فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
في زمنٍ تتزاحم فيه الإشعارات على الشاشات، وتتسابق فيه المنصات الرقمية على اقتناص النظر قبل الفكرة، يبدو التفكير العميق في موقع الخاسر الأكبر، فبدل أن نمنح عقولنا مساحة للتأمل والتحليل، نُدفع يومًا بعد يوم إلى الاستهلاك السريع: تعليقٌ هنا، إعجابٌ هناك، مقطع قصير يليه آخر، ثم ثالث، حتى يصبح رد الفعل أسرع من الفهم، ويغدو الانطباع أقوى من الحقيقة.
هذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل نتيجة منطق اقتصادي صارم يحكم العالم الرقمي اليوم.
فالمنصات لا تُصمم أساسًا لتوسيع الوعي أو تنمية الحس النقدي، بل لتأمين أكبر قدر ممكن من الانتباه، مهما كان الثمن.
ولهذا تُكافأ الإثارة أكثر من الدقة، ويُمنح الغضب مساحة أوسع من التروّي، ويُفضَّل المحتوى السهل، السريع، الصاخب، على المحتوى الذي يحتاج وقتًا وصبرًا وتفكيرًا.
وهكذا يصبح “الخبز” الفكري أقل إغراءً من “السكر” السهل الهضم.
لقد نبّه علم الأعصاب، كما نبّهت دراسات كثيرة في التحول الرقمي، إلى أن الدماغ البشري يميل بطبيعته إلى المكافأة الفورية.
لذلك تصبح الإشعارات والرموز الصغيرة والتفاعلات المتقطعة أشبه بآلية جذب متواصلة لا تترك للعقل فرصة للانفصال.
نحن لا نعود إلى الشاشة دائمًا بحثًا عن المعرفة، بل أحيانًا بحثًا عن احتمال المكافأة: إشعار جديد، إعجاب جديد، تقدير اجتماعي جديد.
ومع الوقت، يتحول هذا السلوك إلى عادة، ثم إلى حاجة، ثم إلى نمط حياة.
في هذا السياق، يصبح الإدمان على التصفح القصير والتفاعل السريع ظاهرة تتجاوز التسلية البريئة.
فالعقل الذي يتربى على القفز المستمر بين الصور والمقاطع والرسائل يفقد شيئًا فشيئًا قدرته على التركيز الطويل، ويصير بارعًا في المسح السريع، ضعيفًا في التعمق، نشيطًا في رد الفعل، متردّدًا في الفهم...
وهو تحول خطير، لأن الإنجازات الكبرى في التاريخ الإنساني لم تولد من العجلة، بل من الزمن: من القراءة الطويلة، والتجريب، والمراجعة، والصبر، والقدرة على احتمال الغموض.
الفلسفة لم تولد من منشور عابر، ولا العلوم من مقطع سريع، ولا الأدب من استهلاك متقطع للأفكار؟!...
كل عمل عظيم احتاج إلى ما يتناقض تمامًا مع منطق السرعة: التأني، والهدوء، والفراغ المنتج، والصمت...
لكن الصمت نفسه أصبح اليوم سلعة نادرة. فحتى لحظات الانتظار القصيرة لم تعد تُعاش كما كانت...
في الطابور، في النقل، قبل النوم، وعند الاستيقاظ، تمتد اليد تلقائيًا إلى الهاتف...
كأن أي فراغ صار تهديدًا يجب التخلص منه فورًا.
ومع اختفاء الصمت، تتراجع القدرة على الإصغاء إلى الذات، ثم إلى الآخر، ثم إلى الواقع نفسه.
وهنا تكمن الخطورة الأعمق: مجتمع لا يحتمل الصمت هو مجتمع لا يحتمل التفكير، ومجتمع لا يحتمل التفكير يصبح أكثر قابلية للتوجيه والانفعال والتبعية.
ومن هنا لا تعود المسألة ثقافية فقط، بل سياسية أيضًا.
فالتفكير النقدي ليس رفاهًا فكريًا، بل شرط من شروط المناعة الديمقراطية.
وكلما ضعفت القدرة على التمييز، كبرت مساحة الشعارات، وازدادت جاذبية الروايات المبسطة، وارتفع نفوذ من يبيعون الغضب بدل الفهم.
ليس الجهل قدرًا محتومًا، لكن مقاومته تتطلب شجاعة يومية صغيرة.
شجاعة القراءة المتأنية، والقبول بأن الحقيقة معقدة، والإنصات لوجهات نظر مختلفة، والتدرّب على تأجيل الحكم بدل الاستجابة الفورية.
كما تتطلب استعادة علاقتنا بالزمن، لأن جودة الفكر ترتبط غالبًا ببطء تشكّله، لا بسرعة استهلاكه.
ربما لا يكون المطلوب اليوم أن نغلق أبواب التقنية، بل أن نفتح نوافذ أوسع للعقل.
أن نستهلك أقل ونفهم أكثر، أن ننشر أقل ونفكر أفضل، وأن نعود إلى السؤال الجوهري: "هل نحن من يوجّه انتباهنا، أم أن انتباهنا أصبح هو الذي يوجّهنا؟".






0 التعليقات:
إرسال تعليق