![]() |
| كاريكاتور بريشة الفنان محمد آيت خويا قلعة مكونة |
فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
لم تعد بعض المهرجانات الحزبية في المغرب مناسبة لعرض البرامج أو اختبار جدية الخطاب السياسي، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى واجهات استهلاكية تُدار بمنطق الاستعراض لا بمنطق الإقناع.
فالحزب الذي يفترض أن يخاطب المواطنين بأفكار واضحة ومقترحات قابلة للتنفيذ، صار في حالات متعددة يراهن على الحافلات والولائم والفقرات الغنائية أكثر مما يراهن على النقاش العمومي الحقيقي.
هذه الظاهرة ليست تفصيلاً عارضاً في المشهد السياسي، بل علامة على أزمة أعمق تطال وظيفة الحزب نفسه.
حين يُستدعى الناس إلى التجمعات لا بوصفهم مواطنين معنيين بالشأن العام، بل كجمهور يتم استقطابه بحفل لمغني شعبي في مهرجان خطابي سياسي أو مؤتمر حزبي يُراد ملؤه ثم تصويره، فإننا نكون أمام فراغ سياسي يُغطى بالضجيج.
وعندما يصبح الغداء جزءً من "الرسالة"، وتغدو الفقرة الفنية هي اللحظة الأكثر انتظارًا، فذلك يعني أن السياسة فقدت جزءً كبيراً من قدرتها على الإقناع، واضطرت إلى الاستعانة بما هو خارجها لتعويض عجزها.
الأخطر أن هذا النموذج يرسخ علاقة مشوهة بين الحزب والناس. فبدلاً من بناء الثقة على أساس البرامج والمحاسبة والوضوح، تُبنى العلاقة على المنفعة اللحظية: دعوة، نقل، وجبة، ثم فاصل فني يضمن بعض التصفيق.
بهذا المعنى، لم يعد جزءٌ من العمل الحزبي سوى إدارة مناسبة اجتماعية بلباس سياسي.
وما يبدو في الظاهر تعبئة انتخابية، قد لا يكون في العمق إلا تسويقاً رخيصاً لواجهة حزبية فقدت مضمونها.
ولا يتعلق الأمر هنا بازدراء الفن الشعبي أو الفلكلور المحلي، فهذه عناصر ثقافية أصيلة لها مكانتها في الفضاء العام.
لكن توظيفها داخل المهرجانات الحزبية بوصفها وسيلة جذب أساسية يكشف، في كثير من الحالات، عن عجز في إنتاج خطاب سياسي قادر على شد انتباه الحاضرين.
فحين لا يكفي الكلام عن التعليم والصحة والشغل والعدالة المجالية لخلق التفاعل، يتم التعويض عن ذلك بالإيقاع والفرجة.
وهنا تبدأ المأساة: السياسة التي لا تُقنع الناس تُغريهم مؤقتاً، ثم تتركهم على نفس المسافة من الوعود.
ما يجري اليوم يطرح سؤالاً قاسياً: هل صارت بعض الأحزاب مجرد شركات تنظيم للحفلات الانتخابية؟ وإذا كان الحزب لا يجد وسيلة للتقرب من الناس إلا عبر الولائم واستدعاء الفنانين، فكيف يمكنه أن يطلب منهم الثقة لاحقاً في صناديق الاقتراع؟
إن من يختصر العمل السياسي في ملء القاعات لا يمكنه أن يدّعي بناء الوعي، ومن يشتري الحضور بوسائل ظرفية لا يصنع شرعية، بل يؤجل فقط لحظة الانكشاف.
ثم إن هذه الممارسات تضر بالحياة السياسية نفسها، لأنها تكرس منطقاً خطيراً: منطق أن الناخب لا يتحرك إلا بالمكافأة العينية أو الفرجة الآنية.
وهذا تصور مهين للمواطن قبل أن يكون مدمراً للحزب.
فالمواطن ليس جمهوراً للمناسبة، بل طرفاً في معادلة ديمقراطية يفترض أن تقوم على الأفكار والاختيارات والمساءلة.
وكلما جرى تحويله إلى متلقٍ سلبي لوليمة انتخابية، تراجع المعنى السياسي لصوته.
إن الأزمة الحقيقية ليست في كثرة المهرجانات، بل في خواء ما يُقال فيها.
وليست في حضور الفنانين، بل في غياب المشروع.
فالسياسة التي لا تجرؤ على مواجهة الناس بالحقيقة، وتلجأ إلى الترفيه لتغطية ضعفها، إنما تعلن إفلاسها بطريقة ناعمة.
أما الأحزاب التي لا تُحسن إلا تنظيم المشهد، ثم تترك المضمون فارغاً، فهي لا تبني الثقة، بل تؤسس للاحباط.
في النهاية، ليست المشكلة أن تُقام الأنشطة، بل أن تتحول إلى بديل عن السياسة.
وعندما يصبح الحزب محتاجاً إلى الغداء والفن كي يملأ القاعة، فالمشكلة ليست في الجمهور وحده، بل في الحزب أولاً.
لأن من فقد القدرة على الإقناع، لا ينفعه أن يرفع الصوت.
ومن عجز عن تقديم بدائل حقيقية، لن تصنع له الأغاني شرعية، ولن تمنحه الولائم مكانة، ولن تُخفي الاحتفالات حقيقة الفقر السياسي الذي يطبع كثيراً من لقاءاتنا الحزبية.






0 التعليقات:
إرسال تعليق