فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
لم تعد الانتخابات، في زمن المنصات الرقمية، مجرد موعد تُعلَّق فيه صور المرشحين وتُرفع فيه الشعارات وتُوزَّع الوعود.
فلقد أصبح الفضاء الافتراضي، خصوصاً لدى فئة الشباب، ساحةً موازية للمساءلة السياسية، تتداخل فيها الكلمة الجادة مع السخرية، ويُعاد فيها تفكيك الخطاب الانتخابي بلغة شعبية مباشرة لا تعترف كثيراً بالبروتوكول ولا بالمجاملات.
هذا ما توحي به التفاعلات التي نقلتها منصة “عالم التواصل” بشأن بعض اللوائح الانتخابية بإقليم تازة، حيث راجت ألقاب ساخرة من قبيل: “صويبينة”، و“ولد الغابة”، و“الرضاعة السياسية”، و“الموظف الشبح المقاول”، و“الديب تحت القفة”، و“حوت السوق”.
وهي تعبيرات، مهما اختلفنا حول حدتها أو أسلوبها، لا يمكن فصلها عن حالة غضب أو فقدان ثقة أو رفض صامت لتكرار الوجوه والممارسات نفسها.
السخرية هنا ليست مجرد نكتة عابرة تُستهلك في التعليقات، وليست بالضرورة بديلاً عن النقاش السياسي الرصين.
إنها، في جانب منها، شكل من أشكال الاحتجاج الرمزي، وسيلة يلجأ إليها الشباب حين يشعرون بأن اللغة السياسية التقليدية لم تعد قادرة على التعبير عن خيبتهم، أو أن قنوات المشاركة المتاحة لا تمنحهم الإنصات الكافي.
وهكذا تتحول العبارة الساخرة إلى سؤال سياسي، ويتحول “الميم” أو اللقب المتداول إلى محاكمة شعبية لمظاهر الانتهازية والزبونية وتضارب المصالح، كما يراها المتداولون.
غير أن قيمة هذا الوعي النقدي لا تقاس فقط بقدرته على السخرية من المشهد، بل بمدى تحوله إلى فعل انتخابي واعٍ. فالضحك على المرشح أو التشكيك في أهليته لا يكفي وحده لتصحيح المسار، إذ أن صندوق الاقتراع يظل اللحظة الفاصلة التي تنتقل فيها المواقف من فضاء التعليقات إلى سلطة الاختيار والمحاسبة.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس في ابتكار الألقاب، بل في مساءلة البرامج، وفحص المسارات، وطلب الوضوح بشأن مصادر التمويل والوعود والالتزامات، ثم التصويت بناءً على الكفاءة والنزاهة والحصيلة.
إن ما يحدث في تازة، إن صحّ اعتباره مؤشراً على مزاج شبابي متنامٍ، يكشف أن جزءاً من المواطنين لم يعد يتلقى العرض الانتخابي كما يُقدَّم له.
فالشباب، عبر هواتفهم ومنصاتهم، يراقبون ويقارنون ويتذكرون، ويعيدون صياغة المشهد بلغتهم الخاصة.
ولم يعد امتلاك المال أو شبكة العلاقات أو كثافة الملصقات كافياً لضمان القبول، لأن المرشح بات مطالباً أيضاً بإقناع جمهور رقمي سريع التفاعل، صعب الإرضاء، وقادر على تحويل التناقضات إلى مادة للنقاش العام.
فالمنصات الرقمية أصبحت فضاءات لإنتاج النقاش والتأثير والتعبئة، لا مجرد وسائل لاستهلاك المحتوى.
لكن، في المقابل، ينبغي التمييز بين النقد المشروع والتجريح الشخصي.
فالديمقراطية لا تتقوى بالسب والقذف أو بإطلاق أوصاف تمس الحياة الخاصة للأفراد دون سند، بل بالمعلومة الموثقة، والسؤال الجريء، وكشف الوقائع التي تهم المصلحة العامة.
السخرية السياسية تكون ذات قيمة حين تصوّب الممارسة وتفضح التناقض، لا حين تتحول إلى أداة للتشهير أو تصفية الحسابات.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح، إذن، ليس: "هل ستسقط الألقاب الساخرة هذه اللائحة أو تلك؟"...
بل: "هل ستدفع هذه السخرية المواطنين، وخاصة الشباب، إلى الانتقال من المتابعة إلى المشاركة؟"...
"وهل ستجعل الأحزاب تدرك أن زمن المرشح المحصّن بالصورة التقليدية قد ولّى، وأن الناخب اليوم يريد برنامجاً واضحاً، وحصيلة قابلة للقياس، والتزاماً أخلاقياً لا يتغير بتغير المواسم الانتخابية؟".
قد لا تنجح السخرية وحدها في "تنظيف" المشهد السياسي أو إنهاء ظواهر سماسرة الانتخابات، لكنها تؤكد أمراً أساسياً: "المواطن لم يعد صامتاً كما كان".
وعندما يتحول الصمت إلى كلمة، والكلمة إلى سؤال، والسؤال إلى اختيار واعٍ داخل صندوق الاقتراع، تبدأ السياسة في استعادة معناها الحقيقي: "خدمة الشأن العام، لا البحث عن الغنيمة الانتخابية."
ختاما، قد تكون السخرية أول إشارة إلى غضب المواطنين، لكنها لا تصبح قوة تغيير حقيقية إلا عندما تتحول إلى وعي، ويتحول الوعي إلى سؤال، ثم إلى قرار انتخابي مسؤول.
وبين ضحكة عابرة وتعليق لاذع، يبقى صندوق الاقتراع هو الاختبار الحقيقي: "هل سيُترجم شباب تازة نقدهم الرقمي إلى اختيار يضع الكفاءة والنزاهة فوق الوعود والشعارات؟".
ملحوظة هامة:
لا يتعلق الأمر، هنا، بتوجيه اتهام إلى أشخاص أو هيئات بعينها، ولا بالبحث عن الأسماء التي قد توحي بها الألقاب المتداولة، بقدر ما يتعلق بقراءة دلالة هذا الخطاب الساخر الذي اختاره بعض شباب تازة للتعبير عن موقف نقدي من المشهد الانتخابي، في لحظة يتزايد فيها الطلب على النزاهة والوضوح وربط المسؤولية بالمحاسبة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق