مدونة فضاء الأطلس المتوسط نيوز "مازلنا هنا نقاوم وضمائرنا مرتاحة،عندما لانستطيع القيام بعملنا،سنكسر أقلامنا،ولا نبيعها."

أرشيف المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Powered By Blogger

التسميات

رايك يهمنا في شكل ومحتوى البوابة؟

المشاركات الشائعة

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

المشاركات الشائعة

Translate

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

أسئلة محرجة: هل تحوّلت فاس-مكناس إلى جهة بسرعتين؟ وماهي الحصة الحقيقية لإقليم إفران؟


 فضاء الأطلس المتوسط نيوز/كتبه: محمد عبيد 
وسط أسئلة محرجة عن هاجس العدالة المجالية ودينامية الاستثمار، يبقى التساؤل الكبير هو هل تنجح جهة فاس-مكناس في كسر منطق التركز الاستثماري؟
فحين تتكدس المشاريع في أقطاب بعينها، تتحول التنمية من وعد جماعي إلى امتياز مجالي.
فعلى إثر مصادقة مجلس جهة فاس-مكناس، في دورة انعقدت يوم 6 يوليوز 2026 بمقر عمالة إقليم إفران، على مجموعة من اتفاقيات الشراكة ومشاريع بنيوية تُقدم صورة مشرقة عن تحرك استثماري ملحوظ بالجهة: 73 مؤسسة إيواء جديدة بغلاف يقارب 708 مليون درهم، إضافة إلى دخول 12 منشأة حيز الاستغلال وإطلاق دراسات لـ43 مشروعاً سياحياً آخرين.
سنتوقف بداية مقالنا هذا الاستقصائي على الأرقام التي تبدو في الظاهر مؤشر نجاح، غير أن توزيع هذه المشاريع يضعف من أثرها الشامل، ويضع أمام صناع القرار تحدي تحقيق التوازن المجالي والعدالة التنموية.
وحين تروج لأرقام كبيرة ومشاريع واعدة، لكن يفتح توزيعها الجغرافي أسئلة محرجة حول العدالة المجالية، خاصة بإقليم إفران وباقي الأقاليم المهمشة
تبدو جهة فاس-مكناس، للوهلة الأولى، وكأنها تدخل مرحلة جديدة من الحركية الاستثمارية... مشاريع سياحية، اتفاقيات تنموية، مراكز للإغاثة، وتأهيل حضري في أكثر من مدينة وإقليم، كلها عناصر توحي بأن الجهة تسير نحو إقلاع اقتصادي موعود. لكن التدقيق في خريطة التوزيع يكشف صورة أقل لمعاناً: تنمية تتحرك بسرعة في بعض المجالات، وتتوقف تقريباً في أخرى.
اللافت في هذه المرحلة ليس فقط حجم المشاريع، بل موقعها الجغرافي. 
فالأرقام المتداولة تشير إلى تركّز واضح للاستثمارات السياحية والبنيات المرتبطة بها في فاس ومكناس وإفران والحاجب، مقابل غياب شبه كامل لأقاليم مثل تازة وتاونات وبولمان. 
وهذا ليس تفصيلاً تقنياً يمكن تجاوزه بسهولة، بل مؤشر على خلل بنيوي يطرح سؤالاً جوهرياً: من يقرر أين تذهب التنمية، وعلى أي أساس؟
*إفران... واجهة جميلة أم رهان غير مكتمل؟
إقليم إفران يحتل موقعاً مركزياً في هذا النقاش... فالإقليم يُقدَّم باستمرار باعتباره أحد أبرز الأوراق السياحية للجهة، بفضل مناخه ومؤهلاته الطبيعية والبيئية، وبفضل المنتزه الوطني وما يتيحه من فرص للسياحة الإيكولوجية والجبيلة. 
لكن هذا الخطاب الإيجابي يخفي سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل يستفيد إفران فعلاً من مكانته السياحية، أم أنه مجرد واجهة تُستخدم لتسويق صورة الجهة بينما تبقى مكاسبه الاجتماعية محدودة؟
المؤشرات المتوفرة توحي بأن الاستثمار في إفران يسير في اتجاه تعزيز العرض الفندقي والسياحي، لكن ذلك لا يكفي وحده لقياس النجاح... 
فالإقليم يحتاج إلى اقتصاد محلي متكامل، لا إلى منشآت معزولة... يحتاج إلى طرق ومسالك، ونقل، وخدمات، وفرص شغل حقيقية، وربط مباشر بين الزوار والمنتوج المحلي والساكنة القروية. 
ومن دون هذا الربط، قد تتحول السياحة إلى نشاط موسمي جميل في الصور، لكنه ضعيف الأثر في الحياة اليومية للسكان.
الأكثر حساسية هنا أن المجال الإفراني، بحكم طابعه الجبلي والهش، لا يحتمل استثمارات تُبنى فوقه دون أن تُدمج فيه. 
فكل مشروع سياحي لا يراعي البيئة الاجتماعية والاقتصادية المحلية، قد ينتهي إلى تكريس التفاوت بدل تقليصه.
وان كان الخطاب الرسمي حول الاستثمار غالباً ما يستند إلى لغة الأرقام: مؤسسات إيواء جديدة، أسرّة إضافية، مشاريع مهيكلة، ومبالغ ضخمة مرصودة. وهي أرقام لا شك أنها تعكس حركية ملحوظة... 
*أرقام تطمئن أمام واقع يربك!
لكن السؤال الحقيقي ليس كم استُثمر، بل أين استُثمر؟ ولمن ستعود الفائدة؟ وهل سيشعر المواطن في تاونات أو بولمان أو الأطراف القروية بأن هذه الطفرة تلامس حياته اليومية؟
عندما تتركز المشاريع في مدن جاهزة أصلاً للاستقبال، فإنها تُنتج تراكمات جديدة في نفس النقاط القوية، وتترك المجالات الأضعف في الحلقة نفسها من الانتظار. 
وهنا يصبح الاستثمار، بدل أن يكون أداة لتصحيح الاختلالات، وسيلة لإعادة إنتاجها. 
وهذا بالضبط ما يفسر القلق المتزايد من منطق “الجهات الرابحة” و“الأقاليم المنسية” داخل الجهة الواحدة.
اللافت أيضاً أن هذا التمركز لا يطرح فقط مشكلة اقتصادية، بل يفتح باباً على التوتر الاجتماعي الرمزي. 
فالسكان في المناطق الأقل استفادة لا يقيسون التنمية بالخطابات، بل بما يرونه من مشاريع ملموسة، وما يلمسونه من فرص عمل وخدمات ومرافق. 
وحين لا يحدث ذلك، يتولد شعور بأن الجهة ليست فعلاً واحدة في توزيع الفرص، حتى لو كانت موحدة في الخرائط والإدارات.
إذا كانت جهة فاس-مكناس تطمح فعلاً إلى نموذج تنموي متوازن، فإن أول اختبار لها هو العدالة المجالية. 
هذه العدالة لا تعني فقط توزيعاً حسابياً للمشاريع، بل تعني أيضاً تصميم سياسات خاصة بالمناطق الأقل جاذبية، وتوفير حوافز أقوى للاستثمار فيها، وربطها بشبكات النقل والتأهيل والخدمات.
*إفران كحالة!
في هذا السياق، يصبح إفران حالة خاصة، فهو لا يعاني غياب المؤهلات، بل خطر عدم تحويل هذه المؤهلات إلى مكاسب عمومية واسعة... 
وهو لا يحتاج فقط إلى مزيد من المشاريع، بل إلى رؤية تجعل من السياحة رافعة للتنمية المحلية لا مجرد مجال للاستهلاك الموسمي. 
أما الأقاليم الأخرى الغائبة عن خريطة المشاريع، فإن استمرار تجاهلها قد يراكم إحساساً بالمفارقة: جهة تُعلن الإقلاع، لكن بعض أبنائها ما زالوا في نقطة البداية.
*ما الذي ينبغي سؤاله؟
هنا يبدأ الدور الحقيقي للتحقيق الصحافي.... فبدل الاكتفاء بنقل أرقام الإنجاز، ينبغي مساءلة الجهات المعنية عن منطق الاختيار: لماذا هذه الأقاليم بالذات؟ لماذا غابت أخرى؟ هل توجد دراسة أثر مجالي واجتماعي لكل مشروع؟ ما عدد مناصب الشغل المحلية التي ستُخلق فعلاً؟ وهل ستستفيد المقاولات الصغيرة والتعاونيات والسكان المحليون، أم ستقتصر العائدات على الشركات الكبرى ومراكز القرار؟
هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، بل سياسية بامتياز... لأنها تمس علاقة الدولة بالتراب، وعلاقة الجهة بمكوناتها، وعلاقة الاستثمار بالعدالة. 
وإذا لم تُطرح الآن، فستعود لاحقاً في شكل احتجاجات، أو هجرة، أو شعور متنامٍ بأن التنمية تُعلن من المركز، لكنها لا تصل إلى الأطراف.
ما تحتاجه جهة فاس-مكناس اليوم ليس مزيداً من لغة الوعود، بل جرأة في إعادة توزيع الأمل. 
فنجاح الجهة لن يقاس بعدد المشاريع التي تُفتتح في فاس ومكناس وإفران، بل بمدى قدرة هذه المشاريع على جرّ باقي الأقاليم إلى دائرة الفعل الاقتصادي والاجتماعي. 
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل السؤال معلقاً: هل نحن أمام تنمية جهوية حقيقية، أم أمام تمركز استثماري بواجهة واسعة وقاعدة غير متوازنة؟

0 التعليقات:

إرسال تعليق