مدونة فضاء الأطلس المتوسط نيوز "مازلنا هنا نقاوم وضمائرنا مرتاحة،عندما لانستطيع القيام بعملنا،سنكسر أقلامنا،ولا نبيعها."

أرشيف المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Powered By Blogger

التسميات

رايك يهمنا في شكل ومحتوى البوابة؟

المشاركات الشائعة

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

المشاركات الشائعة

Translate

الأحد، 6 سبتمبر 2026

موسم «دادا موسى» بوادي إفران بين عمق الموروث ومخاطر التوظيف السياسي: "الوعي قبل الولاء"


فضاء الأطلس المتوسط نيوز – محمد عبيد
لا يتعارض الحفاظ على الذاكرة الجماعية مع تجديد الطقوس، وتحصين المواسم من الاستغلال، لتحويلها إلى رافعة ثقافية واقتصادية تخدم الساكنة..
فعندما يقترب موسم الانتخاب تزامنا مع تنظيم موسم لضريح ولي صالح تطرح اكثر من علامة استفهام بين الموروث والمراجعة؟
وبراي المهتمين والمتتبعين واستنادا لمناقشة واسعة ميدانيا او عبر السوشيال ميديا او إعلاميا، فإن الخلاصات تجمع على مطلب: "الوعي قبل الولاء، وتحويل من موسم تقليدي إلى رافعة تنموية".
هذه النقط تثيرنا لمناقشة موسم ولي صالح بمرتفعات الأطلس المتوسط واساسا باقليم افران تثار حوله عدة مآخذات، فمع مطلع شهر شتنبر من كل سنة، تستعيد المنطقة إحدى صورها الاجتماعية المألوفة، وذلك بتتوافد جموع من قبائل أيت إلياس والمناطق المجاورة إلى تراب جماعة وادي إفران لإحياء موسم الولي الصالح «دادا موسى».

إنه موعد سنوي تضرب جذوره في ذاكرة المجال وساكنته، ويجمع بين الزيارة واللقاء العائلي والتبادل الاجتماعي والاحتفاء بأشكال من التعبير الثقافي المحلي.
غير أن الاعتراف بقيمة هذا الموروث اللامادي لا يمنع من مساءلة بعض التحولات التي تطال الموسم، ولا من طرح أسئلة مشروعة حول بعض الممارسات والتمثلات التي ترافقه، وحول الحدود التي ينبغي أن تفصل بين الاحتفال بالتراث وبين تحويله إلى مجال لتكريس الخرافة أو لاستمالة الولاءات في زمن الاستحقاقات الانتخابية.
ليست الدعوة إلى النقد دعوة إلى محو الذاكرة أو احتقار معتقدات الناس أو التنكر لأعرافهم.
فالمواسم القروية كانت، عبر التاريخ، فضاءات للقاء والتعارف والتبادل التجاري وحل النزاعات وإحياء الفنون الشعبية، كما كانت مناسبة لتقوية روابط الانتماء إلى الأرض والقبيلة.
لكن الموروث لا يبقى حياً بمجرد تكراره، بل حين يملك القدرة على تجديد نفسه، وعلى التخلص من كل ما قد يحول دون تطور الوعي أو يمس بكرامة الإنسان وعقله.
ومن هنا يبرز النقاش حول مشاهد ذبح الأضاحي ووضع الرقاب أو الدماء فوق ما يعرف محلياً بـ«الحجر الأحمر» المقابل لقبة الضريح، ضمن اعتقاد شعبي يربط ذلك بجلب الحظ أو دفع الضرر.
قد يفسر بعض الباحثين هذه الطقوس بوصفها رواسب ثقافية قديمة امتزجت بزيارة الأولياء والتصوف الشعبي، وتوارثتها الأجيال في سياق محلي مخصوص.
غير أن استمرارها يستدعي نقاشاً دينياً وثقافياً هادئاً، لأن العقيدة الإسلامية تؤكد أن النفع والضر بيد الله وحده، ولأن التربية على التفكير النقدي لا تتناقض مع احترام الناس أو تقدير تاريخ المجال.
المطلوب، إذن، ليس إصدار الأحكام المتعالية على الساكنة، بل فتح باب التوعية بالحكمة، عبر خطاب ديني رصين وحوار ثقافي قريب من الناس، يميز بين رمزية الزيارة والتواصل الاجتماعي من جهة، وبين كل ممارسة قد تتحول إلى اعتقاد في وسائط أو قوى لا سند لها من الدين أو العقل من جهة أخرى.
يزداد هذا النقاش حساسية حين يتزامن الموسم مع محطة انتخابية.
فالموسم الذي ينبغي أن يحافظ على طابعه الروحي والاجتماعي والثقافي قد يتحول، في بعض السياقات، إلى فضاء مغرٍ للحضور السياسي المكثف، أو إلى مناسبة تلتبس فيها أعمال الضيافة والإحسان بالمصالح الانتخابية.
ولا يعني ذلك اتهاماً لأشخاص أو هيئات بعينها، فكل ادعاء بشأن شراء الأصوات أو توظيف المال السياسي يحتاج إلى وقائع موثقة وإلى مساطر قانونية مختصة.
لكن الخطر يبدأ عندما يُستثمر ضعف الوعي أو الهشاشة الاقتصادية أو قوة الروابط التقليدية من أجل صناعة التبعية، عبر الإحسان الموسمي، أو الولائم الكبرى، أو تمويل بعض مظاهر الاحتفال، ثم انتظار المقابل في صندوق الاقتراع.
فالضيافة، في الثقافة القروية، قيمة نبيلة، و«الخبز والملح» رمز للتقدير والمروءة، غير أن هذه القيمة تفقد معناها حين تُستعمل لتوليد التزام سياسي ضمني، أو حين تتحول المائدة إلى أداة لتوجيه الإرادة الانتخابية.
وفي هذا السياق، لا ينبغي الخلط بين المبادرات الاجتماعية الشفافة والمتواصلة، وبين العطاء الظرفي الذي يظهر فقط عند اقتراب المواسم الانتخابية.
وتؤكد القواعد الانتخابية ضرورة حماية حرية الاختيار، إذ تُجرّم المقتضيات المنظمة للحملات الانتخابية تقديم الهدايا أو التبرعات أو الوعود بها، سواء لفائدة جماعات ترابية أو مجموعات من المواطنين، متى كان القصد منها التأثير في تصويت الناخبين. 
كما تعززت آليات تتبع تمويل الأحزاب والحملات باتجاه مزيد من التوثيق وشفافية الموارد والنفقات.
ليست المشكلة في «التبوريدة» أو «أحيدوس» أو في الإطعام الجماعي أو في كل ما يخلق فرحاً جماعياً ويصون خصوصية المنطقة، فهذه تعبيرات ثقافية حية تستحق الدعم والتثمين. المشكلة تبدأ حين تُختزل الثقافة في واجهة انتخابية، أو حين تتحول رموز الفروسية والفن والضيافة إلى أدوات للوجاهة السياسية واستمالة شبكات الولاء.
والأخطر من ذلك أن تضيع الأسئلة الجوهرية وسط ضجيج الاحتفال: أين مصيب المنطقة من التنمية المجالية؟ أين وصل إصلاح المسالك والطرق؟ ما واقع النقل المدرسي؟ كيف تُعالج خصاص الصحة والقرب من الخدمات؟ ماذا عن الماء والشغل ودعم تمدرس الفتيات والشباب؟ ما مصير تثمين المنتوجات المحلية والموارد الطبيعية؟..
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تظل حاضرة في وعي سكان وادي إفران، لا أن تُؤجل إلى ما بعد الانتخابات.
إن المواطنة ليست إنكاراً للجميل ولا قطيعة مع التقاليد، بل هي ممارسة للحق في السؤال والمحاسبة والاختيار الحر.
والناخب لا يدين بصوته لمن قدم له وليمة أو وعده بمساعدة عابرة، إنه يمنح صوته، أو يحجبه، بناءً على الحصيلة والبرنامج والكفاءة والنزاهة.
لا يكمن الحل في إلغاء موسم «دادا موسى»، ولا في تجريده من روحه الاجتماعية، بل في مأسسته وتحديثه.
المأمول هو تحويله تدريجياً من موعد تُطغى عليه بعض الطقوس الغيبية أو الحسابات الضيقة، إلى تظاهرة ثقافية واقتصادية وتنموية تستثمر ما يزخر به المجال من مؤهلات.
يمكن للموسم أن يحتضن معارض للمنتوجات المجالية، من العسل والأعشاب الطبية إلى الزرابي والصناعات التقليدية، وأن يخصص فضاءات للتعريف بتاريخ المنطقة ومؤهلاتها الطبيعية، وورشات للشباب والنساء والتعاونيات، وعروضاً فنية مؤطرة تحفظ لأحيدوس والتبوريدة مكانتهما بعيداً عن الاستعمال الانتخابي.
كما يمكن أن تتحول الهبات والمساهمات إلى مشاريع شفافة ذات أثر مستدام (دعم النقل المدرسي، تجهيز المؤسسات التعليمية، توفير الماء الصالح للشرب، تمويل التعاونيات، دعم الرعاية الصحية القروية، أو مواكبة المبادرات المدرة للدخل).
فالقيمة الحقيقية للعطاء ليست في عدد الولائم ولا في حجم الشعارات، بل في استمراره وأثره ووضوح وجهته.
وتقع على عاتق الجماعات الترابية والسلطات المختصة والمجالس العلمية مسؤولية مشتركة:
تنظيم الموسم بقواعد واضحة، وضمان شفافية التمويل، وصون حرمة المجال الديني والثقافي من أي استغلال، وتقديم تأطير توعوي يحترم هوية الساكنة ويصون عقلها وحقها في اختيار ممثليها بحرية.
في هذا السياق، لا يقع عبء هذا التحول المنشود على عاتق السلطات والمجالس المنتخبة وحدها، بل يظل لشباب المنطقة وجمعيات المجتمع المدني المحلي الدور المحوري والفاعل في إعطاء هذا الموروث بعده التنموي الحقيقي.
فالطاقات الشبابية والنسيج الجمعوي بـ «وادي إفران» يشكلون الدينامو الأساسي القادر على إزاحة الممارسات العتيقة، عبر الابتكار في تنظيم المبادرات الثقافية والرياضية، والمساهمة في تأطير الفعاليات، وتحويل تفاصيل الموسم إلى منصة ملموسة لخدمة التنمية المحلية والتوعية المواطنة، ليظل الفاعل الجمعوي والشبابي الشريك الأول في حماية الذاكرة وصناعة التغيير."
بصفة عامة، موسم «دادا موسى» ليس مجرد احتفال عابر، إنه جزء من ذاكرة وادي إفران والأطلس المتوسط... لكن قوة الذاكرة لا تُقاس بقدرتها على إعادة إنتاج ما مضى، بل بقدرتها على الإصلاح والتجدد.
فحين يتحرر الموسم من الخرافة، ويُصان من الاستغلال السياسي، ويُوجَّه لخدمة الثقافة والتنمية والاقتصاد المحلي، يصبح الموروث قوةً للمستقبل لا عبئاً من الماضي.
أيضا إن المامول اليوم ليس الاختيار بين التراث والحداثة، بل بناء تراث واعٍ وحداثة متجذرة: موسم يحتفي بالإنسان، ويثمن الثقافة، ويدعم اقتصاد المنطقة، ويجعل من المواطن شريكاً واعياً لا مجرد رقم انتخابي.

0 التعليقات:

إرسال تعليق