن سيُمنح مفاتيح المرحلة المقبلة؟
لكن جوهر الإشكال أعمق من مجرد حركية انتخابية عابرة. فالممارسة السياسية، حين تتحول إلى سباق على الوجوه اللامعة والاصطفافات السريعة، تُضعف معنى الالتزام الحزبي وتربك ثقة المواطن في الوساطة السياسية نفسها.
المغربي اليوم لا يتابع فقط تبدل المواقع داخل الأحزاب، بل يراقب أيضًا ما إذا كانت السياسة ما تزال قادرة على إنتاج نخب تحمل مشروعًا، أم أنها اكتفت باستيراد الأسماء الجاهزة لتغطية فراغ البرامج.
^رئاسة الحكومة بين القانون والسياسة:
في النظام الدستوري المغربي، تظل رئاسة الحكومة مرتبطة بالنتائج الانتخابية وبمنطق التعيين داخل توازنات سياسية ودستورية واضحة، لا بمجرد الشعبية العابرة أو الحضور الإعلامي. 
لذلك، فإن أي حديث عن رئاسة الحكومة لا ينبغي أن ينفصل عن سؤال الأغلبية، والقدرة على بناء التحالف، والانسجام بين مكونات التدبير العمومي.
هذه النقطة تجعل المعركة الانتخابية أقل براءة مما تبدو عليه، لأن التموقع داخل الأحزاب اليوم هو تمهيد مبكر لمن سيجلس غدًا على رأس الجهاز التنفيذي.
ومن هنا تظهر "رائحة التويزة" بوصفها استعارة موفقة: فالتويزة، في المخيال المغربي، عمل جماعي تطوعي قائم على التضامن والتآزر. 
لكن السياسة حين تستعير هذا المعنى، لا يجب أن تفعل ذلك على سبيل التجميل فقط، بل عبر استعادة روح العمل الجماعي الحقيقي، حيث تغلب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، وتصبح الحكومة ثمرة نضج سياسي لا نتيجة مقايضات ظرفية.
فإذا كان الميركاتو يرمز إلى البيع والشراء السياسي، فإن التويزة تذكّر بأن الحكم الرشيد لا يُبنى إلا بالتشارك والمسؤولية والصدق مع الناخب.
^أزمة الثقة:
المشكلة أن المواطن لم يعد يسأل فقط عن الأسماء، بل عن جدوى اللعبة كلها.
حين يرى انتقالات متكررة بين الأحزاب، وتزكيات تُمنح وفق الحسابات الانتخابية السريعة، وتنافسًا على "النجومية" بدل الكفاءة، يتعزز لديه انطباع بأن السياسة فقدت جزءً كبيرًا من أخلاقياتها.
وهذا أخطر من أي تنافس انتخابي، لأن تآكل الثقة يضرب المشاركة نفسها، ويجعل الانتخابات تبدو للكثيرين مجرد محطة لإعادة توزيع المواقع.
لهذا، تحتاج الأحزاب المغربية إلى ما هو أكثر من "ميركاتو" ناجح.
تحتاج إلى فرز داخلي جدي، وإلى وضوح في المرجعيات، وإلى جرأة في تقديم كفاءات نزيهة لا فقط أسماء قادرة على جذب الانتباه.
فالمغاربة لا ينتظرون مباراة في الانتقالات السياسية بقدر ما ينتظرون دولة قادرة على تحويل الأصوات إلى سياسات، والبرلمان إلى فضاء للمساءلة، ورئاسة الحكومة إلى وظيفة عامة لا جائزة في نهاية السباق.
^خاتمة:
الانتخابات المقبلة ستكون اختبارًا ليس فقط لمن سيحصد المقاعد، بل أيضًا لمدى قدرة الأحزاب على استعادة معنى السياسة نفسها.
وإذا كان "الميركاتو السياسي" قد صار لغة المرحلة، فإن المخرج الحقيقي منه هو إعادة الاعتبار إلى التويزة بوصفها قيمة جماعية: تعاون، التزام، واشتغال من أجل الصالح العام.
عندها فقط يمكن أن تتحول رئاسة الحكومة من موضوع للمساومات إلى عنوان لثقة وطنية أوسع.

المحاكمة في غياب الدفاع بين استمرارية المرفق القضائي وضمانات المحاكمة العادلة

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/بقلم : الأستاذ أشرف بومسيس
في قراءة قانونية في أحد التوجهات القضائية الصادرة عن محكمة الاستئناف بالعيون على ضوء المواد 316 و317 و751 من قانون المسطرة الجنائية والمادة 39 من قانون مهنة المحاماة، الأستاذ أشرف بومسيس يكتب: 
جرت العادة، في الأوساط القانونية والقضائية، على عدم التعليق على المقررات القضائية غير النهائية، احتراما لاستقلال السلطة القضائية ولمبدأ تدرج درجات التقاضي، غير أن هذا التقليد لا يحول، من الناحية العلمية والأكاديمية، دون مناقشة التوجهات القانونية التي تكرسها بعض المقررات القضائية، متى انصب النقاش على الأساس القانوني الذي اعتمدته، بعيدا عن إبداء الرأي في موضوع النزاع أو محاولة التأثير في مآله، ومن هذا المنطلق، فإن القرار موضوع هذه القراءة يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى ما انتهى إليه من إجازة مواصلة المحاكمة في غياب الدفاع، وهو توجه يثير نقاشاً قانونياً ودستورياً جديراً بالبحث والتحليل.
لقد أسس القرار تعليله على أن المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية، وإن كانت تنص على إلزامية مؤازرة المتهم بمحام أمام غرفة الجنايات، فإنها لم ترتب جزاءً صريحاً على مخالفة هذا المقتضى، كما استند إلى المادة 317 من القانون نفسه، وإلى المادة 39 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، معتبراً أن تعطيل الجلسات بسبب غياب الدفاع يتعارض مع مبدأ استمرارية المرفق القضائي والحق في البت داخل أجل معقول.
ولا خلاف في أن استمرارية المرفق القضائي تمثل مبدأ دستورياً مهماً، غير أن إعماله لا يمكن أن يكون على حساب الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة، وفي مقدمتها الحق في الدفاع، الذي كرسه الدستور والاتفاقيات الدولية، وجعل منه المشرع إحدى الدعائم الأساسية للعدالة الجنائية.
ومن وجهة نظرنا، فإن التعليل الذي اعتمده القرار يثير جملة من الملاحظات القانونية التي يمكن أن نوجزها على الشكل التالي:
أولا: لمادة 316 لا يمكن قراءتها بمعزل عن المادة 751 من قانون المسطرة الجنائية.
استند القرار إلى كون المادة 316 لم ترتب جزاءً صريحاً على مخالفة إلزامية حضور المحامي، غير أن هذا التعليل لا يستقيم، في تقديرنا، مع البناء التشريعي لقانون المسطرة الجنائية، لأن المشرع لم يكن في حاجة إلى تكرار جزاء البطلان داخل كل مادة، بعدما قرره بصفة عامة في المادة 751 التي تنص صراحة على أن:
"كل إجراء أمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه المطلوب يعتبر كأن لم يكن."
وهذه المادة تعد القاعدة العامة في البطلان الإجرائي، وتسري على جميع الإجراءات التي أوجبها قانون المسطرة الجنائية، ما لم يرد نص خاص يقضي بخلاف ذلك، ومن ثم، فإن إلزامية مؤازرة المحامي في الجنايات ليست مجرد توجيه تنظيمي، وإنما إجراء جوهري يترتب على الإخلال به البطلان بقوة المادة 751، حتى ولو لم تنص المادة 316 على جزاء خاص.
ثانيا: التكييف الذي أعطاه القرار للمادة 317 لا ينسجم مع منطوقها ولا مع فلسفة المشرع.
صحيح أن القرار استحضر المادة 317 من قانون المسطرة الجنائية ضمن تعليله، غير أنه كيفها، في تقديرنا، على نحو لا ينسجم مع منطوقها الصريح ولا مع الغاية التي استهدفها المشرع من إقرارها.
فالمادة 317 لم تشرع لإجازة المحاكمة في غياب الدفاع، وإنما جاءت لتعزيز الإلزامية المقررة بالمادة 316، وذلك من خلال وضع آلية قانونية تكفل عدم المساس بحق المتهم في المؤازرة، فقد نصت على أنه إذا لم يختر المتهم محامياً، أو لم يعين له، أو تخلى المحامي عن مؤازرته، أو رفض القيام بمهمته، فإن رئيس الجلسة يعين له فوراً محامياً آخر كلما كانت مؤازرته إلزامية.
إن القراءة السليمة لهذا المقتضى لا تؤدي إلى جواز الاستمرار في المحاكمة دون دفاع، وإنما تؤكد العكس تماماً، إذ يستفاد منه أن المشرع، كلما تعذر حضور المحامي لأي سبب من الأسباب، لم يجز تجاوز هذه الضمانة، بل ألزم المحكمة بتدارك هذا الوضع عن طريق تعيين محام آخر على الفور.
ولو كانت إرادة المشرع تتجه إلى السماح بإجراء المحاكمة دون محام، لما ألزم رئيس الجلسة بتعيين محام آخر، ولما جعل هذا التعيين يتم "فوراً" ولذلك فإن التكييف الذي انتهى إليه القرار يجعل المادة 317 تؤدي وظيفة معاكسة للغاية التي شرعت من أجلها، إذ حولها من نص يكرس إلزامية حضور المحامي إلى نص يستشف منه جواز الاستغناء عنه، وهو تأويل لا ينسجم، في تقديرنا، مع منطوق المادة ولا مع فلسفتها التشريعية.
ثالثا: الاستناد إلى المادة 39 من قانون مهنة المحاماة جاء خارج سياقها التشريعي.
استند القرار كذلك إلى المادة 39 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، غير أن هذا الاستناد، في تقديرنا، لا يجد سنده في فلسفة النص ولا في الغاية التي شرع من أجلها.
فالمادة 39 لم توضع لتنظيم آثار غياب الدفاع أثناء المحاكمة، وإنما جاءت لتنظيم الواجبات المهنية للمحامين ومنع الاتفاقات الجماعية التي تؤدي إلى حرمان المتقاضين من المساعدة القانونية، وهي بذلك تعبر عن حرص المشرع على حماية حق المتقاضين في الدفاع، وعلى صيانة رسالة المحاماة باعتبارها شريكاً أساسياً في تحقيق العدالة.
ومن ثم، فإن توظيف هذه المادة لتبرير إجراء المحاكمة في غياب الدفاع يمثل، في تقديرنا، تكييفاً للنص القانوني على غير أساس سليم، لأنه حمل المادة معنى لم يقصده المشرع، وأخرجها من مجالها التأديبي والتنظيمي إلى مجال الضمانات الإجرائية للمحاكمة، رغم اختلاف الطبيعة والغاية.
بل إن القراءة السليمة للمادة 39 تقود إلى نتيجة معاكسة تماماً، لأنها تؤكد أن المشرع كان حريصاً على استمرار قيام الدفاع برسالته لفائدة المتقاضين، لا على إيجاد سند قانوني يسمح بالاستغناء عنه،كما أن أي إخلال من المحامي بواجباته المهنية قد يرتب مسؤوليته التأديبية، لكنه لا يمكن أن يؤدي إلى المساس بحق المتهم في الدفاع أو تحميله تبعات تصرف لا يد له فيه.
رابعا: التفسير النسقي للنصوص يكشف بوضوح إرادة المشرع.
إن القراءة المنسجمة للمواد 316 و317 و751 من قانون المسطرة الجنائية، مقرونة بالمادة 39 من قانون مهنة المحاماة، تكشف أن جميع هذه النصوص تصب في اتجاه واحد، هو تعزيز الحق في الدفاع وضمان ممارسته بصورة فعلية، وليس إيجاد سند قانوني يسمح بتجاوزه.
فالمادة 316 تقرر إلزامية حضور المحامي، والمادة 317 تضع الآلية الكفيلة بضمان هذه الإلزامية عند تعذر حضور الدفاع، والمادة 751 ترتب الجزاء العام عند الإخلال بأي إجراء أمر به القانون، بينما تؤكد المادة 39 من قانون المهنة ضرورة صيانة رسالة الدفاع واستمرارها لفائدة المتقاضين.
ومن ثم، فإن الإشكال، في تقديرنا، لا يكمن في النصوص القانونية، وإنما في الكيفية التي تم بها تكييفها وتأويلها للوصول إلى نتيجة لا تبدو منسجمة مع الإرادة الحقيقية للمشرع.
إن أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في النتيجة التي انتهى إليها، وإنما في النقاش القانوني الذي يفتحه بشأن حدود التأويل القضائي للنصوص الإجرائية، ومدى جواز تغليب اعتبارات استمرارية المرفق القضائي على ضمانات المحاكمة العادلة.
وفي تقديرنا، فإن القراءة المتكاملة للنصوص القانونية تقود إلى نتيجة مغايرة، مؤداها أن المشرع لم يكتف بالنص على إلزامية مؤازرة المحامي في الجنايات، بل عززها بآلية قانونية تفرض تعيين محام آخر كلما تعذر حضور الدفاع، ورتب قاعدة عامة تقضي باعتبار كل إجراء لم ينجز وفق ما أمر به القانون كأن لم يكن.
ولذلك، فإن الاتجاه الذي كرسه هذا القرار يظل، من زاوية البحث العلمي، محل نقاش مشروع، ليس انتقاصا من السلطة التقديرية للقضاء، وإنما إسهاماً في إثراء النقاش القانوني حول كيفية التوفيق بين استمرارية المرفق القضائي وضمانات المحاكمة العادلة، بما يحقق الانسجام مع النصوص القانونية وفلسفة المشرع، ويصون الحق في الدفاع باعتباره إحدى الركائز الأساسية للعدالة الجنائية.

أضواء على الخشبة الفنية .. وظلال خلف الكواليس

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/بقلم : مفيد السباعي منتج - مدير أعمال فنانين
مع انطلاق الموسم الصيفي للمهرجانات الفنية في المغرب، يعود إلى الواجهة من جديد نقاش أصبح يتكرر كل سنة، ويتعلق أساساً بطريقة تدبير البرمجة الفنية ومعايير اختيار الفنانين المشاركين. فبينما تتصدر أسماء محددة المشهد في عدد من المهرجانات، يجد العديد من الفنانين والمواهب أنفسهم خارج دائرة البرمجة، رغم ما يقدمونه من أعمال وإنتاجات جديدة تستحق الوصول إلى الجمهور.
وفي هذا السياق، لا يتعلق الأمر بالاعتراض على مشاركة الفنانين المعروفين أو التقليل من قيمتهم الفنية، فكل فنان نجح في بناء اسمه يستحق التقدير والاحترام، وإنما يتعلق الأمر بضرورة تحقيق قدر أكبر من التنوع في البرمجة، وفتح المجال أمام أسماء وتجارب جديدة قادرة على إثراء المشهد الفني المغربي.
ومن جهة أخرى، فإن تكرار الأسماء نفسها في عدد من المهرجانات بدأ يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى قدرة هذه التظاهرات على تقديم صورة تعكس غنى وتنوع الساحة الفنية الوطنية. فهناك عشرات الفنانين الذين يشتغلون طوال السنة على إنتاج أعمال جديدة، ويطورون مشاريعهم الفنية، غير أن جزءاً كبيراً منهم لا يجد الفرصة للوصول إلى المنصات الكبرى، وهو ما يجعل المواهب الجديدة تواجه صعوبة في إثبات حضورها أمام جمهور واسع.
وفي المقابل، فإن الجمهور المغربي، المعروف بذوقه وانفتاحه على مختلف الألوان الموسيقية، يستحق بدوره برمجة أكثر تنوعاً وتجديداً. فحين تصبح أسماء المشاركين متوقعة قبل الإعلان الرسمي عن البرنامج، يفقد المهرجان جزءاً من عنصر المفاجأة والاكتشاف، بينما يفترض أن تكون هذه التظاهرات فضاءً لاكتشاف أصوات وتجارب جديدة، إلى جانب الاحتفاء بالأسماء الراسخة.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود تكرار الأسماء، بل يمتد أيضاً إلى غياب قنوات واضحة ومعلنة للتواصل بين الفنانين والجهات المنظمة. ففي عدد من الحالات، لا يجد الفنان أو مدير أعماله منصة رسمية لتقديم مشروعه أو ملفه الفني، كما لا تكون دائماً هناك معايير واضحة ومعلنة تحدد كيفية اختيار المشاركين أو آجال تقديم الترشيحات.
وبالتالي، يجد العديد من الفنانين أنفسهم أمام وضعية غير واضحة، إذ قد يتواصل أحدهم مع جهة منظمة في وقت مبكر فيُخبر بأن البرمجة اكتملت، بينما يجد فنان آخر فرصة للمشاركة في وقت لاحق. كما تظل مسألة تحديد الأجور، في بعض الحالات، موضوعاً يثير تساؤلات لدى المهنيين، خصوصاً عندما تكون الفوارق كبيرة دون أن تكون المعايير المعتمدة واضحة بما يكفي.
ومن هذا المنطلق، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى اعتماد مقاربة جديدة في تدبير البرمجة الفنية، تقوم على الوضوح والإنصاف والتنوع. ويمكن، في هذا الإطار، التفكير في إحداث لجان فنية متخصصة ومستقلة داخل المهرجانات، تضم مهنيين وخبراء في المجال، وتعمل وفق معايير معلنة توازن بين حضور الفنانين المعروفين، ودعم المواهب الصاعدة، والحفاظ على التنوع الثقافي والموسيقي المغربي.
كما يمكن، في السياق ذاته، التفكير في إحداث منصة وطنية رقمية موحدة تتيح للفنانين ومديري أعمالهم تقديم ملفاتهم وترشيحاتهم بشكل رسمي، مع تحديد آجال واضحة وشروط معلنة للاختيار، بما يضمن تكافؤ الفرص ويمنح الفنانين إمكانية الوصول إلى الجهات المنظمة بعيداً عن البحث عن رقم هاتف لا يجيب أو عن وسيط قد لا يكون متاحاً للجميع.
إضافة إلى ذلك، فإن دعم الفنانين الجهويين والمحليين ينبغي أن يحظى بمكانة أكبر في البرمجة، لأن المهرجان الذي ينظم في مدينة أو جهة معينة يمكن أن يكون مناسبة للتعريف بالمواهب الموجودة فيها، وإبراز الخصوصيات الثقافية والفنية المحلية، إلى جانب استضافة الأسماء الوطنية والدولية.
ومع ذلك، لا يمكن تحميل المنظمين وحدهم مسؤولية كل الاختلالات التي يعرفها المشهد، لأن جزءاً من المسؤولية يقع أيضاً على الفنانين أنفسهم. فهناك، للأسف، من يقبل بالتنازل عن قيمة عمله مقابل فرصة قصيرة للظهور، أو يعرض تقديم فقرته بشكل مجاني فقط من أجل الصعود إلى خشبة مهرجان، ولو لدقائق معدودة.
وفي السياق نفسه، هناك من يقبل بأن يكون مجرد “سد خانة” في برنامج فني، في وقت يكون فيه الجمهور لا يزال في طريقه إلى مكان العرض، أو يحاول التخلي عن هويته الفنية وتقليد فنان آخر لمجرد أنه أكثر حضوراً في السوق. غير أن الفنان الذي لا يحترم قيمة عمله، قد يجد صعوبة في إقناع الآخرين باحترامه.
والأخطر من ذلك، هو ما يمكن وصفه بـ”النفاق الفني”، حين تتحول الصداقة بين بعض الفنانين إلى مجرد صورة للاستهلاك على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما يتحول التنافس المهني خلف الكواليس إلى محاولات لإقصاء الآخرين أو التقليل من قيمتهم الفنية. فقد نجد فنانين يتبادلون الصور ويظهرون أمام الجمهور كأصدقاء، لكن عندما يتعلق الأمر ببرمجة مهرجان أو فرصة فنية، قد يتحول بعضهم إلى منافسين يسعون إلى إبعاد زملائهم بأي طريقة.
وبطبيعة الحال، فإن التنافس بين الفنانين أمر طبيعي ومشروع، بل هو عنصر أساسي في تطوير الإبداع، لكن المنافسة الحقيقية يجب أن تقوم على جودة العمل والموهبة والاستحقاق، لا على الإقصاء أو التشويه أو ضرب الآخرين من الخلف. فالفنان الحقيقي يثبت نفسه بما يقدمه من إبداع، وليس بما يقوله عن منافسيه.
وفي نهاية المطاف، فإن أزمة البرمجة في المهرجانات المغربية لا يمكن اختزالها في الفنان وحده، كما لا يمكن تحميل المنظم وحده كل المسؤولية، لأن الأمر يرتبط بمنظومة كاملة تحتاج إلى مزيد من التنظيم والوضوح والحكامة. فالمغرب غني بالمواهب والأصوات والألوان الموسيقية، وما ينقصنا هو توفير آليات أكثر عدلاً ووضوحاً تضمن وصول هذه الطاقات إلى الجمهور.
ولذلك، فإن إصلاح واقع البرمجة لا يعني إقصاء الفنانين المعروفين، وإنما يعني توسيع دائرة المشاركة، وخلق التوازن بين النجومية والتجديد، وبين الأسماء الراسخة والمواهب الصاعدة، حتى تصبح المهرجانات فضاءً حقيقياً للاحتفاء بالتنوع والإبداع.
وفي الأخير، يجب أن نتذكر أن الخشبة ليست هدفاً في حد ذاتها، بل إن القيمة الحقيقية تكمن في الطريقة التي يصعد بها الفنان إليها، وفي ما يقدمه للجمهور من إبداع يحافظ من خلاله على اسمه وكرامته ومكانته. فالمهرجان قد ينتهي بعد أيام، والعرض قد لا يتجاوز دقائق أو ساعة، لكن سمعة الفنان وكلمته داخل الوسط الفني قد تستمر لسنوات.
إن الرزق بيد الله، وليس بيد فلان أو غيره، ومن يريد أن يبني مسيرة فنية حقيقية، فعليه أن يبنيها بالعمل والإبداع والاستحقاق، لا بالنفاق أو المجاملة أو إقصاء الآخرين. فالفن، في نهاية المطاف، كرامة قبل أن يكون شهرة، وإبداع قبل أن يكون حضوراً، ورسالة قبل أن يكون مجرد صعود إلى خشبة .