فضاء الأطلس المتوسط نيوز/مقال رأي: كتبه محمد عبيد
«التصفيق لا يصنع قائداً، والهتاف لا يصنع حضارة، والأمم تُبنى بالعقل الذي لا بديل له».
ليست هذه العبارة مجرد جملة بلاغية تُقال في لحظة عابرة، بل تختصر حقيقة سياسية وأخلاقية كثيراً ما يجري تجاهلها في زمن تختلط فيه المسؤولية بالاستعراض، والنقد بالتملق، والوعي الجماعي بالتصفيق المنظم.
فالقائد الحقيقي لا يحتاج إلى قصائد المديح كي يثبت حضوره، ولا إلى حناجر تهتف باسمه كي تمنحه شرعية مؤقتة.
القيادة تُقاس بما تُنجزه من سياسات، وما تقدمه من حلول، وما تتركه من أثر في حياة الناس، لا بعدد الأيادي التي تصفق ولا بطول الهتافات التي تنطلق في المناسبات الجماهيرية.
&حين يتحول الخطاب إلى تزلف
في بعض اللقاءات ذات الطابع الجماهيري أو الاستشاري، يُفترض أن يكون النقاش منصباً على قضايا الناس وانتظاراتهم، وأن تفتح المنصة أمام الأفكار والاقتراحات والانتقادات.
غير أن المشهد ينحرف أحياناً عن غايته، حين يتحول بعض المتدخلين إلى شعراء مديح، ينسجون عبارات الإطراء ويقدمون خطابات أقرب إلى التزكية الشخصية منها إلى المساهمة في النقاش العمومي.
المشكلة لا تكمن في التعبير عن التقدير أو الاعتراف بمجهود مسؤول أو فاعل سياسي، فذلك جزء من ثقافة الاعتراف المطلوبة.... لكنها تبدأ عندما يتحول التقدير إلى مبالغة، والمديح إلى وظيفة، والخطاب إلى وسيلة لاسترضاء صاحب القرار أو الاقتراب من دائرة النفوذ.
عندها لا يعود الكلام موجهاً إلى الجمهور، ولا إلى قضايا التنمية أو المصلحة العامة، بل يصبح عرضاً جانبياً هدفه إرضاء الأشخاص واستمالة النفوس، ولو على حساب قيمة المناسبة ومصداقية المتدخل.
&المثقف والصحفي والمحامي
الأكثر إيلاماً في هذا المشهد أن ينخرط فيه أشخاص يفترض أن تكون لهم حصانة رمزية وأخلاقية: صحفي يفترض فيه أن يمارس النقد، ومحامٍ يفترض فيه أن يدافع عن العدالة، ومثقف يفترض فيه أن يحرس المعنى ويقاوم الابتذال.
حين يخلع الصحفي عباءة النقد ليرتدي لباس المديح، فإنه لا يخسر فقط استقلاليته المهنية، بل يربك الحدود بين الإعلام والدعاية.
وحين يضع المحامي رداء العدالة جانباً ليشارك في تنميق خطاب سياسي، فإنه يبعث برسالة خطيرة مفادها أن المعرفة والخبرة يمكن أن تتحولا إلى أدوات لخدمة النفوذ بدل خدمة الحقيقة.
لا يتعلق الأمر هنا بمصادرة حق أي شخص في التعبير عن رأيه أو تأييده السياسي، فذلك حق مكفول... لكن المطلوب هو الوضوح: هل نحن أمام موقف سياسي معلن، أم أمام توظيف للصفة المهنية من أجل منح المديح شرعية إضافية؟
فالصحفي الذي يمدح بصفته الحزبية أو الشخصية ليس كصحفي يمدح من موقع مهني يوحي بالمسافة والاستقلال.
والمحامي الذي يتحدث كفاعل سياسي ليس كمن يستعمل رمزية العدالة لتجميل خطاب أو شخص.
الخلط بين الأدوار هو أحد أبواب الالتباس الأخلاقي.
&الجمهور لا يصفق دائماً
قد يظن البعض أن كثرة التصفيق دليل على نجاح الخطاب، وأن حماس الجمهور يعكس قبولاً واسعاً؟... لكن الجمهور ليس كتلة واحدة، ولا يقرأ المشهد بالطريقة نفسها.
فبينما يصفق البعض بدافع الحماس أو المجاملة أو الانتماء، قد يغادر آخرون المكان وهم يشعرون بالامتعاض، لأنهم جاؤوا للاستماع إلى أفكار وحلول، لا إلى قصائد مديح.
إن سكان المدن والقرى لا يحتاجون إلى خطب تنميقية بقدر حاجتهم إلى أجوبة واضحة حول التعليم والصحة والنقل والتشغيل والماء والبنية التحتية والعدالة المجالية.
ولا يمكن إقناعهم بأن واقعهم تغير بمجرد تغيير نبرة الخطاب أو رفع منسوب الثناء.
فالمواطن قد يتقبل الوعد مرة، وقد يصغي إلى المديح لحظة، لكنه يعود في النهاية إلى واقعه اليومي.
وهناك، في تفاصيل الحياة، تتهاوى كل الخطب التي لا تسندها نتائج ملموسة.
& من خدمة الفكرة إلى خدمة المصلحة
حين تتحول الكلمة إلى سلعة، يصبح السؤال مشروعاً حول دوافعها.
هل قيلت خدمة لفكرة أو دفاعاً عن مشروع؟
أم قيلت بحثاً عن موقع، أو امتياز، أو منفعة، أو مجرد اقتراب من مائدة القرار؟
لا ينبغي التسرع في اتهام كل من يمدح بالتزلف، لكن تكرار الظاهرة، وتزامنها مع المناسبات السياسية، وغياب النقد أو الأسئلة الصعبة، كلها مؤشرات تجعل الرأي العام أكثر تشككاً. فالمديح الذي لا يترك مساحة للمساءلة يشبه الإعلان، والخطاب الذي لا يرى إلا الإنجازات ولا يعترف بأي اختلال يقترب من الدعاية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب النخب ليس الفقر المادي وحده، بل فقر الاستقلالية.
فحين يصبح المثقف مستعداً لتجميل الرديء، والصحفي مستعداً لتبرير المبالغ فيه، والمحامي مستعداً لتقديم الخطاب السياسي في صورة أخلاقية، فإن المجتمع يفقد أدواته الطبيعية في التمييز بين الحقيقة والوهم.
&الحاجة إلى نقد يحمي لا يهدم
النقد ليس عداءً، والمعارضة ليست خيانة، وطرح الأسئلة ليس إساءة إلى الأشخاص؟ بل إن المسؤول الذي يقبل النقد أكثر جدارة بالثقة من ذلك الذي لا يحيط نفسه إلا بالمصفقين.
والمناسبات الجماهيرية ذات الطابع الاستشاري ينبغي أن تكون فضاءً للاستماع الحقيقي، لا مسرحاً لإعادة إنتاج الزعامات. فالمسؤول يحتاج إلى من يلفت انتباهه إلى مكامن الخلل، كما يحتاج إلى من يثني على ما تحقق.
أما تحويل كل لقاء إلى مناسبة للتمجيد، فهو يضر بالمسؤول قبل أن يضر بالجمهور، لأنه يعزله عن حقيقة الواقع ويمنحه صورة غير دقيقة عن مستوى القبول والرضا.
القائد الذي لا يسمع إلا المدح قد يربح لحظة، لكنه يخسر القدرة على التصحيح.
والمجتمع الذي يكافئ التملق ويقصي النقد يراكم الأخطاء، ثم يكتشف متأخراً أن التصفيق لم يكن دليلاً على النجاح، بل ستاراً أخفى العجز.
&العقل أولاً
الأمم لا تبنى بالهتاف، ولا تتقدم بقصائد المديح، ولا تقاس قوتها بعدد الصور الملتقطة حول المسؤولين. الأمم تبنى بالمدرسة، والجامعة، والمستشفى، والإدارة النزيهة، والقانون العادل، والاقتصاد المنتج، والنخب القادرة على قول الحقيقة دون خوف أو طمع.
لذلك فإن العبارة التي تقول إن «التصفيق لا يصنع قائداً، والهتاف لا يصنع حضارة» ليست انتقاصاً من قيمة الحماس الجماهيري، بل دعوة إلى وضع كل شيء في موضعه.
التصفيق قد يعبّر عن الفرح، والهتاف قد يعكس الانتماء، لكنهما لا يعوضان الكفاءة ولا المحاسبة ولا الإنجاز.
أما العقل، فهو وحده القادر على التمييز بين القائد الحقيقي وصورة القائد، وبين التقدير الصادق والتزلف، وبين الخطاب الذي يخدم الناس والخطاب الذي يخدم صاحبه.
وحين تستعيد الكلمة استقلالها، ويستعيد المثقف شجاعته، والصحفي مسؤوليته، والمحامي رمزية العدالة، يصبح النقاش العمومي أكثر صدقاً، وتتحول المناسبات السياسية من فضاءات للمديح إلى ساحات لإنتاج الأفكار.
فليست المشكلة في أن نصفق، بل في أن نعتقد أن التصفيق يكفي.
وليست المشكلة في أن نهتف، بل في أن نخلط بين الهتاف والحضارة. أما الطريق إلى المستقبل، فيمر دائماً من العقل، ولا بديل عن العقل.







0 التعليقات:
إرسال تعليق