مدونة فضاء الأطلس المتوسط نيوز "مازلنا هنا نقاوم وضمائرنا مرتاحة،عندما لانستطيع القيام بعملنا،سنكسر أقلامنا،ولا نبيعها."

أرشيف المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Powered By Blogger

التسميات

رايك يهمنا في شكل ومحتوى البوابة؟

المشاركات الشائعة

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

المشاركات الشائعة

Translate

السبت، 29 أغسطس 2026

ملف الأسبوع/شقة فاس الساخنة: هل يخطط المحامي الفار لكسر "حالة التلبس" لتغيير تهمة "الخيانة" أمام سيناريو الابتزاز؟


فضاء الأطلس المتوسط نيوز / متابعة: محمد عبيد 
وقد أقفل بالتمام أسبوع عن واقعة مديرة وكالة بنكية من مكناس رفقة محامٍ بهيئة فاس داخل شقة سكنية بمدينة فاس، فإنها لم تعد مجرد نازلة أخلاقية عابرة، بل إنها تحولت إلى قضية رأي عام تجمع بين الإثارة الدرامية والتعقيد القانوني، خاصة بعد إعلان سراح مؤقت للموقوفة،  في حين اختفى الطرف الثاني دون أية إشارة محتملة عن مكان تواجده.
فماتزال فصول "النازلة الأخلاقية" التي هزت العاصمة العلمية فاس ليلة السبت/الأحد، 22 و23 غشت الجاري (2026)، ترخي بظلالها على الرأي العام المحلي والوطني، متحولة من مجرد واقعة ضبط لمديرة وكالة بنكية رفقة محامٍ بهيئة فاس داخل شقة سكنية، إلى "لغز قضائي وأمني" مثير عنوانه الأبرز: "الاختفاء الغامض والمدروس لرجل القانون الفار من قبضة العدالة."
ويبقى الحدث الأبرز الذي يستأثر باهتمام المتتبعين للشأن القضائي بالمملكة هو الاستمرار "الغير المفهوم" لتوارى المحامي المعني عن الأنظار، بالرغم من صدور مذكرة بحث وطنية في حقه.
فبينما قررت النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بفاس متابعة الأطراف المعنية، برزت معطيات تقنية متسارعة تُسابق الزمن لفك خيوط هذا الاختفاء، وسط تساؤلات حارقة: 
كيف لشخصية معلومة ووجيرة في رداء المحاماة أن تتوارى عن الأنظار كل هذه المدة رغم صدور مذكرة بحث وطنية في حقها؟
وتُشير تفاصيل الواقعة المقترنة بالملف إلى أن المحامي المعني اختار خطة "الهروب الهوليوودي"، قافزاً من نافذة الشقة لحظة محاصرتها من طرف عناصر الأمن والزوج المشتكي (وهو مستثمر معروف بمكناس).. 
هذا الفرار الاضطراري لم يمر دون ثمن، إذ تناولت م
صادر متطابقة أن عملية القفز قد تكون تسببت في إلحاق إصابات جسدية بالمحامي، مخلفاً وراءه بقعاً من الدماء بمسرح الجريمة.
وقد سارعت عناصر الشرطة العلمية والتقنية إلى رفع هذه العينات البيولوجية لإخضاعها لتحليل الحامض النووي (DNA)، بهدف توفير دليل مادي دامغ يقطع الشك باليقين حول هوية المتواجد بالشقة ويثبت وجوده الفعلي بمسرح النازلة.
هل تتغير تهمة "الخيانة" أمام سيناريو الابتزاز؟ 
هذا
 التساؤل يأتي في الوقت الذي تخضع فيه مديرة الوكالة البنكية الموقوفة لخبرة تقنية معمقة على هاتفها المحمول بعد تدابير السراح المؤقت وإغلاق الحدود في وجهها..
 كما أن معطيات جديدة تسربت تفيد بأن الأبحاث قد تتجاوز جنحة "المشاركة في الخيانة الزوجية" لتلامس شبهة تعرض المسؤولة البنكية لعملية ابتزاز من طرف المحامي الفار.
وإذا ما نجحت الخبرة الرقمية في إثبات فرضية الابتزاز، فإن المسار الجنائي للقضية سيتخذ انعطافة خطيرة، تضع المحامي في مواجهة مباشرة مع فصول قانونية مشددة تزيد من تعقيد وضعيته المهنية والقضائية، وتحرمه من هوامش المناورة.
برأي المهتمين بالشأن القانوني، إذا أثبتت الخبرة التقنية تفريغ محادثات أو صور تفيد بالابتزاز، فإن وضعية المحامي ستنتقل من جنحة مرتبطة بالعلاقات الرضائية (تعتمد على شكاية الزوج) إلى جناية أو جنحة مشددة تتعلق بالابتزاز والتهديد... وهي جرائم لا يسقط الحق في متابعتها حتى لو تنازل الأطراف، وتصل عقوباتها إلى سنوات من السجن النافذ.
فبين "الاستغماء الرقمي" وسباق الكواليس مع التنازل، تُجمع القراءات القانونية على أن استمرار تواري المحامي يعود بالأساس إلى "ثقافته القانونية"، فهو يدرك جيداً آليات رصد التموقع الجغرافي (Geolocation) التي تعتمدها المصلحة الولائية للشرطة القضائية. 
وبناءً عليه، يُرجح أنه دخل في حالة "تجميد رقمي كامل" عبر التخلي عن هواتفه المعتادة وبطاقاته البنكية، واللجوء إلى شبكة علاقات ضيقة لتأمين ملاذ آمن مؤقت.
هذا "الاختفاء الاستراتيجي" ليس هدفاً بحد ذاته، بل هو وسيلة لكسب الوقت وتهدئة الزخم الإعلامي، والأهم من ذلك، وبحسب متتبعين للواقعة، هو منح فرصة لـ"وساطات عائلية ومهنية" تطبخ على نار هادئة في الكواليس. 
فالهدف الأسمى للدفاع وعائلة المحامي في الوقت الراهن هو استصدار تنازل رسمي مكتوب من الزوج المشتكي، وهو صك الغفران الوحيد في القانون الجنائي المغربي (وفق المادة 491) الكفيل بإسقاط المتابعة القضائية ووقف مفعول صك الاتهام تلو الآخر.
وبموجب المادة 491 من القانون الجنائي المغربي، فإن تنازل الزوج يضع حداً مفعولاً للمتابعة القضائية في حق الزوجة وفي حق مشاركها (المحامي)، مما يعيد الملف إلى نقطة الصفر، ويسقط مذكرة البحث الوطنية تلقائياً في شق الخيانة الزوجية.
فبين مطرقة الملاحقة الأمنية الجادة وسندان التبعات التأديبية المتوقعة من طرف هيئة المحامين بفاس، تظل قضية "المحامي الفار" مفتوحة على كل الاحتمالات، في انتظار كلمتها الفصل التي لن تبدأ فصولها الحقيقية إلا بوضع الأصفاد في يد من كان بالأمس يدافع عن سيادة القانون.
وبين صرامة المساطر الأمنية وحنكة المناورة القانونية، تظل قضية "محامي فاس الفار" امتحاناً حقيقياً لسيادة القانون، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من نتائج مخبرية وتقنية كفيلة بفك شفرة هذا الاختفاء المثير!؟...

قراءة في تحولات الفعل الحزبي المغربي قبيل الانتخابات التشريعية لسنة 2026

 

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/لشهب محمد 
(باحث في التدبير العمومي والمالية العامة)
ما المقصود بالأيديولوجية الحزبية؟ وهل لا تزال لدينا أحزاب وطنية بالمعنى الحرفي أم أننا أمام تسابق نحو الفوز بالغنائم والمقاعد والحقائب الوزارية؟
مقدمة
يدخل المغرب مرحلة سياسية دقيقة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، في سياق بدأت فيه ملامح الاستحقاق الانتخابي تفرض نفسها على الخطاب السياسي والحزبي. 
ولم يعد السؤال المطروح يتعلق فقط بمن سيفوز بعدد أكبر من المقاعد، أو بمن سيقود الحكومة المقبلة، بل أصبح سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة الحياة الحزبية نفسها: هل ما زالت الأحزاب المغربية تتنافس انطلاقاً من تصورات سياسية وأيديولوجية متمايزة، أم أن التنافس أصبح يدور أساساً حول المواقع والمقاعد وإمكانات المشاركة في السلطة؟
فالانتخابات، في معناها الديمقراطي، ليست مجرد عملية تقنية لفرز الأصوات وتوزيع المقاعد. إنها، في جوهرها، لحظة للمفاضلة بين مشاريع مجتمعية مختلفة، وبين تصورات متباينة للاقتصاد والعدالة الاجتماعية والحريات ودور الدولة والسياسات العمومية. وإذا غابت هذه الاختلافات، أو أصبحت ثانوية أمام منطق الحسابات الانتخابية، فإن التعددية الحزبية قد تتحول من تعددية في المشاريع والأفكار إلى مجرد تعددية في الأسماء والرموز والتنظيمات.
ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى مفهوم غالباً ما يُستعمل في الخطاب السياسي دون تدقيق كافٍ: الأيديولوجيا. فما المقصود بالأيديولوجية الحزبية؟ وهل يستطيع حزب سياسي أن يؤدي وظيفته التاريخية والدستورية من دون منظومة فكرية واضحة؟ والأهم من ذلك في السياق المغربي: هل ما زال مفهوم «الحزب الوطني» يحتفظ بمضمونه السياسي والتاريخي، أم أننا أصبحنا أمام أحزاب تتشابه في البرامج والتحالفات وتختلف أساساً في قدرتها على الفوز بالمقاعد والوصول إلى مواقع السلطة؟
أولاً: الأيديولوجيا ليست شعاراً انتخابياً بل رؤية لفهم المجتمع وتغييره
يُعد مفهوم الأيديولوجيا من أكثر المفاهيم تعقيداً ومراوغة في العلوم السياسية والاجتماعية. 
وقد وصف الباحث السياسي البريطاني ديفيد ماكليلان الأيديولوجيا بأنها من أكثر المفاهيم التباساً في العلوم الإنسانية. 
ويرجع ذلك إلى تعدد استعمالاتها واختلاف الدلالات التي اكتسبتها عبر التاريخ.
وقد ارتبط ظهور المصطلح بالمفكر الفرنسي أنطوان لويس كلود ديستوت دو تراسي، الذي استعمله للدلالة على «علم الأفكار». 
غير أن المفهوم تجاوز لاحقاً هذا المعنى الأول ليصبح مرتبطاً بمنظومات الأفكار والقيم والتصورات التي يعتمدها الأفراد والجماعات لفهم الواقع الاجتماعي والسياسي وتفسيره وتبرير مواقفهم منه.
وفي هذا الإطار، يمكن الاستناد إلى التعريف الذي قدمه مارتن سيلجر، والذي ينظر إلى الأيديولوجيا باعتبارها مجموعة من الأفكار التي يفسر من خلالها الناس ويبررون غايات ووسائل نشاطهم الاجتماعي المنظم، سواء كان الهدف هو المحافظة على النظام القائم أو تحويره أو إعادة بنائه.
وعندما نتحدث، إذن، عن الأيديولوجية الحزبية، فإننا لا نتحدث عن مجموعة من الشعارات التي تُرفع خلال الحملات الانتخابية، ولا عن كلمات عامة مثل «الكرامة» و«التنمية» و«الإصلاح» و«العدالة». فهذه القيم قد تتفق حولها معظم الأحزاب.
الأيديولوجية الحزبية تعني، في جوهرها، الإجابة عن أسئلة كبرى، من قبيل:
• ما تصور الحزب للدولة ودورها في الاقتصاد والمجتمع؟
• ما موقفه من العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة؟
• كيف ينظر إلى القطاع الخاص والاستثمار والسوق؟
• ما تصوراته للخدمات العمومية؟
• كيف يفهم الحرية والمساواة؟
• ما موقع المجال الترابي والعدالة المجالية في مشروعه؟
• كيف يتصور العلاقة بين الدولة والمجتمع؟
• ما الأولويات التي يعتبرها الحزب غير قابلة للتأجيل؟
إن الأيديولوجيا، بهذا المعنى، تشبه البوصلة السياسية؛ فهي التي تسمح للحزب بتحديد اتجاهه، وتساعد المواطن على فهم الفرق بين حزب وآخر.
ثانياً: لماذا تحتاج الأحزاب إلى أيديولوجيا؟
لا يمكن اختزال الأيديولوجيا في مجرد تراث فكري أو مرجعية نظرية. فلها وظائف سياسية أساسية تجعلها عنصراً مهماً في الحياة الديمقراطية.
1. الأيديولوجيا أداة للمعرفة السياسية
توفر الأيديولوجيا إطاراً لفهم الواقع وتفسيره. فالحزب السياسي لا ينظر إلى البطالة أو الفقر أو الضرائب أو الاستثمار أو الخدمات العمومية باعتبارها مجرد ملفات تقنية، بل من خلال تصور معين للمجتمع والدولة.
فقد يفسر حزب البطالة باعتبارها نتيجة لضعف الاستثمار الخاص، بينما يراها حزب آخر نتيجة لغياب تدخل الدولة، وقد يربطها طرف ثالث باختلالات التعليم والتكوين.
إن اختلاف الحلول يبدأ غالباً من اختلاف طريقة فهم المشكلة نفسها.
ومن هنا، فإن الحزب الذي لا يمتلك رؤية فكرية واضحة يصبح معرضاً للانتقال من موقف إلى آخر بحسب الظرف السياسي، ومن خطاب إلى آخر بحسب الجمهور المستهدف، ومن تحالف إلى آخر بحسب الحسابات الانتخابية.
2. الأيديولوجيا تمنح الفعل السياسي معنى
السياسة ليست مجرد تقنية للوصول إلى السلطة. فالسلطة، في الديمقراطية، وسيلة لتنفيذ مشروع سياسي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه المواطن ليس فقط: من يستطيع الفوز؟ بل أيضاً: ماذا سيفعل هذا الحزب إذا فاز؟ ولماذا يريد ممارسة السلطة؟
فالفرق بين حزب يمتلك مشروعاً سياسياً وحزب يبحث فقط عن المشاركة في السلطة، هو أن الأول يعتبر المقاعد وسيلة لتحقيق برنامج، بينما قد يصبح المقعد بالنسبة إلى الثاني غاية في حد ذاته.
3. الأيديولوجيا تؤدي وظيفة الهوية
تسمح الأيديولوجيا للحزب بأن يمتلك شخصية سياسية واضحة.
فالمواطن، في الديمقراطيات التي تتميز بحياة حزبية ناضجة، يستطيع غالباً أن يميز بين الأحزاب من خلال مواقفها الأساسية، حتى قبل قراءة برامجها الانتخابية.
أما عندما تصبح الأحزاب متقاربة في الخطاب، ومتداخلة في التحالفات، ومتشابهة في الوعود، فإن المواطن يجد صعوبة في الإجابة عن سؤال بسيط: ما الفرق الجوهري بين هذه الأحزاب؟
وهنا تتحول السياسة تدريجياً من منافسة بين الأفكار إلى منافسة بين الأشخاص.
ثالثاً: الدستور المغربي لا يتصور الحزب باعتباره مجرد آلة انتخابية
حدد الفصل السابع من دستور المملكة لسنة 2011 وظيفة الأحزاب السياسية بشكل واضح، إذ جعل منها مؤسسات تعمل على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام، كما تساهم في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب بالوسائل الديمقراطية.
وبالتالي، فإن الوظيفة الدستورية للحزب لا تختزل في البحث عن الأصوات خلال فترة الحملة الانتخابية.
الحزب، وفقاً للمنطق الدستوري، ينبغي أن يكون:
• مؤسسة للتأطير السياسي؛
• فضاءً لتكوين النخب؛
• مدرسة للممارسة الديمقراطية؛
• أداة للتعبير عن المصالح والاختيارات المجتمعية؛
• وسيلة للمشاركة في تدبير الشأن العام.
إن هذا التصور يضع مسافة كبيرة بين الحزب باعتباره مؤسسة سياسية والحزب باعتباره مجرد آلة انتخابية.
فالآلة الانتخابية تستيقظ مع اقتراب الانتخابات وتبحث عن المرشحين القادرين على الفوز، بينما المؤسسة السياسية تشتغل طوال الوقت على التأطير والتكوين وإنتاج الأفكار وتقييم السياسات العمومية.
وقد نص الدستور أيضاً على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة تشكل أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي. 
غير أن جودة الانتخابات لا ترتبط فقط بسلامة عملية الاقتراع، بل كذلك بمدى قدرة المواطن على الاختيار بين بدائل سياسية حقيقية.
رابعاً: هل ما زالت لدينا أحزاب وطنية بالمعنى الحرفي؟
هذا السؤال يقتضي أولاً التمييز بين مفهومين: الحزب الوطني باعتباره حزباً له جذور تاريخية، والحزب الوطني باعتباره حزباً يؤدي وظيفة وطنية مستمرة.
فليس كل حزب وطني بالضرورة حزباً قديماً، كما أن التاريخ وحده لا يكفي لمنح أي تنظيم صفة الوطنية بشكل دائم.
يمكن القول إن الحزب الوطني، بالمعنى السياسي العميق، هو الحزب الذي تتجاوز وظيفته البحث عن المقاعد، ويملك مشروعاً يتعلق بالمجتمع والدولة ومستقبل الوطن.
الحزب الوطني الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجيب عن السؤال التالي:
• ماذا نريد للمغرب خلال العشرين سنة المقبلة؟
وليس فقط:
• كيف سنفوز في الانتخابات المقبلة؟
الوطنية السياسية، بهذا المعنى، لا تقاس بتاريخ الحزب وحده ولا بعدد مقاعده، وإنما تقاس أيضاً بقدرته على:
• الدفاع عن مشروع مجتمعي واضح؛
• إنتاج نخب سياسية ذات كفاءة؛
• تأطير المواطنين باستمرار؛
• تقديم مواقف مستقلة ومفهومة؛
• ممارسة المعارضة عندما يقتضي الأمر ذلك؛
• تقديم المصلحة العامة على الحسابات التنظيمية الضيقة.
ومن هنا، فإن الأزمة الحقيقية ليست في غياب الأحزاب الوطنية، وإنما في احتمال تحول بعض الأحزاب، مهما كان تاريخها أو حجمها، إلى تنظيمات انتخابية تضع منطق الفوز قبل منطق المشروع.
خامساً: من التنافس حول الأفكار إلى التنافس حول المواقع؟
من الصعب إنكار أن جزءاً من النقاش السياسي المعاصر أصبح يتمحور حول أسئلة من قبيل:
• من سيتصدر الانتخابات؟
• من سيحصل على أكبر عدد من المقاعد؟
• من سيدخل الحكومة؟
• من سيحصل على الحقائب الوزارية؟
• من سيتحالف مع من؟
هذه الأسئلة مشروعة بطبيعة الحال، لأن السياسة الديمقراطية تتعلق أيضاً بالسلطة وتشكيل الحكومات. لكن الإشكال يبدأ عندما تصبح هذه الأسئلة هي كل السياسة.
فعندما يتراجع النقاش حول البرامج والمشاريع، ويتقدم الحديث عن المقاعد والحقائب، تصبح السياسة معرضة للتحول إلى ما يمكن تسميته اقتصاداً سياسياً للمواقع.
وهنا ينتقل الحزب من منطق:
«نريد الوصول إلى السلطة لتنفيذ مشروعنا.»
إلى منطق مختلف:
«نريد الوصول إلى السلطة، ثم سنرى ما الذي يمكن فعله.»
والفرق بين العبارتين كبير جداً.
إن السياسة، بطبيعتها، مرتبطة بالصراع حول السلطة، ولا يوجد ما يعيب الحزب في رغبته في الفوز. بل إن الحزب الذي لا يسعى إلى التأثير في القرار العام يفقد جزءاً من وظيفته السياسية.
لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الفوز غاية مستقلة عن المشروع.
فعندئذ قد يصبح البرنامج قابلاً للتعديل، والخطاب قابلاً للتغيير، والتحالفات قابلة للانتقال، والمواقف قابلة لإعادة الصياغة، لأن الثابت الوحيد يصبح هو المحافظة على الموقع.
سادساً: الأحزاب الإدارية بين المفهوم التاريخي والجدل السياسي
يُستعمل في الأدبيات السياسية المغربية تعبير «الأحزاب الإدارية» للدلالة، في الأصل، على أحزاب وُجهت إليها انتقادات تتعلق بطبيعة نشأتها وعلاقتها بالسلطة الإدارية وبالفاعلين النافذين.
وقد ظهر هذا المفهوم بقوة في الخطاب السياسي المغربي، خصوصاً لدى بعض قوى المعارضة، لوصف أحزاب اعتُبر أنها لم تنشأ من دينامية اجتماعية أو نضالية مستقلة، وإنما استفادت من دعم أو رعاية أو توافقات مرتبطة بالسلطة.
وتشير بعض الدراسات الأكاديمية حول التجربة الحزبية المغربية إلى التمييز بين أحزاب ذات جذور مرتبطة بالحركة الوطنية، وأحزاب ذات مرجعية إسلامية، وأحزاب وُصفت في الأدبيات السياسية بالأحزاب القريبة من السلطة أو «الأحزاب الإدارية». 
غير أن هذا التصنيف يظل موضوع نقاش وخلاف سياسي وعلمي، ولا ينبغي تحويله إلى حكم قانوني أو اتهام جاهز ضد حزب بعينه.
ومن الناحية التحليلية، فإن الإشكال الأهم ليس فقط في سؤال: من هو الحزب الإداري؟
بل في سؤال أكثر عمقاً:
هل يمتلك الحزب استقلالاً سياسياً حقيقياً في إنتاج مواقفه وقراراته؟ وهل تعكس مرشحاته وبرامجه دينامية حزبية ومجتمعية، أم أن منطق الأعيان والقدرة الانتخابية أصبح هو المحدد الرئيسي للحضور السياسي؟
فالخطر الحقيقي على الحياة الحزبية ليس في الاسم الذي نطلقه على الحزب، بل في تحول السياسة إلى منافسة بين شبكات انتخابية بدل أن تكون منافسة بين مشاريع مجتمعية.
سابعاً: هل ماتت الأيديولوجيا في السياسة المغربية؟
القول بموت الأيديولوجيا قد يكون حكماً متسرعاً.
فحتى عندما تتراجع الشعارات الأيديولوجية الكبرى، تبقى الاختيارات السياسية ذات طبيعة أيديولوجية، ولو لم يتم التصريح بذلك.
فالاختيار بين:
• دولة اجتماعية قوية أو تقليص تدخل الدولة؛
• الخصخصة أو تقوية المرفق العمومي؛
• توسيع الدعم الاجتماعي أو ترشيده؛
• العدالة التوزيعية أو أولوية تحرير السوق؛
• الاستثمار العمومي أو الاعتماد الأكبر على المبادرة الخاصة؛
كلها اختيارات سياسية تحمل في خلفيتها تصورات فكرية مختلفة.
المشكلة إذن ليست في اختفاء الأيديولوجيا، بل ربما في تراجع الوضوح الأيديولوجي.
وقد تكون المفارقة أن الأحزاب لا تزال تمارس اختيارات ذات خلفية أيديولوجية، لكنها لا تقدم للمواطن إطاراً فكرياً واضحاً يسمح له بفهم هذه الاختيارات ومحاسبتها.
وهذا ما يفسر، في جزء منه، ظاهرة تقارب الخطابات الحزبية، وصعوبة التمييز بين البرامج، وقابلية التحالفات للتغير.
وقد أشارت دراسات حول النظام الحزبي في بلدان المغرب العربي، ومنها المغرب، إلى أن الانقسامات الأيديولوجية التقليدية على النمط الغربي لا تفسر دائماً التنافس الحزبي المغربي، وأن عوامل أخرى تتعلق بطبيعة النظام السياسي والتحالفات ومواقع المعارضة والمشاركة تؤدي دوراً أساسياً في تشكيل المنافسة الحزبية.
ثامناً: الانتخابات المقبلة ليست امتحاناً للأحزاب فقط بل للسياسة نفسها
مع اقتراب انتخابات مجلس النواب المقررة يوم 23 شتنبر 2026، يدخل المغرب مرحلة ستكشف إلى أي حد استطاعت الأحزاب تجديد علاقتها بالمجتمع.
فالمواطن المغربي اليوم لا يعيش فقط سؤال الانتماء الحزبي، بل يعيش أسئلة يومية مرتبطة بالشغل والتعليم والصحة والسكن والقدرة الشرائية والعدالة المجالية وجودة الخدمات العمومية.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي للانتخابات لا ينبغي أن يكون:
من سيحصل على أكبر عدد من المقاعد؟
بل ينبغي أن يكون:
من يمتلك تصوراً أكثر وضوحاً وقدرة على الإجابة عن هذه الأسئلة؟
لقد حُدد تاريخ انتخاب أعضاء مجلس النواب في 23 شتنبر 2026، بينما تبدأ الحملة الانتخابية في 10 شتنبر وتنتهي في 22 شتنبر. 
وفي هذا السياق، تصبح الحاجة ملحة إلى أن تنتقل المنافسة من مجرد قياس القوة الانتخابية إلى مناقشة حقيقية للمشاريع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
فالديمقراطية لا تقوى بكثرة الأحزاب فقط، وإنما بقدرة المواطن على التمييز بينها.
خاتمة: عندما تصبح المقاعد وسيلة لا غاية
ليس من الواقعي أن نطالب الأحزاب بالتخلي عن الرغبة في الفوز؛ فالانتخابات، في النهاية، هي منافسة من أجل الوصول إلى مواقع اتخاذ القرار.
• لكن الفرق الجوهري بين السياسة النبيلة والسياسة الانتهازية يكمن في سؤال واحد:
• هل نريد السلطة من أجل تنفيذ مشروع، أم نبحث عن مشروع من أجل الوصول إلى السلطة؟
• في الحالة الأولى تكون الأيديولوجيا هي البوصلة، ويكون البرنامج ترجمة عملية لها، وتكون المقاعد وسيلة.
• أما في الحالة الثانية، فقد تصبح الأيديولوجيا مجرد زينة خطابية، والبرنامج وثيقة انتخابية موسمية، ويصبح المقعد هو الهدف الحقيقي.
إن المغرب لا يحتاج، بالضرورة، إلى مزيد من الأحزاب بقدر ما يحتاج إلى أحزاب أكثر وضوحاً. لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى مشاريع قابلة للنقاش والمساءلة. 
ولا يحتاج المواطن إلى معرفة من سيفوز فقط، بل يحتاج إلى معرفة لماذا يريد كل حزب الفوز، وماذا سيفعل بالسلطة إذا وصل إليها.
فالحزب الوطني بالمعنى الحقيقي ليس الحزب الذي يكتفي باستحضار التاريخ، ولا الحزب الذي يرفع أكثر الشعارات وطنية، ولا الحزب الذي يمتلك أكبر عدد من المنتخبين.
الحزب الوطني هو الذي يجعل الوطن أكبر من الحزب، والمشروع أكبر من المقعد، والمصلحة العامة أكبر من الحقيبة الوزارية.
ولعل الانتخابات التشريعية المقبلة تمثل فرصة لإعادة طرح سؤال أصبح ضرورياً أكثر من أي وقت مضى:
هل نتنافس من أجل المقاعد، أم من أجل الأفكار التي ستحدد ما سنفعله بهذه المقاعد؟
ففي النهاية، يمكن للأحزاب أن تتنافس على السلطة، وهذا جوهر الديمقراطية، لكن الديمقراطية تفقد جزءاً كبيراً من معناها عندما يصبح التنافس على السلطة بديلاً عن التنافس حول كيفية استعمالها لخدمة المجتمع.
مراجع
• أندرو هيود، مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2012.
• عبد الله العروي، مفهوم الأيديولوجيا، المركز الثقافي العربي.
• عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة.
• نديم البيطار، الأيديولوجيا الانقلابية.
• جورج طرابيشي، الماركسية والأيديولوجيا.
• جون بلاميناتز، الأيديولوجية: مفاهيمها وتطورها في الواقع التاريخي والسياسي.
• أريك فروم، الخوف من الحرية.
• Michael J. Willis, “Political Parties in the Maghrib: Ideology and Identification.”
• دستور المملكة المغربية لسنة 2011، خصوصاً الفصول 7 و11.
• المعطيات الرسمية المتعلقة بالانتخابات التشريعية لسنة 2026.

حملة انتخابية سابقة لموعدها...أو عندما نعيش في زمن المرشح الجاهل والآفاق المجهول

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/إفران: ذ. يوسف عاشي
أود في البداية التأكيد على أن هذا النص التوجيهي النقدي لا يستهدف هيئة معينة أو شخصا بعينه، ولا ينطلق من موقف مسبق مع هذا الطرف أو ذاك، كما أنه لا يشكل اصطفافا ضد أي مرشح أو جهة سياسية..وهو. بل هو تعبير عن موقف مسؤول، أساسه الاحترام لجميع أبناء الإقليم مرشحين وناخبين، وخاصة الذين عبروا عن رغبتهم في خدمة الإقليم والمساهمة في تدبير الشأن العام.
مع اقتراب الانتخابات التشريعية، برزت مجموعة من الأسماء التي أعلنت رغبتها في الترشح، ومنهم من حسم مبكرا في مسألة التزكية، فيما تردد آخرون قبل اتخاذ القرار. 
وهذا أمر طبيعي في سياق انتخابي يعرف حركية وتنافسا. من هذا المنطلق، فإن ظهور بعض المرشحين بشكل مفاجئ في الفضاء الرقمي لا يعني التشكيك في نواياهم أو مساراتهم، غير أن هذا الحق يتطلب في المقابل معرفة دقيقة بالإقليم وقضاياه وانتظارات ساكنته، ورؤية واضحة لما يمكن للبرلماني المحتمل أن يقوم به فعلا، خاصة وأن الكثير من الأسماء لا يعرفها أحد ولم يكن لها حضور في الساحة النضالية. فالترشح للانتخابات التشريعية ليس مجرد تنافس على مقعد، وإنما مسؤولية سياسية ومؤسساتية وأخلاقية، تتطلب القدرة على التشخيص، وفهما للاختصاصات، ووعيا حقيقيا بالإشكالات التنموية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الإقليم.
وكملاحظة أولية، ففي الوقت الذي لم تفرز فيه بعض الجماعات عن اسم مرشح لهذه الانتخابات، فإن جماعات أخرى قد أفرزت أكثر من مرشح، ولذلك فتعدد المرشحين وتضاعف أعدادهم داخل الجماعات (مرشح لكل دوار)، يستدعي التذكير بأننا أمام انتخابات تشريعية وبرلمانية، وليست انتخابات جماعية. 
لذلك، ينبغي أن تكون البرامج والوعود منسجمة مع اختصاصات البرلمان، وألا تختلط باختصاصات الجماعات الترابية أو المجالس الإقليمية والجهوية، كون بعض المرشحين شرعوا في إعطاء وعود لقضايا يمكن تحقيقها على المستوى المحلي من طرف المجلس الجماعي مستغلين جهل الساكنة بالاختصاصات والصلاحيات، ويتعلق الأمر بخدمات القرب التي فشلت المجالس في تقديمها للساكنة المحلية. كما أن إطلاق الوعود دون تشخيص واقعي للإشكالات لا يخدم العملية الانتخابية، بل المطلوب هو النزول للميدان والتواصل مع الساكنة والاشتغال على برامج واضحة وقابلة للنقاش والتقييم، تحدد الأولويات وتقدم تصورات واقعية للترافع من أجل مصالح الإقليم.
يمكن القول أن بوادر الحملة الانتخابية التي تغزو الأسواق والمقاهي والفضاء الأزرق قد بدأت من دواوير الهامش كالعادة، سياسيون يتجولون كأنهم يمارسون السياحة الاستكشافية بمناطق لا يمكن تحديدها على جي بي إس (نظام تحديد المواقع) من كثرة العزلة والتهميش، وخيام تنصب على هامش التجمعات السكانية، لتقصدها سيارات فارهة ورباعية الدفع محملة بوجوه تجعلنا نتساءل حول مصداقية خطابها لهزالة حصيلتها. 
وفي المقاهي الشعبية المطلة على الشارع الرئيسي لمدننا البئيسة، يجلس المرشح وخدمه (مدور بيه سطولا) ويفتي عليهم طريقة العمل، طبعا كلنا مثاليون عندما يتعلق الأمر بالشفوي والتنظير، ولكن العبرة بالخواتم، والمقصود هنا الحصيلة والمنجزات، وليس النجاح في الانتخابات. 
وفي اعتقادي، فالمرشح الذي يتواصل ميدانيا مع الساكنة يبقى الأفضل مهما كانت حصيلته، فالتواصل يشفع له على كل حال، وهو أفضل بكثير من النشيطين على وسائل التواصل الاجتماعي. 
فالسياسي المحنك في اعتقادي هو الرجل الحذق في المعرفة والكلام والقادر على توصيله بعد تغليفه بما هو ملائم لسياقه (عندنا منهم بزاف)، فالخطاب إذن يتغير حسب السياق، فالكلام الموجه لسكان المدن المكدسين في بعض الأزقة الضيقة والمحمل بعبارات مرحبا ألالة مرحبا أسيدي في محاولة لامتصاص طلباتهم وشتائمهم، ليس هو نفس الخطاب الموجه لساكنة الدوار، حيث يتم استغلال حياء أهل البادية بعبارات "ها العار". 
وهي أساليب لا يمكن الحكم على صلاحيتها وشرعيتها ما دام المرشح قد فهم المجتمع ونمط عيشه وطرق تفكيره.
بينما اختار أخرون وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لأنفسهم منتقدين عجز النخب السابقة عن إخراج الإقليم من مأزقه. ودون حرج لا يزال السياسيون يرددون نفس الأسطوانة، بعض مقاطع المراسلين الصحفيين قد رصدت شيئا من تدخلاتهم والتي يمكن إجمالها في شعار كون هاني أو دّو هنّا وتعبيرات أخرى من قبيل نتا ديالنا وأنا ديالكوم أو شك وينغ أيتكيك. 
والملاحظ أن السب والشتم قد حل محل النقاش الجاد والمسؤول، والغريب أن بعض المرشحين الذين "نبتوا" فجأة دون خلفية مهنية أو خبرة ميدانية أو توجه سياسي واضح، قد ظهروا مدعين أنهم فاعلين جمعويين وحقوقيين، وهنا يجب التذكير على أن العمل الجمعوي والحقوقي يظل عملا مدنيا وتطوعيا، وليس مهنة أو حرفة. هؤلاء نفسهم عاجزين عن تركيب جملة مفيدة، لكنهم ركبوها طبعا باستعمال بعض الذكاء الاصطناعي (مرشحو ال IA)، لينقلوا ضجيجهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي، واختار آخرون الترويج لأنفسهم بوسائل تعكس إلى حد كبير حماسهم وكسلهم في الآن ذاته (ملصقات الذكاء الاصطناعي المليئة بالأخطاء).
فإذا كانت هذه الوسائل قد سمحت ببروز شباب واع ومثقف ذو تكوين أكاديمي متين، فإنها قد أبانت أيضا عن أشخاص أميين يخلطون بين الإيديولوجيات، ولا يعرفون اليمين من اليسار، لا علم لهم بالسياسة سوى إطعام أفواه تصفق لهم في الأسواق الأسبوعية وتضع لهم جيم في الفايسبوك. ولذلك فمن حق الساكنة، أن تتعرف على المرشحين سواء تعلق الأمر بوجوه معروفة أو أسماء جديدة، ومساراتهم ومؤهلاتهم وتجاربهم وانتماءاتهم السياسية، والأهم على برامجهم وتصوراتهم. فالوجوه المعروفة مطالبة أن تكون لها الجرأة على الأقل لتقديم حصيلتها وما تم إنجازه وما تعذر تحقيقه، بينما تحتاج الوجوه الجديدة إلى التعريف بمسارها وكفاءاتها ومشاريعها.
ومن المفروض في الأحزاب أن تزكي المرشح ذو الإشعاع الثقافي والسمعة الطيبة، العارف بمشاكل الدائرة الانتخابية والقادر على التواصل مع الساكنة المحلية بعيدا عن لغة الكيطون والمرقة، لكن بعضها قد اختار العكس تماما، كون بعضهم لا يمكلون سوى الشكارة والجبهة وتخراج العينين. 
وعلى كل حال، فالجميل أو الإيجابي في الأمر هو بروز طاقات شابة في الساحة السياسية، الشيء الذي ينذر بمعركة سياسية طاحنة بين الوجوه التقليدية والجيل الجديد من المثقفين الشباب. 
في هذا السياق، فإذا كان من الصعب تقييم حصيلة الشيوخ، فإن الأمل قائم مع هؤلاء الشباب الذين يسعون للتغيير بغض النظر عن توجهاتهم.
وبالنظر إلى خصوصية الإقليم، الصغير من حيث مساحته وذو الجماعات المحدودة عددا (10 جماعات) والمتسم بضعف كثافته السكانية، فإن التنافس الانتخابي ينبغي أن يقوم على معرفة حقيقية بخصوصيات المجال، وببنيته الاجتماعية والاقتصادية ومميزاته البيئية والطبيعية، والإكراهات التي تواجه ساكنته، مع استحضار طبيعة المؤسسة البرلمانية واختصاصاتها، إذ لا يمكن تقديم برنامج انتخابي جاد دون استحضار واقع الإقليم. فرغم ما يتوفر عليه من موارد ومؤهلات وأطر وكفاءات وقاعدة شابة مؤهلة، فإنه يواجه تحديات حقيقية، من بينها معضلة الأراضي السلالية، وضعف الاستثمارات، وآثار الجفاف، والبطالة، والأمية، وإشكالات الصحة، والطرق والبنيات التحتية، والنقل، والماء والكهرباء وشبكات الاتصالات، وغيرها من مظاهر التفاوتات المجالية والاجتماعية. ففي الوقت الذي يصفون فيه المنطقة بإقليم البورجوازية ويشبهونه بسويسرا وجبال الألب، فإنه لا يمكن إخفاء مظاهر الفقر المدقع بأحيائه الهامشية وقراه النائية، بل إن بعض هوامشه المنسية لازالت تعيش مشاكل معقدة وعلى رأسها العزلة (تاسماكت، البقريت، سنوال، أكدال، بويكايوار).
إن هذه التحديات تفرض على الساكنة المحلية أولا أن تعي حساسية الظرفية كي ترتقي بالنقاش الانتخابي من التعريف بالأشخاص إلى مناقشة التصورات والمشاريع، ومن إطلاق الوعود إلى تقديم التزامات واقعية، ومن التنافس على المواقع إلى التنافس على الكفاءة والقدرة على الترافع والإنجاز. وكي لا نكتب شيئا من أجل لاشيء، أذكر السادة المرشحون ببعض المعضلات الكبرى التي يتخبط فيها الإقليم:
غياب النقل الحضري (راه الناس تقهرات وماشي كولشي لباس عليه)؛
استمرار مشاكل الأراضي السلالية (باراكا من الاستغلال)؛
غياب دور الشباب وملاعب القرب بالعالم القروي (لا لتهميش أطفال وشباب العالم القروي)؛
ضعف البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية بجبال إقليم إفران (ما وراء تمحضيت وعين اللوح)؛
ارتفاع نسب البطالة في صفوف الشباب القروي والحضري (مكاين مايدار)؛
ضعف العرض البيداغوجي المقدم بمؤسسات التكوين المهني (تخصصات أكل عليها الدهر...)؛
نقص حاد في التخصصات الطبية في البنيات الاستشفائية بالإقليم (تحت شعار سير لفاس)؛
غياب نواة جامعية متعددة التخصصات (الجامعة كاتعني الإشعاع الثقافي والاقتصادي)؛
هيمنة الإسمنت على المشهد الحضري البشع لمدينة أزرو مقارنة بالحاجب، إيموزار كندر، إفران، صفرو...؛
ارتفاع نسب الفقر والهشاشة وانعدام السكن الخاص (ناس كاريين ديور محشرين بلغلا)؛
غياب الاستثمارات في مجال حيوي كله مؤهلات وطاقات (قتارحو شي حاجا تحرك عجلة التنمية)؛
تراكم المشاكل المرتبطة بالسقي في ظل استحالة الحصول على الرخص لحفر الآبار واستمرار أثار الجفاف؛
دعم المبادرات الساعية لخلق وكالة تنمية المناطق الجبلية وبالخصوص الأطلس المتوسط الأوسط؛
تعزيز الترافع من أجل إخراج قانون الجبل إلى حيز الوجود.
وفي النهاية، أؤكد على أن الاختلاف في الرؤى والبرامج حق مشروع، والتنافس السياسي ظاهرة صحية، شريطة أن يقوم على الاحترام والوضوح والكفاءة والواقعية ونزاهة الخطاب، وأن تظل مصلحة الإقليم وساكنته هي البوصلة المشتركة للجميع، ولذلك أجدد على أن هذا النص لا يستهدف أي مرشح أو تيار سياسي، وإنما هو دعوة إلى احترام ذكاء الناخب الذي يعرف عمق اللعبة السياسية، وتقديم تصورات واضحة، والتمييز بين الاختصاصات، والابتعاد عن الوعود غير الواقعية. فالساكنة لا تحتاج فقط إلى أسماء تطلب ثقتها، وإنما إلى كفاءات تعرف الإقليم (ولاد البلاد/أراو نتمازيرت)، وتفهم تعقيداته وتدرك حدود الاختصاصات (قاريين مزيان)، وتمتلك القدرة على التشخيص والاستشراف والترافع، وتحمل هموم الساكنة عبر رؤية واضحة ومسؤولة للدفاع عن مصالحه وخدمة ساكنته (نصوتوا على لي معقول وفاهم، ماشي لي لباس عليه وحافظ).

جيل الإنترنت والانتخابات المقبلة.. حين يتغير الناخب قبل أن تتغير السياسة

فضاء الأطلس المتوسط نيوز / محمد عبيد
في خضم النقاش حول الاستحقاقات التشريعية المقبلة، عبّر أحد القراء - من بين المتابعين الأوفياء لكل نشراتنا وتشريح بعضها بقراءة عميقة  والتعليق عليها  بكل موضوعية وعقلانية، وفي صلب الموضوع شكلا ومضمونا- (عَبَّر) عن فكرة لافتة: "جيل اليوم، جيل الإنترنت، لم يعد من السهل استمالته ببعض الكلمات الجاهزة، أو بالمشاركة في رقصة مع فرقة أحواش، أو بالظهور إلى جانب الفقراء وتقاسم وجبة مع المحتاجين. فهذه المشاهد، التي كانت تُستعمل لإظهار القرب من الناس، لم تعد كافية لإقناع ناخب شاب يطالب بالمضمون ويبحث عن الحصيلة."
الفكرة قادتنا لتوسيع مضامينها وعمقها حيث يمكن القول بأن  المشاركة في المناسبات الثقافية قد تبدو تعبيراً عن احترام الهوية المحلية، غير أن جيل الإنترنت بات أكثر قدرة على مساءلة الصورة والبحث عن خلفياتها.
فالكاميرا لم تعد حكراً على الإعلام، بل أصبحت في يد كل مواطن، وأي مشهد انتخابي يمكن أن ينتشر خلال دقائق ويخضع للتعليق والمقارنة.
لم يعد الناخب الشاب يكتفي برؤية المرشح وهو يزور حياً مهمشاً أو يشارك في مناسبة ثقافية.
أصبح يطرح أسئلة مباشرة: ماذا فعل قبل الحملة؟ أين كان خلال الولاية السابقة؟ ما مواقفه من التعليم والصحة والشغل والنقل؟ وهل تحولت وعوده السابقة إلى مشاريع ملموسة؟
هذا يعكس انتقالاً من سياسة الانطباع إلى سياسة التحقق. فالمرشح لم يعد يتحكم وحده في صورته، لأن المواطنين قادرون على توثيق الواقع ومقارنة الخطاب بالممارسة واستعادة التصريحات السابقة.
غير أن جيل الإنترنت ليس محصناً تماماً ضد الدعاية، فالمنصات الرقمية تكشف التناقضات، لكنها قد تكون أيضاً مجالاً للشائعات والأخبار الزائفة والحسابات الوهمية.
لذلك فإن الرهان الحقيقي ليس في استبدال خطاب بآخر، بل في بناء وعي نقدي يميز بين المعلومة والدعاية، وبين النقد والتشهير.
كانت الحملات في الماضي تجري في ظل وسائل تواصل محدودة، وكان المرشح يملك قدرة أكبر على التحكم في خطابه. أما اليوم فقد انتهى زمن الرسالة الوحيدة... أي مواطن يستطيع تسجيل تصريح ونشره، وأي تناقض يمكن أن يتحول إلى موضوع للنقاش العمومي.
وهذا يضع شيوخ السياسة أمام واقع جديد...
الخبرة والعلاقات تظل مهمة، لكنها لم تعد كافية للتأثير في ناخب يتابع النقاشات الوطنية والمحلية ويقارن بين التجارب.
هذا الجيل لا يقيس المرشح بقربه من الأعيان أو بقدرته على تنظيم التجمعات، بل بقدرته على التواصل المستمر والإنصات واحترام ذكاء الناخب.
الشباب قد لا يرفضون الثقافة الشعبية أو اللقاءات الميدانية، لكنهم يرفضون أن تتحول إلى بديل عن البرنامج.
فالرقص مع أحواش او أحيدوس قد يكون اعتزازاً بالهوية، لكنه لا يعوض غياب تصور تنموي، كما أن الأكل مع الفقراء لا يصبح إنجازاً سياسياً إذا لم يتحول التعاطف إلى التزام، والالتزام إلى قرار، والقرار إلى أثر ملموس.
لا يمكن إنكار قيمة مشاركة المواطنين أفراحهم وأحزانهم، لكن الفارق كبير بين تضامن حقيقي ومستمر، وبين ظهور موسمي أمام الكاميرا بحثاً عن صورة مؤثرة.
السياسة ليست مسابقة في تمثيل القرب، وإنما اختبار للقدرة على معالجة القضايا.
لذلك قد يسأل الناخب الجديد: هل سيظل المرشح قريباً بعد الحملة؟ هل سيفتح قنوات للتواصل؟ هل سيقدم حصيلة دورية؟ وهل سيعترف بتعثراته بدل الاكتفاء بتسويق النجاحات؟ إن تحويل الفقر إلى خلفية للصورة بدل اعتباره قضية تحتاج حلولاً لم يعد مقنعاً.
حين يقال إن الانتخابات المقبلة ستكون "بوجه آخر"، فذلك يعني بروز أدوات جديدة: الاعتماد على الفيديوهات القصيرة والبث المباشر، حضور أقوى للشباب في النقاش، سرعة انتشار الصور والمواقف المتناقضة، مساءلة المرشحين عن حصيلتهم، ظهور مبادرات لمقارنة البرامج، وتوظيف البيانات في النقاش.
لكن هذه الأدوات لا تضمن وحدها انتخابات أكثر نضجاً. قد تتحول المنصات إلى سوق جديدة للشعارات إذا لم تُربط بمحتوى سياسي واضح، وقد ينتصر صاحب القدرة على صناعة المحتوى لا الأكثر كفاءة... 
وقد يطغى الفيديو المؤثر على البرنامج الجاد إذا غاب الإعلام المهني.
أمام هذا التحول، لم يعد كافياً أن يعلن المرشح انتماءه للمنطقة. المطلوب برنامج واضح يتضمن أولويات محددة وأهدافاً قابلة للقياس ووسائل تنفيذ واقعية.
وعلى الناخب أن يسأل: ما الذي يستطيع النائب فعله داخل البرلمان؟ ما القضايا التي سيدافع عنها؟ وهل يميز بين وعود تدخل ضمن اختصاصه وتلك التي تتطلب تدخل الحكومة أو الجماعات؟
الوعي الانتخابي لا يعني رفض المرشحين جميعاً، بل اختيارهم على أساس فهم دقيق لأدوارهم.
والبرنامج الجيد لا يقاس بعدد صفحاته، بل بوضوحه وواقعيته وقابليته للمحاسبة.
يحتاج جيل الإنترنت إلى إعلام لا يكتفي بنقل صور الحملات، بل يطرح الأسئلة ويقارن الوعود بالاختصاصات.
كما يحتاج إلى مجتمع مدني ينظم لقاءات مفتوحة ومناظرات حقيقية بعيداً عن لغة التمجيد والولاءات.
وتتحمل وسائل الإعلام مسؤولية مضاعفة: التحقق من الصور المتداولة، عدم تحويل المحتوى المثير إلى دعاية مجانية، احترام حق الرد، والتمييز بين الخبر والرأي والإعلان الانتخابي.
أما المواطنون فعليهم التحقق من مصادر المحتويات وعدم تحويل الفضاء الرقمي إلى وسيلة للتشهير.
قد تكون الانتخابات المقبلة مختلفة في أدواتها وسرعة تداول رسائلها. 
لكن تغيير الوجه لا يعني تغيير الجوهر، ما لم تنتقل المنافسة من استعراض الحضور إلى التنافس حول البرامج والحصيلة.
وفي النهاية، لن يكون السؤال: من ظهر أكثر في الصور؟ أو من أتقن صناعة المشهد؟
بل: من قدم تصوراً واضحاً؟ من امتلك شجاعة مناقشة المشكلات؟ ومن يستطيع تحويل ثقة الناخبين إلى مسؤولية قابلة للمحاسبة؟
هذه هي الأسئلة التي يصعب تجاوزها في زمن أصبح فيه الناخب لا يرى الصورة فقط، بل يبحث عما يوجد خلفها.