مدونة فضاء الأطلس المتوسط نيوز "مازلنا هنا نقاوم وضمائرنا مرتاحة،عندما لانستطيع القيام بعملنا،سنكسر أقلامنا،ولا نبيعها."

أرشيف المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Powered By Blogger

التسميات

رايك يهمنا في شكل ومحتوى البوابة؟

المشاركات الشائعة

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

المشاركات الشائعة

Translate

السبت، 25 يوليو 2026

المحاكمة في غياب الدفاع بين استمرارية المرفق القضائي وضمانات المحاكمة العادلة

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/بقلم : الأستاذ أشرف بومسيس
في قراءة قانونية في أحد التوجهات القضائية الصادرة عن محكمة الاستئناف بالعيون على ضوء المواد 316 و317 و751 من قانون المسطرة الجنائية والمادة 39 من قانون مهنة المحاماة، الأستاذ أشرف بومسيس يكتب: 
جرت العادة، في الأوساط القانونية والقضائية، على عدم التعليق على المقررات القضائية غير النهائية، احتراما لاستقلال السلطة القضائية ولمبدأ تدرج درجات التقاضي، غير أن هذا التقليد لا يحول، من الناحية العلمية والأكاديمية، دون مناقشة التوجهات القانونية التي تكرسها بعض المقررات القضائية، متى انصب النقاش على الأساس القانوني الذي اعتمدته، بعيدا عن إبداء الرأي في موضوع النزاع أو محاولة التأثير في مآله، ومن هذا المنطلق، فإن القرار موضوع هذه القراءة يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى ما انتهى إليه من إجازة مواصلة المحاكمة في غياب الدفاع، وهو توجه يثير نقاشاً قانونياً ودستورياً جديراً بالبحث والتحليل.
لقد أسس القرار تعليله على أن المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية، وإن كانت تنص على إلزامية مؤازرة المتهم بمحام أمام غرفة الجنايات، فإنها لم ترتب جزاءً صريحاً على مخالفة هذا المقتضى، كما استند إلى المادة 317 من القانون نفسه، وإلى المادة 39 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، معتبراً أن تعطيل الجلسات بسبب غياب الدفاع يتعارض مع مبدأ استمرارية المرفق القضائي والحق في البت داخل أجل معقول.
ولا خلاف في أن استمرارية المرفق القضائي تمثل مبدأ دستورياً مهماً، غير أن إعماله لا يمكن أن يكون على حساب الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة، وفي مقدمتها الحق في الدفاع، الذي كرسه الدستور والاتفاقيات الدولية، وجعل منه المشرع إحدى الدعائم الأساسية للعدالة الجنائية.
ومن وجهة نظرنا، فإن التعليل الذي اعتمده القرار يثير جملة من الملاحظات القانونية التي يمكن أن نوجزها على الشكل التالي:
أولا: لمادة 316 لا يمكن قراءتها بمعزل عن المادة 751 من قانون المسطرة الجنائية.
استند القرار إلى كون المادة 316 لم ترتب جزاءً صريحاً على مخالفة إلزامية حضور المحامي، غير أن هذا التعليل لا يستقيم، في تقديرنا، مع البناء التشريعي لقانون المسطرة الجنائية، لأن المشرع لم يكن في حاجة إلى تكرار جزاء البطلان داخل كل مادة، بعدما قرره بصفة عامة في المادة 751 التي تنص صراحة على أن:
"كل إجراء أمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه المطلوب يعتبر كأن لم يكن."
وهذه المادة تعد القاعدة العامة في البطلان الإجرائي، وتسري على جميع الإجراءات التي أوجبها قانون المسطرة الجنائية، ما لم يرد نص خاص يقضي بخلاف ذلك، ومن ثم، فإن إلزامية مؤازرة المحامي في الجنايات ليست مجرد توجيه تنظيمي، وإنما إجراء جوهري يترتب على الإخلال به البطلان بقوة المادة 751، حتى ولو لم تنص المادة 316 على جزاء خاص.
ثانيا: التكييف الذي أعطاه القرار للمادة 317 لا ينسجم مع منطوقها ولا مع فلسفة المشرع.
صحيح أن القرار استحضر المادة 317 من قانون المسطرة الجنائية ضمن تعليله، غير أنه كيفها، في تقديرنا، على نحو لا ينسجم مع منطوقها الصريح ولا مع الغاية التي استهدفها المشرع من إقرارها.
فالمادة 317 لم تشرع لإجازة المحاكمة في غياب الدفاع، وإنما جاءت لتعزيز الإلزامية المقررة بالمادة 316، وذلك من خلال وضع آلية قانونية تكفل عدم المساس بحق المتهم في المؤازرة، فقد نصت على أنه إذا لم يختر المتهم محامياً، أو لم يعين له، أو تخلى المحامي عن مؤازرته، أو رفض القيام بمهمته، فإن رئيس الجلسة يعين له فوراً محامياً آخر كلما كانت مؤازرته إلزامية.
إن القراءة السليمة لهذا المقتضى لا تؤدي إلى جواز الاستمرار في المحاكمة دون دفاع، وإنما تؤكد العكس تماماً، إذ يستفاد منه أن المشرع، كلما تعذر حضور المحامي لأي سبب من الأسباب، لم يجز تجاوز هذه الضمانة، بل ألزم المحكمة بتدارك هذا الوضع عن طريق تعيين محام آخر على الفور.
ولو كانت إرادة المشرع تتجه إلى السماح بإجراء المحاكمة دون محام، لما ألزم رئيس الجلسة بتعيين محام آخر، ولما جعل هذا التعيين يتم "فوراً" ولذلك فإن التكييف الذي انتهى إليه القرار يجعل المادة 317 تؤدي وظيفة معاكسة للغاية التي شرعت من أجلها، إذ حولها من نص يكرس إلزامية حضور المحامي إلى نص يستشف منه جواز الاستغناء عنه، وهو تأويل لا ينسجم، في تقديرنا، مع منطوق المادة ولا مع فلسفتها التشريعية.
ثالثا: الاستناد إلى المادة 39 من قانون مهنة المحاماة جاء خارج سياقها التشريعي.
استند القرار كذلك إلى المادة 39 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، غير أن هذا الاستناد، في تقديرنا، لا يجد سنده في فلسفة النص ولا في الغاية التي شرع من أجلها.
فالمادة 39 لم توضع لتنظيم آثار غياب الدفاع أثناء المحاكمة، وإنما جاءت لتنظيم الواجبات المهنية للمحامين ومنع الاتفاقات الجماعية التي تؤدي إلى حرمان المتقاضين من المساعدة القانونية، وهي بذلك تعبر عن حرص المشرع على حماية حق المتقاضين في الدفاع، وعلى صيانة رسالة المحاماة باعتبارها شريكاً أساسياً في تحقيق العدالة.
ومن ثم، فإن توظيف هذه المادة لتبرير إجراء المحاكمة في غياب الدفاع يمثل، في تقديرنا، تكييفاً للنص القانوني على غير أساس سليم، لأنه حمل المادة معنى لم يقصده المشرع، وأخرجها من مجالها التأديبي والتنظيمي إلى مجال الضمانات الإجرائية للمحاكمة، رغم اختلاف الطبيعة والغاية.
بل إن القراءة السليمة للمادة 39 تقود إلى نتيجة معاكسة تماماً، لأنها تؤكد أن المشرع كان حريصاً على استمرار قيام الدفاع برسالته لفائدة المتقاضين، لا على إيجاد سند قانوني يسمح بالاستغناء عنه،كما أن أي إخلال من المحامي بواجباته المهنية قد يرتب مسؤوليته التأديبية، لكنه لا يمكن أن يؤدي إلى المساس بحق المتهم في الدفاع أو تحميله تبعات تصرف لا يد له فيه.
رابعا: التفسير النسقي للنصوص يكشف بوضوح إرادة المشرع.
إن القراءة المنسجمة للمواد 316 و317 و751 من قانون المسطرة الجنائية، مقرونة بالمادة 39 من قانون مهنة المحاماة، تكشف أن جميع هذه النصوص تصب في اتجاه واحد، هو تعزيز الحق في الدفاع وضمان ممارسته بصورة فعلية، وليس إيجاد سند قانوني يسمح بتجاوزه.
فالمادة 316 تقرر إلزامية حضور المحامي، والمادة 317 تضع الآلية الكفيلة بضمان هذه الإلزامية عند تعذر حضور الدفاع، والمادة 751 ترتب الجزاء العام عند الإخلال بأي إجراء أمر به القانون، بينما تؤكد المادة 39 من قانون المهنة ضرورة صيانة رسالة الدفاع واستمرارها لفائدة المتقاضين.
ومن ثم، فإن الإشكال، في تقديرنا، لا يكمن في النصوص القانونية، وإنما في الكيفية التي تم بها تكييفها وتأويلها للوصول إلى نتيجة لا تبدو منسجمة مع الإرادة الحقيقية للمشرع.
إن أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في النتيجة التي انتهى إليها، وإنما في النقاش القانوني الذي يفتحه بشأن حدود التأويل القضائي للنصوص الإجرائية، ومدى جواز تغليب اعتبارات استمرارية المرفق القضائي على ضمانات المحاكمة العادلة.
وفي تقديرنا، فإن القراءة المتكاملة للنصوص القانونية تقود إلى نتيجة مغايرة، مؤداها أن المشرع لم يكتف بالنص على إلزامية مؤازرة المحامي في الجنايات، بل عززها بآلية قانونية تفرض تعيين محام آخر كلما تعذر حضور الدفاع، ورتب قاعدة عامة تقضي باعتبار كل إجراء لم ينجز وفق ما أمر به القانون كأن لم يكن.
ولذلك، فإن الاتجاه الذي كرسه هذا القرار يظل، من زاوية البحث العلمي، محل نقاش مشروع، ليس انتقاصا من السلطة التقديرية للقضاء، وإنما إسهاماً في إثراء النقاش القانوني حول كيفية التوفيق بين استمرارية المرفق القضائي وضمانات المحاكمة العادلة، بما يحقق الانسجام مع النصوص القانونية وفلسفة المشرع، ويصون الحق في الدفاع باعتباره إحدى الركائز الأساسية للعدالة الجنائية.

0 التعليقات:

إرسال تعليق