وفي فاس، لا يبدو هذا الصيف مجرد فصل شديد الحرارة، بل امتحانًا قاسيًا يكشف حدود التوازن بين التوسع العمراني وحق السكان في فضاء قابل للعيش.
فمع ارتفاع درجات الحرارة أحيانًا إلى ما يفوق 42 درجة، تتراجع الحركة في النهار إلى حدّ لافت، وتبدو الشوارع والأزقة شبه صامتة، بينما تستعيد المدينة بعض نبضها ليلًا، حين يخرج الناس بحثًا عن نسمة هواء تخفف من وطأة بيتٍ أرهقته الحرارة.
لكن ما تكشفه هذه الصورة المتكررة كل صيف ليس قسوة المناخ وحدها، بل هشاشة التدبير الحضري أيضًا.
ففاس، رغم ثقلها التاريخي ورمزيتها الحضارية، ما تزال في أجزاء واسعة منها تفتقر إلى ما يكفي من المساحات الخضراء، والمنتزهات العمومية، وملاعب القرب، والمرافق المفتوحة التي تمنح السكان متنفسًا يوميًا في مواجهة الاحترار المتصاعد.
ويبدو واضحًا أن المدينة، في كثير من أحيائها الحديثة، لم تُبنَ بعد بما يكفي لتستجيب لواقع مناخي يزداد صعوبة عامًا بعد عام.
في المدينة القديمة، ما يزال السكن التقليدي يقدم درسًا حضريًا بليغًا.
الجدران السميكة، والأفنية الداخلية، والتهوية الليلية، كلها عناصر ساعدت لسنوات على تخفيف أثر الحر داخل البيوت.
هذا الإرث المعماري يبرهن أن العمارة ليست مجرد شكل، بل آلية عيش وتكيّف.
غير أن هذا الدرس لم يجد ما يكفي من الامتداد في النسيج الحديث، حيث غلب الإسمنت على الشجر، والكتل الخرسانية على الفضاء المفتوح، حتى صار الحرّ داخل بعض الأحياء أشبه بعبء يومي لا يخفف منه إلا الخروج من الحي نفسه.
الأدهى من ذلك أن كثيرًا من الأسر الفاسية، خاصة ذات الدخل المحدود، لم تعد تبحث عن الرفاه، بل عن الحد الأدنى من الراحة.
فمع ارتفاع درجات الحرارة أحيانًا إلى ما يفوق 42 درجة، تتراجع الحركة في النهار إلى حدّ لافت، وتبدو الشوارع والأزقة شبه صامتة، بينما تستعيد المدينة بعض نبضها ليلًا، حين يخرج الناس بحثًا عن نسمة هواء تخفف من وطأة بيتٍ أرهقته الحرارة.
لكن ما تكشفه هذه الصورة المتكررة كل صيف ليس قسوة المناخ وحدها، بل هشاشة التدبير الحضري أيضًا.
ففاس، رغم ثقلها التاريخي ورمزيتها الحضارية، ما تزال في أجزاء واسعة منها تفتقر إلى ما يكفي من المساحات الخضراء، والمنتزهات العمومية، وملاعب القرب، والمرافق المفتوحة التي تمنح السكان متنفسًا يوميًا في مواجهة الاحترار المتصاعد.
ويبدو واضحًا أن المدينة، في كثير من أحيائها الحديثة، لم تُبنَ بعد بما يكفي لتستجيب لواقع مناخي يزداد صعوبة عامًا بعد عام.
في المدينة القديمة، ما يزال السكن التقليدي يقدم درسًا حضريًا بليغًا.
الجدران السميكة، والأفنية الداخلية، والتهوية الليلية، كلها عناصر ساعدت لسنوات على تخفيف أثر الحر داخل البيوت.
هذا الإرث المعماري يبرهن أن العمارة ليست مجرد شكل، بل آلية عيش وتكيّف.
غير أن هذا الدرس لم يجد ما يكفي من الامتداد في النسيج الحديث، حيث غلب الإسمنت على الشجر، والكتل الخرسانية على الفضاء المفتوح، حتى صار الحرّ داخل بعض الأحياء أشبه بعبء يومي لا يخفف منه إلا الخروج من الحي نفسه.
الأدهى من ذلك أن كثيرًا من الأسر الفاسية، خاصة ذات الدخل المحدود، لم تعد تبحث عن الرفاه، بل عن الحد الأدنى من الراحة.
فمع ضيق البدائل، تتجه عائلات كثيرة مساءً إلى بعض المحاور المفتوحة، مثل طريق عين الشقف، في محاولة للجلوس في الهواء الطلق إلى ساعات متأخرة من الليل. أما الأطفال والشباب، فيبحثون عن أي مساحة للتبريد أو الترفيه في ظل محدودية المسابح العمومية، وارتفاع كلفة الولوج إلى المسابح الخاصة، وغياب فضاءات مجانية أو منخفضة التكلفة تستوعب هذا الطلب الصيفي المتزايد.
وهنا تتجلى المفارقة بوضوح، مدينة بهذا الثقل التاريخي والحضاري، لكنها لا تزال عاجزة في بعض تفاصيلها اليومية عن توفير أبسط شروط الراحة المناخية. فالمشكل ليس في حرارة الصيف وحدها، بل في بنية حضرية لم تُعدّ بما يكفي لمواجهتها.
وهنا تتجلى المفارقة بوضوح، مدينة بهذا الثقل التاريخي والحضاري، لكنها لا تزال عاجزة في بعض تفاصيلها اليومية عن توفير أبسط شروط الراحة المناخية. فالمشكل ليس في حرارة الصيف وحدها، بل في بنية حضرية لم تُعدّ بما يكفي لمواجهتها.
وهذا ما يجعل كثيرًا من الأصوات المحلية تتحدث اليوم عن أزمة اختيار حضري قبل أن تكون أزمة طقس.
في العمق، ومن حيث السياسة الحضرية والمناخ، لا يمكن فصل هذا الوضع عن سؤال أكبر يتعلق بالسياسة الحضرية نفسها.
في العمق، ومن حيث السياسة الحضرية والمناخ، لا يمكن فصل هذا الوضع عن سؤال أكبر يتعلق بالسياسة الحضرية نفسها.
فالمناخ لم يعد عنصرًا ثانويًا في التخطيط، بل صار محددًا أساسيًا في تصميم المدن الحديثة.
والسياسة الحضرية التي لا تدمج الاعتبارات المناخية في صلب قراراتها تظل قاصرة عن حماية السكان، وعن ضمان حقهم في مدينة صحية وعادلة.
والسياسة الحضرية التي لا تدمج الاعتبارات المناخية في صلب قراراتها تظل قاصرة عن حماية السكان، وعن ضمان حقهم في مدينة صحية وعادلة.
فالتشجير ليس ترفًا جماليًا، والمساحات الخضراء ليست زينة إضافية، والمرافق العمومية ليست امتيازًا اجتماعيًا، بل كلها مكونات ضرورية لأي مجال حضري يرغب في الصمود أمام الحرارة المتزايدة.
ومن هنا، فإن النقاش في فاس لا ينبغي أن يظل محصورًا في السؤال الموسمي: "كيف نهرب من الحر؟"
ومن هنا، فإن النقاش في فاس لا ينبغي أن يظل محصورًا في السؤال الموسمي: "كيف نهرب من الحر؟"
بل يجب أن يرتقي إلى سؤال أكثر جوهرية:
"كيف نبني مدينة تحترم مناخها وسكانها معًا؟"
ذلك أن التوسع العمراني، حين لا يرافقه تخطيط بيئي واجتماعي متوازن، يتحول من وسيلة للتقدم إلى عبء يومي يثقل حياة الناس ويقلص جودة عيشهم.
إن ما تحتاجه فاس اليوم ليس المزيد من الخرسانة، بل رؤية حضرية جديدة تعيد الاعتبار للهواء والظل والمساحة العامة.
إن ما تحتاجه فاس اليوم ليس المزيد من الخرسانة، بل رؤية حضرية جديدة تعيد الاعتبار للهواء والظل والمساحة العامة.
رؤية تجعل من الأشجار جزءً من البنية التحتية، ومن الحدائق حقًا يوميًا، ومن الفضاء العمومي امتدادًا طبيعيًا لكرامة العيش.
فمدينة بهذا التاريخ لا يليق بها أن تبقى كل صيف في موقع المدافع عن نفسها أمام الحرارة، ولا أن يظل سكانها يبحثون عن متنفسات أصغر من حاجاتهم وأكبر من قدرتها الحالية على الاستجابة.
في النهاية، لا يبدو صيف فاس مجرد فصل حار، بل مرآة صريحة تكشف ما إذا كانت المدينة قد اختارت فعلًا أن تكون قابلة للعيش، أم أنها ما تزال تترك سكانها يواجهون الحر وحدهم.
وفي هذا المعنى، تبدو الأشجار اليوم أكثر من عنصر جمالي... إنها جزء من الحل، وشرط من شروط العدالة الحضرية، وعنوان من عناوين مدينة تستحق أن تُبنى على مقاس الإنسان لا على مقاس الإسمنت.
في النهاية، لا يبدو صيف فاس مجرد فصل حار، بل مرآة صريحة تكشف ما إذا كانت المدينة قد اختارت فعلًا أن تكون قابلة للعيش، أم أنها ما تزال تترك سكانها يواجهون الحر وحدهم.
وفي هذا المعنى، تبدو الأشجار اليوم أكثر من عنصر جمالي... إنها جزء من الحل، وشرط من شروط العدالة الحضرية، وعنوان من عناوين مدينة تستحق أن تُبنى على مقاس الإنسان لا على مقاس الإسمنت.





