فضاء الأطلس المتوسط نيوز / محمد عبيد
تظل الكرامة والعيش الكريم غاية كل إنسان، غير أن توهم إمكانية انتزاعهما من أرض الغربة حقيقة قاسية يغفلها الكثيرون ممن يراودهم حلم الهجرة؛ حيث يختزلون المستقبل في "فردوس مفترض" وراء البحار. غير أن واقع التجربة وسياق الأحداث المأساوية المرتبطة بهذه الظاهرة، يثبتان دائمًا أن الغربة تستنزف من روح الإنسان ما لا تعوضه مكاسب المادة، وأن استقرار الوجدان لا يُشترى بتأشيرة سفر.
إن مقولة «بلادي وإن جارت عليّ عزيزة» ليست مجرد بيت شعر يُردد في المناسبات الوطنية، بل هي منهج واعٍ يتطلب التمييز بين الوطن ككيان وانتماء ثابت، وبين ممارسات بعض القائمين على الشأن العام. من هنا، فإن تبخيس الوطن وتضخيم عيوبه لا يعكس وعيًا نقديًا بقدر ما يعلن عن بداية غربة فكرية ونفسية.
في المقابل، لا يعني هذا الطرح الداعي إلى الانتماء الصمتَ عن مواضع الخلل..
فالسلوكيات التقصيرية لبعض المسؤولين المتخاذلين عن أداء واجباتهم الوطنية تشكل شرارة لغضب الشباب واستياء الرأي العام.
وهي سلوكيات تستدعي المواجهة والنقد المسؤول، لا أن تُتخذ ذريعة للإحباط أو ركوب أمواج المخاطرة.
فالإهمال في تدبير الشأن العام والاستهانة بمعاناة المواطنين ممارسات مرفوضة تُغذّي اليأس، وتدفع الفئات الشابة نحو مغامرات غير محسوبة العواقب.
إن اليأس ليس خيارًا، والهروب لا يبني وطنًا، بل يستوجب الأمر استحضار العقلانية لمواجهة أمر الواقع.
إن بناء المستقبل يقتضي التمسك بالحق في الحياة الكريمة، والمطالبة بالحقوق عبر الوسائل السلمية والقانونية، إلى جانب المشاركة الفعالة في مراقبة أداء المسؤولين، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ فالشباب ليسوا عبئًا على الدولة، بل هم القوة المحركة للتقويم والتغيير.
وعلى الطرف الآخر، يتوجب على صناع القرار والمسؤولين فتح قنوات حوار جاد ومباشر للإنصات لأسباب الظاهرة ومآسيها الإنسانية، التي راح ضحيتها شباب لم يكونوا مجرد أرقام، بل طاقات وأحلام عائلات فُجعت في فقدها.
يستدعي هذا الواقع صياغة حلول تنموية حقيقية تعيد الثقة، وتحفظ كرامة المواطن، وتفتح آفاق الأمل داخل حدود الوطن.
إن مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية تتطلب جبهة داخلية متماسكة تجمع الشباب والشيوخ على السواء، لمواجهة التقصير بحكمة وتبصر، والتصدي لكل انحراف عن المسؤولية الوطنية أو مساسٍ بالخيار الديمقراطي. أما الاكتفاء بالتربص بالوطن عند كل عثرة لمهاجمته، فذاك سلوك يبتعد عن مفهوم المواطنة الحقة واستقرار المجتمعات.
ويبقى الرهان الحقيقي قائمًا على مواجهة اليأس بالعمل، وتوجيه النقد نحو الإصلاح..
فالطريق الأصعب المتمثل في المبادرة والتغيير من الداخل هو وحده الكفيل ببناء المستقبل، لا الطريق الذي ينهي أمل الإنسان وحياته في عرض البحر.
وفي هذا السياق، يتجلى المغزى العميق لما أكده الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش (2026)، والذي شدد على بلورة رؤية متجددة قوامها تكريس المقاربة الاستشرافية، وتعزيز دينامية الانخراط المسؤول، بما يضمن التنزيل الأمثل للأوراش الكبرى في إطار من الالتقائية والنجاعة، وترصيد المكتسبات، واستشراف آفاق أكثر انسجامًا مع متطلبات المرحلة.
إنها دعوة صريحة للجميع — مسؤولين وشبابًا — لجعل المواطنة والعمل الجاد هما السبيل الوحيد لحفظ الكرامة وبناء المغرب الذي يتسع لأحلام أبنائه.





