فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
في عالم دائم التغير، يحمل شباب اليوم تطلعات نحو الاستقلالية، الأمان، وإثبات الذات.
بالمقابل، نطمح منهم أن يكونوا أدوات فاعلة للبناء، ومتمسكين بهويتهم.
تبرز العلاقة بينهم وبين الجيل الأكبر تبايناً في الرؤى والاحتياجات، حيث يسعون بجد لترك بصمة إيجابية تواكب عصرهم.
نريد من شبابنا المشاركة الفاعلة، التمسك بالقيم والأخلاق، الوعي والتعلم المستمر، تحمل المسؤولية.
من جهتهم يتوقعون منا الإيمان بقدراتهم والثقة بهم، توفير بيئة داعمة، الدعم النفسي والاستماع الفعال، تقديم القدوة الحسنة، التواصل الفعال.
هذا ما سأحاول مناقشته في هذه الورقة، كون الشباب في بلادنا يُعدّ من أهم أولويات، وربما الأولوية القصوى في السياسة الداخلية، فإذا نجحنا في توفير اندماج متناغم لشبابنا في مجتمعنا، سنكون قد حققنا هدفًا بالغ الأهمية، أما إذا فشلنا، فستصبح هذه الشريحة من سكاننا شوكة في خاصرة تنميتنا.
الشباب ليسوا مجرد فئة عمرية، هم محرك التنمية، ومصدر الابتكار، ومرآة تحولات المجتمع.
في بلادنا، حيث يشكّل الشباب نسبة كبيرة من السكان، يتجاوز دورهم الحاضر حدود المستقبل، لذا فإن نجاح دمجهم اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً يعني قوة مجتمعية وسياسية، وإخفاقنا يعني تهديدات تنموية وأمنية واجتماعية.
لذلك يجب أن ننتقل من سؤال "ماذا نريد منهم؟" إلى سؤال أفضل: "ماذا يريدون هم؟
أيضا هناك تساؤلات أخرى، منها:
-كيف نبني شراكة حقيقية معهم؟
-كيف نريد منهم المشاركة المسؤولة؟
-وما هي هذه التطلعات تحديدًا؟
-وماذا نفهم عنها؟ وكيف نستجيب لها؟
'وماذا لو أنصتنا إليهم؟ ماذا لو استمعنا إلى ما يقولونه؟
نحن محظوظون بوجود شباب أذكياء، متحمسين، مرنين، موهوبين، وطموحين، على الرغم من وجود أنواع مختلفة من الشباب في مجتمعنا.
وبصفتنا بالغين، وآباء، وقادة، ونشطاء مجتمعيين، وصناع قرار، ومسؤولين منتخبين، يقع على عاتقنا واجب بذل قصارى جهدنا لتلبية تطلعاتهم.
لدينا واجب الاستجابة لتوقعاتهم بأفضل ما نستطيع.
من منا نحن الكبار لا يتساءل عن هوية شبابنا، وماذا يريدون، وما يحلمون به، وتطلعاتهم، وآمالهم، وحتى يأسهم، واحتياجاتهم؟
من منا لا يشعر بأنه غير مفهوم، أو مهمل، أو متجاهل، أو حتى غير عادل؟
هكذا تسير العلاقات في مجتمعنا غالبًا بين الشباب من جهة، وعالم الكبار من جهة أخرى.
بالطبع، ليست الأمور دائمًا بهذه البساطة، فالآباء والمدرسون والقادة يحاولون فهم الأجيال الحالية، تمامًا كما يبني الشباب علاقاتهم مع كبار السن.
لكن ما يهمنا هنا هو تحديدًا المآزق التي نجد أنفسنا عالقين فيها كثيرًا.
صحيح أن الفجوة بين الأجيال قديمة قدم العالم، لكن صعود وسائل التواصل الاجتماعي يزيد من اتساعها، وكذلك -للأسف- الإهمال الصارخ الذي يبديه الكثير من صناع القرار والمسؤولين المنتخبين والسياسيين تجاه شبابنا.
○ماذا نريد من شبابنا اليوم؟
الشباب ليسوا مجرد فئة عمرية، هم القلب النابض لكل نهضة اجتماعية واقتصادية.
في بلادنا، حيث يشكّل الشباب نسبة كبيرة من السكان، لا يقتصر حضورهم على المستقبل فقط، فنجاح دمجهم اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً يعني قوّة وطنية حقيقية، وإخفاقنا في ذلك يحمل تداعيات تنموية واجتماعية وأمنية خطيرة.
لذلك، بدلاً من أن نسأل باستمرار "ماذا نريد منهم؟"، الأجدر أن نسأل: "ماذا يريدون هم؟ وكيف نؤسس لشراكة حقيقية معهم؟"
()أولاً: مشاركة مسؤولة وفاعلة، لأن المشاركة لا تَحْدُثِ من التصويت أو الاحتجاج فقط، بل تشمل الانخراط في العمل الجمعوي، المبادرات المحلية، والريادة الاجتماعية.
لتشجيع هذا السلوك نحتاج إلى تبسيط إجراءات تأسيس الجمعيات والشركات الناشئة، وإقامة حاضنات محلية ومنح صغيرة وبرامج تدريب على العمل المجتمعي.
المشاركة الفعلية تحوّل الشباب من متفرجين إلى شركاء في صناعة المستقبل.
()ثانياً: إنتاج المعرفة والابتكار، مادمنا نطمح لشباب ينتج حلولاً لمشكلاتنا المحلية (الفلاحة، الماء، الطاقة، الصحة والتعليم...)، فلذلك وجب ربط الدراسات الثانوية والجامعية بسوق العمل، إنشاء صناديق تمويل أبحاث طلابية، وتوسيع شراكات بين القطاع العام والخاص لحاضنات تقنية ومشاريع بحثية في المدن الصغيرة والقرى.
دعم الابتكار للشباب ليس ترفاً، بل ضرورة لتطوير اقتصاد قائم على المعرفة.
()ثالثاً: قيم مدنية وديمقراطية، حيث نريد جيلاً يحترم القانون، يقبل التعددية، ويحاور سلمياً.
هذا يتطلب مناهج تعليمية تفاعلية عن المواطنة، منصات حوار بين الأجيال، وبرامج للتوجيه الإعلامي ومسَدّ خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
التنشئة على قيم التسامح والمواطنة تُقلّل من الاحتقانات وتُعزّز السلم الاجتماعي.
()رابعاً: مهارات للتكيّف وسوق العمل، معلوم أن عالم العمل يتغير بسرعة، والاقتصاد يحتاج مهارات رقمية، لغات، ومهارات ناعمة كالتواصل وحل المشكلات.
لذا مطلوب تحديث التكوين المهني، دعم التدريب التقني المرتبط باحتياجات السوق المحلي، وتحفيز الشركات على تدريب وتوظيف شبان محليين، إلى جانب شراكات مع منصات تعليمية إلكترونية.
()خامساً: روح المبادرة وريادة الأعمال، تحفيز الشباب المبادر يخلق وظائف ويحرّك الاقتصاد المحلي.
لتحقيق ذلك وجب تخفيف البيروقراطية، إتاحة تمويل ميسّر كقروض صغيرة ودعم أولي، وبناء شبكات مرشدين محليين تساند رواد الأعمال الشباب.
كذلك، يجب تشجيع ثقافة تقبل الفشل كجزء من التعلم.
()سادساً: صوت مسموع في صنع القرار، إن الشعور بالتهميش سيّال يقوّي الإحباط ويفتح المجال للتطرف.
إذن علينا جعل صوت الشباب مسموعاً عبر مجالس استشارية شبابية في الجماعات المحلية والجهوية، نسب تمثيل في لجان رسم السياسات، واستطلاعات رأي رقمية منظمة تُترجم نتائجها إلى إجراءات ملموسة.
التحديات وسبل المواجهة، فجوة الأجيال ووسائل التواصل تحتاج مبادرات حوارية تجمع الشباب وكبار السن في مشاريع مشتركة وورش عمل فعلية.
الإهمال السياسي المتكرر، علينا ان نجعل إشراك الشباب شرطاً في برامج التشغيل والدعم، ونراجِع آليات الشفافية والمساءلة.
عدم تكافؤ الفرص، وذلك بإطلاق برامج مستهدفة للمدن الصغيرة والقروية، وحماية مشاركة النساء والشباب ذوي الإعاقة عبر دعم موجه وبنية تحتية رقمية شاملة.
■ماذا لو استمعنا إليهم فعلاً؟
الاستماع الجاد سيؤدي إلى سياسات أكثر نجاعة وابتكاراً، يقلل الاستياء، ويولد مشاريع محلية ناجحة قابلة للتوسع.
تجربة بسيطة وفاعلة، من خلال برنامج تجريبي محلي يمول مشاريع شبابية لمدة 12 شهراً، يُقَيّم ويُوسّع الناجح منها، سيُنتج حلولاً قابلة للتكرار.
○دور الجهات المختلفة:
*الأسرة: تشجيع الطموح وتقديم الدعم دون خنق المبادرة.
*المدارس والجامعات: تحديث المناهج وربطها باحتياجات السوق.
*القطاع الخاص: تدريب وتشغيل واستثمار في المواهب المحلية.
الدولة: سياسات حقيقية، حوافز، وبنية تحتية رقمية.
*المجتمع المدني والإعلام: منصات للحوار، ورقابة على تنفيذ الوعود، وتسليط الضوء على قصص النجاح.
*اقتراحات قابلة للتنفيذ خلال 12-24 شهراً.
*"ميثاق شبابي" محلي يُصاغ بمشاركة واسعة ويُلزم الجماعات المحلية بخطة سنوية للشباب.
*صندوق تمويل مصغر للمشاريع الشبابية مع إجراءات مبسطة للطلبات والمتابعة.
*إدماج ساعة عملية في المدارس والمؤسسات الثانوية لمشروعات مجتمعية وريادية.
*منصات استماع رقمية دورية تُنشر نتائجها وتُتبع بإجراءات تنفيذية.
*وحدات تدريب مهني متنقلة لتمكين الشباب في المناطق النائية.
■خاتمة:
لا نريد من شبابنا طاعةً جامدة أو تقليداً أعمىً للماضي... نريدهم شركاء فاعلين في بناء مجتمع عادل ومبتكر.
إن منح الشباب المساحات الحقيقية للمشاركة، وتمكينهم اقتصادياً وسياسياً، والاستماع إليهم بتمعّن، هو استثمار مباشر في استقرارنا وازدهارنا.
إن علاقة الكبار بالشباب يجب أن تتحول من نظرة تحكّم إلى شراكة تقوم على الاحترام والثقة والعمل المشترك.






0 التعليقات:
إرسال تعليق