فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
في خضم الأحداث التي صار يعيشها إقليم إفران عمومًا، وبشكل خاص مدينة أزرو، تسجل ملاحظة مشتركة لدى الرأي العام المحلي نظرا لاستفحال ظاهرة الإجرام والسرقات بشكل ملفت.
ورغم الاعتراف الواضح بالجهود المضنية التي ما فتأت تبدلها السلطات الأمنية بالمدينة، فإن الفجوة بين "الإجراءات المتخذة" و"الإحساس العام بالأمان" تظل قائمة، مما يفتح الباب لعدة تساؤلات حول كيفية تعزيز الأمن وتحسين نوعية الحياة في المدينة.
فلقد اصبحت مدينة أزرو حديث المواقع الإلكترونية والمنصات الاجتماعية بسبب انتشار الجريمة والمجرمين، تواجه تحديًا كبيرًا يتجاوز مجرد التدخل الأمني العاجل.
الرأي العام المحلي يردّ استفحال هذه الظاهرة إلى عدة عوامل مترابطة، من بينها عدم توفر فرص عمل للعديد من الشباب، وغياب أي مبادرة حقيقية لتخفيف هذه الظاهرة التي في تزايد ليس في أزرو فقط بل في باقي جماعات إقليم إفران.
لماذا تتفاقم الجريمة في أزرو؟
●هناك أسباب مترابطة، من أبرزها العامل الاقتصادي كونه يلعب دورًا محوريًا في هذه المعادلة.
فغياب فرص العمل للشباب، وقلة المبادرات المحلية، يزيد من احتمالية اللجوء إلى الجريمة كخيار "عاجل" لسد الحاجة الأساسية.
هذا العامل لا يخص أزرو فقط، بل يمتد ليشمل جماعات أخرى في الإقليم، مما يجعله قضية تتطلب معالجة إقليمية شاملة.
ظاهرة إعادة الإجرام، وتتجلى في خروج المحكومين الذين قضوا عقوباتهم السجنية، إذ سرعان ما يجدون أنفسهم على موعد مع العودة السريعة إلى السجن من خلال اقتراف جريمة.
وتسجل الملاحظات المحلية هذه الظاهرة المثيرة القلائق كون المجرمين الذين يغادرون السجن المحلي بأزرو، ما أن يغادرونه حتى يباشرون إجرامهم لسد خصاصهم للمال واحتياجات بعضهم للتنقل الى مدينته أو للأكل وآخر حاجته للمخدرات.
هذه الظاهرة تُظهر بوضوح ضعف آليات المتابعة وإعادة الإدماج، وتُفقد الثقة في فعالية نظام العدالة الجنائية في منع عودة الجريمة.
هذا الواقع يتطلب وضع خطة أمنية محكمة استباقية، تشمل نقل المغادرين أسوار السجن المحلي بأزرو صوب مدن مقرات مساكنهم، مع متابعة اجتماعية-أمنية تشمل برامج إعادة إدماج، فحوص متقطعة، وتنسيق مع مراكز العمل الاجتماعي.
بدون هذه الآليات، يبقى السجن مجرد "دورة مؤقتة" قبل العودة السريعة للجريمة.
من الناحية البنيوية للمدينة، فيلاحظ أن التوسع العمراني أدى إلى نمو أحياء جديدة دون بنية أمنية ملائمة.
فنظرا للتوسع العمراني مع انتشار أحياء أكبر وأكثر كثافة سكانية، سيما في شمال وشرق المدينة (على مستوى أحياء أحداف من حي الرتاحة وتجزئات سكنية بحي النخيل، وحي الأطلس2 [المعروف بحي التكوين المهني]، وبالحي الصناعي وإلى حي الصنوبر)، فإن الوضع يتطلب إحداث دائرة أمنية ثانية على الأقل وأيضًا تعزيز الموارد البشرية الأمنية.
النمو العمراني في أزرو ليس مجرد توسع جغرافي، بل هو تحول اجتماعي-اقتصادي يخلق تحديات جديدة للأمن.
هذه الأحياء الجديدة تشهد نموًا سريعًا دون تكيّف أمني ملائم، مما يخلق بؤرًا غير مراقبة جيدًا ويسهل تكرار السرقات والعنف وترويج المخدرات.
الأحياء المشار إليها، تشهد كثافة سكانية عالية، لكنها تفتقر إلى النقاط الأمنية الثابتة والدوريات المكثفة، مما يجعلها بؤرًا مشبوهة بتكاثر الأشخاص غير المنضبطين بالشارع العام.
عدم وجود دائرة أمنية ثانية بأزرو التي سبق وأن زُفَّ منذ سنتين خبر مشروع إحداثها لخدمة الساكنة الأزروية يُعدّ فجوة كبيرة في البنية الأمنية المحلية...
هيكلية مستقلة تمكّن من تنسيق الدوريات، إدارة النقاط الثابتة، وتكثيف الوجود في البؤر المشبوهة.
بدون هذه الدائرة الثانية، يبقى التنسيق الأمني محدودًا، والغطاء غير كافٍ في الأحياء الجديدة والبؤر الكثيفة.
كما أن هناك الحاجة الى تعزيز الموارد البشرية الأمنية، وهذا يعني زيادة عدد رجال الشرطة وعناصر القوات المساعدة، مع تحديد نقاط ثابتة في أحياء ألمذكورة آنفا.
اعتماد دوريات مركّزة على البؤر، خاصة في توقيتات الذروة مساءً، مع تشارك بين الشرطة والقوات المساعدة، واستخدام كاميرات المراقبة في الشوارع الرئيسية، كلها إجراءات قابلة للتنفيذ وتفرض كضرورة.
مقاربة الأمن الشامل تتجلى في ثلاثة مسارات متزامنة لحل هذه المشكلة المعقدة:
1) المسار الاستباقي الوقائي: منع الجريمة قبل وقوعها عبر إنشاء دائرة أمنية ثانية بأزرو، تعزيز الموارد البشرية، دوريات مركّزة على البؤر، ونظام متابعـة الخارجين من السجن يشمل نقل المجرمين إلى مقر سكناهم عند الخروج مع متابعـة اجتماعية-أمنية.
2) المسار العدلي-اجتماعي، ويبرز في إعادة الإدماج وتقليل العودة للجريمة عبر مراكز إعادة إدماج محلية تشمل برامج تدريب مهني، دعم نفسي، وتتبع اجتماعي للخارجين من السجن.
شراكات مع القطاع الخاص لتحفيز الشركات ومؤسسات أو تعاونية الشغل لتوظيف الشباب المحلي، ومكافحة المخدرات عبر حملات توعية، علاجات مجانية، وخط مساعدة سري للمتضررين.
3)المسار الاقتصادي-تنموي: تخفيف الدوافع الاقتصادية للجريمة عبر مبادرات محلية للوظائف تشمل مشاريع صغيرة مدعومة (تمويل جزئي، تدريب، تسويق)، تنشيط الاقتصاد المحلي بدعم الأسواق المؤقتة، المهرجانات الصغيرة، والخدمات السياحية في إقليم إفران، وشراكات إقليمية بين جماعات الإقليم لوضع خطة عمل مشتركة لتخفيف الفقر والحرمان.
كيف نقيس النجاح؟... هناك معايير واضحة وقابلة للمتابعة لضمان فعالية هذه المقاربة، منها:
*انخفاض معدلات السرقات والعنف بنسبة مئوية خلال 6–12 أشهر.
*زيادة الشعور بالأمان عبر استبيان رأي عام دوري، تقليل عودة الخارجين من السجن للجريمة عبر نسبة إعادة اللا إجرام خلال سنة، وتحسين الوجود الأمني عبر عدد الدوريات، النقاط الثابتة، ومساحة الغطاء في الأحياء الجديدة.
أزرو، كما جاء في نص هذا المقال، لا تحتاج إلى مجرد تدخلات أمنية عاجلة، بل إلى مقاربة شاملة تدمج الأمن الاستباقي، إعادة الإدماج الاجتماعي، والتخفيف الاقتصادي للحرمان.
هذا يتطلب تعاونًا مشتركًا بين السلطات المحلية، القطاع الخاص، والمجتمع المدني لوضع خطة عمل واضحة وقابلة للتنفيذ.
الجهود الأمنية المضنية التي تبدلها السلطات يجب أن تُدعم بسياسات اجتماعية-اقتصادية حقيقية.
بدون هذا الدعم، يبقى الأمن مجرد "ردع مؤقت" بدلاً من أن يصبح "نظامًا وقائيًا مستدامًا".
وتبقى هناك الحاجة إلى رؤية استراتيجية تجمع بين الأمن والتنمية، الرّدع والإدماج، وبين التدخل العاجل والمعالجة طويلة الأمد.
الرأي العام المحلي ينتظر خطوات عملية، وليس مجرد تصريحات.
الوقت الآن لتحويل هذه التساؤلات إلى إجابات ملموسة، ولتحويل أزرو من مدينة "حديث المواقع بسبب الجريمة"إلى مدينة "فخر الإقليم بسبب الأمن ونوعية الحياة".









