في مشهد بسيط، لكنه عميق الدلالة، التقى مرشحان بإقليم إفران صدفةً وفي قلب الحملة الانتخابية، فتبادلا التحية والمصافحة بكل تلقائية واحترام....
لا خطابات نارية، ولا استفزاز، ولا محاولة لإقصاء الآخر أو التشكيك في نواياه؛ فقط لقاء إنساني راقٍ يختزل ما ينبغي أن تكون عليه السياسة في جوهرها: اختلاف في البرامج والرؤى، ووحدة في احترام الناس والمؤسسات وقواعد المنافسة.
الصورة ليست مجرد لحظة عابرة بين شخصين ينتميان إلى مجال سياسي واحد، بل رسالة بليغة إلى كل من حوّل بعض المحطات الانتخابية إلى ساحات للخصام والتجريح وتبادل التهم. ففي الوقت الذي يقدم فيه مرشحون محليون بإقليم إفران نموذجًا في اللياقة السياسية، تعيش بعض الحملات الوطنية على إيقاع خطاب متوتر، تتقدمه عبارات التخوين والاتهام والتشكيك، ويغيب عنه النقاش الهادئ حول قضايا المواطن وانتظاراته.
الحملة ليست سوقًا للتراشق
الحملة الانتخابية ليست مناسبة لتصفية الحسابات الشخصية، ولا فضاءً لاستعراض القدرة على رفع الصوت أو إطلاق الاتهامات. إنها، في الأصل، لحظة ديمقراطية ينبغي أن تُعرض فيها التصورات بوضوح: ماذا سيقدم كل حزب؟ كيف سيتعامل مع التشغيل والتعليم والصحة والسكن والعدالة المجالية؟ وما هي الحلول الواقعية لتحسين حياة المواطنين في المدن والقرى؟
لكن المؤسف أن بعض المسؤولين الحزبيين على المستوى الوطني يصرّون، كلما اشتد التنافس، على جرّ النقاش نحو مناطق أكثر ضجيجًا وأقل فائدة.
تتحول المنابر والتجمعات والتصريحات أحيانًا إلى ما يشبه “سوقًا للتراشق”، حيث تتقدم لغة السخرية والردود الشخصية على لغة الحجة والبرنامج، ويصبح الخصم السياسي عدوًا ينبغي النيل منه بدل منافس ينبغي محاورته ومساءلته.
هذا السلوك لا يسيء إلى حزب بعينه فقط، بل يسيء إلى صورة العمل السياسي برمته.
فالمواطن الذي يتابع هذه المشاهد لا ينتظر من الفاعلين السياسيين مزيدًا من الصراخ، بل ينتظر منهم قدرًا من الجدية والوضوح والقدرة على تقديم أجوبة عملية عن مشاكله اليومية. وحين يجد أمامه تبادلًا مستمرًا للاتهامات، فمن الطبيعي أن تتراجع ثقته في الوعود والخطابات، وأن ينظر إلى السياسة باعتبارها مجالًا للمزايدات لا لخدمة الصالح العام.
درس من إفران
ما وقع بإقليم إفران يقدم درسًا بسيطًا وواضحًا: يمكن للمرشحين أن يتنافسوا بقوة، وأن يدافع كل واحد منهم عن اختياراته وبرنامجه وقناعاته، دون أن يفقدوا احترامهم لبعضهم البعض. فالخصومة الانتخابية مؤقتة، أما روابط المجتمع والمصلحة العامة فتبقى أوسع وأعمق من كل استحقاق.
المصافحة بين المرشحين لا تعني غياب الاختلاف، ولا تعني بالضرورة توافقًا سياسيًا بينهما، لكنها تعني الاعتراف المتبادل بشرعية المنافسة.
وهي رسالة مهمة للناخبين مفادها أن السياسة ليست حربًا، وأن تداول الأفكار لا يحتاج إلى إهانة أو تحقير أو تشهير.
بل إن المرشح الذي يحترم منافسه أمام المواطنين يرفع من قيمة خطابه ويمنح حملته مصداقية أكبر.
أما من يراهن على الإثارة والتجريح، فقد يحقق انتشارًا عابرًا، لكنه يخسر على المدى البعيد احترام جزء من الرأي العام الذي أصبح أكثر وعيًا بضرورة التمييز بين الخطاب المسؤول والخطاب الشعبوي.
المواطن يريد حلولًا لا خصومات
المغاربة، في مختلف المناطق، لا يحتاجون إلى مزيد من المناكفات السياسية. هم يريدون نقاشًا حول كلفة المعيشة، وفرص الشغل للشباب، وجودة الخدمات الصحية، والمدرسة العمومية، والنقل، وفك العزلة عن العالم القروي، وحماية الموارد الطبيعية، وتحقيق التنمية المتوازنة بين الجهات.
وفي أقاليم مثل إفران، حيث تتقاطع رهانات التنمية السياحية والبيئية والفلاحية والاجتماعية، تزداد الحاجة إلى خطاب انتخابي قريب من الميدان، يستمع للساكنة ويقدم التزامات قابلة للتنفيذ والمساءلة.
فالناخب لا يختار من يهاجم أكثر، بل من يقنع أكثر، ومن يمتلك رؤية واقعية وإرادة حقيقية لخدمة المجال وسكانه.
إن الرصانة ليست ضعفًا، والهدوء ليس ترددًا، واحترام الخصم لا يعني التنازل عن المواقف.
على العكس، إنها علامات على النضج السياسي والثقة في النفس وفي قوة الحجة.
لذلك، يبقى مشهد إفران، بكل بساطته، أقوى من كثير من الخطب المشتعلة: مصافحة بين متنافسين تذكّر الجميع بأن السياسة، قبل أن تكون صراعًا على الأصوات، هي اختبار للأخلاق والمسؤولية.






0 التعليقات:
إرسال تعليق