فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
تتكرر في كل مناسبة كروية كبرى تصريحات من مدربين ومسيرين وحتى إعلاميين رياضيين عرب وأفارقة، خاصة حين يخرج المنتخب من الأدوار الأولى، من قبيل:"لقد خرجنا بشرف، وقدمنا صورة مشرفة، وعلى العالم أن يحترم أداءنا.".
وهذه العبارات، مهما بدت ملساء ومطمئنة، تستحق وقفة نقدية جادة، لأنها تكشف أحيانًا عن خلل أعمق من مجرد هزيمة في الملعب.
المشكلة ليست في الدفاع عن المنتخب أو في التخفيف من مرارة الإقصاء، فذلك أمر طبيعي ومفهوم.
المشكلة تبدأ حين يتحول الخطاب إلى عادة جاهزة تُستعمل كلما تعثر الفريق، وكأن المطلوب من الجمهور أن يكتفي بالمعنويات بدل النتائج.
هنا بالضبط يفقد الخطاب قوته، لأن الرياضة، في جوهرها، لا تقاس بالنوايا الحسنة ولا بالانطباعات العاطفية، بل بما يتحقق فعلا على أرض الملعب.
إن الحديث المتكرر عن “الاحترام” بعد كل مشاركة باهتة قد يحمل في طياته نزعة دفاعية مفرطة، أو حتى قبولًا ضمنيًا بأن سقف الطموح محدود منذ البداية.
وكأن المشاركة في حد ذاتها إنجاز كافٍ، وكأن بلوغ مرحلة أولية يحتاج إلى تصفيق دائم من الآخر كي يكتسب قيمة.
هذا النوع من الخطاب لا يرفع المعنويات بقدر ما يرسخ فكرة غير صحية: أننا نُحسن تبرير الخسارة أكثر مما نُحسن السعي إلى الانتصار.
الأخطر أن بعض هذه الخرجات تصير بديلا عن النقد الذاتي الحقيقي.
بدل مساءلة أسباب الإقصاء، من ضعف الإعداد، إلى سوء التخطيط، إلى غياب الاحترافية، يجري اللجوء إلى لغة إنشائية عن "التمثيل المشرف" و"العودة المرفوعة الرأس".
والنتيجة أن المشكلة تبقى قائمة، بينما يتراكم الوهم بأن كل شيء على ما يرام ما دام الخطاب منمقا ومطمئنا.
المنتخبات الإفريقية والعربية لا تحتاج إلى مزيد من خطاب التبرير، بل إلى خطاب ثقة ونزعة تنافسية صريحة.
المطلوب أن يقول المسؤول: "نعم، نحن لم نصل بعد إلى المستوى الذي نريده، ولهذا سنعمل على تجاوزه".
هذه عبارة أقوى من ألف عبارة عن الشرف والاحترام، لأنها تنقل الفريق من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.
إن الرياضة الكبرى لا تعترف كثيرًا بالخطابات المجاملة.
العالم لا يحترم أحدًا لأنه طلب الاحترام، بل لأنه فرضه بالأداء والاستمرارية والنتائج.
ومن هنا، فإن الخرجات التي تكتفي بتجميل الإخفاق، بدل تحويله إلى درس، تظل أقرب إلى التهدئة المؤقتة منها إلى بناء شخصية رياضية قوية.
المنتخب القوي ليس الذي يعتذر عن خروجه، ولا الذي يطلب شهادة حسن سلوك من الآخرين، بل الذي يدخل المنافسة بعقلية الفوز، ويخرج منها وهو أكثر صلابة ووضوحًا.
أما "الخروج بشرف" فقد يكون مقبولا كعبارة عابرة، لكنه يصبح مقلقا حين يتحول إلى فلسفة كاملة في التعامل مع الفشل.
لماذا منتخبات أوروبا وأمريكا لا تثير من هذه الخزعبلة العربية أساسا؟
هل الشعور بالدونية وراء هذا التعبير المسؤول في عمقه؟
أحيانًا يكون هذا الخطاب فعلًا تعبيرًا عن شعور خفي بالنقص أو عن قبول ضمني بموقع أقل...
لكن الحكم النهائي يعتمد على النبرة والسياق، فإذا كان الخطاب ردًا على تقليل خارجي فهو دفاع مشروع، أما إذا صار عادة متكررة تعوّض غياب الطموح، فهنا يصبح علامة على أزمة شخصية وجماعية في تصور الذات.
الفرق المهم هنا هو بين الاعتزاز بالنفس والاستجداء الرمزي.
الاعتزاز يقول:"أداؤنا جيد ونبني عليه للمستقبل".
أما الاستجداء فيقول:"نرجو أن يعترف الآخرون بأننا كنا جيدين".
إذن الفرق المهم هنا هو بين الاعتزاز بالنفس والاستجداء الرمزي.
الأول يرسّخ الثقة، والثاني قد يكشف هشاشة داخلية إذا تكرر كثيرًا وأصبح بدلًا من الطموح لغةً أساسية للنجاح وأصبح بدلًا من الطموح لغةً أساسية للنجاح!







