فضاء الأطلس المتوسط نيوز/ محمد عبيد
تواصل الحملة الانتخابية الخاصة بالانتخابات التشريعية 2026 بمدينة فاس مسارها وسط أجواء يطبعها الهدوء والفتور، مع تسجيل حضور ميداني محدود للأحزاب والمرشحين، مقابل ضعف واضح في التفاعل الشعبي مع اللقاءات والأنشطة المنظمة في عدد من أحياء المدينة.
وانطلقت الحملة الانتخابية رسمياً في الساعات الأولى من يوم 10 شتنبر الجاري، على أن تمتد إلى غاية منتصف ليلة 22 شتنبر، فيما يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر لاختيار ممثليهم في مجلس النواب.
ويتنافس المشاركون في هذه الاستحقاقات على 395 مقعداً برلمانياً على الصعيد الوطني.
وتوحي الأجواء العامة بفاس بأن الحملة لم تنجح، إلى حدود الآن، في خلق حركية انتخابية واسعة أو استقطاب اهتمام جماهيري كبير، إذ يطبع الهدوء عدداً من الأحياء والفضاءات التي كانت تشهد، خلال محطات انتخابية سابقة، تجمعات وأنشطة أكثر حضوراً وتعبئة.
ويضع هذا الوضع الأحزاب والمرشحين أمام تحديات جدية، خصوصاً على مستوى القدرة على إقناع المواطنين بأهمية المشاركة واستعادة الثقة في العملية الانتخابية.
كذلك تطرح أسئلة حول مدى ملاءمة الخطابات والوسائل التواصلية المعتمدة مع انتظارات سكان فاس، ولا سيما الشباب، الذي يبدو أقل انخراطاً في أساليب الحملات التقليدية وأكثر ميلاً إلى متابعة النقاش السياسي عبر المنصات الرقمية.
& ترشيحات جديدة وتنافس محدود
ويلاحظ متابعون للشأن الانتخابي أن الحملة بفاس تجري في ظل حضور لوائح ومرشحين يخوض بعضهم التجربة للمرة الأولى، إلى جانب أحزاب تشارك بوجوه جديدة أو بحضور انتخابي محدود.
وبحسب معطيات منشورة حول الدائرة الانتخابية بعمالة فاس، تقدمت 24 هيئة سياسية بـ41 لائحة محلية تتنافس على المقاعد المخصصة للعمالة، فضلاً عن اللوائح الجهوية.
وتعكس هذه الأرقام تعدد العرض الانتخابي من الناحية الشكلية، غير أن كثرة اللوائح لا تشكل، بالضرورة، مؤشراً على قوة التنافس أو اتساع قاعدة التعبئة الشعبية.
وفي المقابل، يسجل غياب لافت للوائح مستقلة يقودها شباب من خارج البنيات الحزبية التقليدية، وهو ما يرى فيه بعض المتابعين عاملاً حدّ من تنوع الاختيارات المتاحة أمام الناخبين، وأضعف فرص بروز وجوه جديدة تحمل مشاريع مستقلة أو خطابات مختلفة.
ولا يرتبط الأمر فقط بعدد المرشحين واللوائح، بل بمدى قدرتها على تقديم برامج واضحة وقابلة للنقاش، والانتقال من الخطاب العام والوعود الانتخابية إلى مقترحات عملية ترتبط بقضايا المدينة، من قبيل النقل الحضري، والتشغيل، والسكن، والصحة، والتعليم، وتحسين الخدمات الأساسية.
& أسئلة حول المشاركة والنتائج
يعيد الفتور المسجل في الحملة الانتخابية بفاس إلى الواجهة سؤال المشاركة السياسية، في ظل استمرار مظاهر العزوف وضعف الثقة في الخطاب الحزبي لدى فئات من المواطنين. فالمواطن لا يبحث فقط عن مرشح يطلب صوته، بل عن ممثل قادر على الإنصات والترافع والمحاسبة، وربط المسؤولية بالنتائج.
أيضا غياب نقاش عمومي واسع حول البرامج والمشاريع يجعل الحملة أقرب إلى منافسة تنظيمية بين الهياكل الحزبية، بدل أن تكون مناسبة لعرض البدائل ومناقشة مستقبل المدينة وانتظارات سكانها.
ويرتبط هذا الفتور، بحسب قراءات سياسية واجتماعية، بأزمة ثقة متراكمة في الخطاب الحزبي، وبشعور لدى بعض الناخبين بأن وعوداً انتخابية سابقة لم تتحول إلى نتائج ملموسة.
كما تساهم القضايا الاجتماعية الضاغطة، من قبيل ارتفاع الأسعار والبطالة وصعوبة الولوج إلى الصحة والتعليم وأزمة النقل، في توجيه اهتمام المواطنين نحو تدبير أوضاعهم اليومية بدل الانخراط في الحملات.
ولا تعني هذه العوامل أن ضعف الحضور الميداني حسم اتجاهات الاقتراع، فقد يكون جزء من الهدوء الحالي مرتبطاً بانتظار الناخبين للأيام الأخيرة من الحملة، حين تكثف الأحزاب لقاءاتها وتتحرك شبكاتها التنظيمية بشكل أكبر.
في المقابل، قد يعكس احتجاجاً صامتاً على طريقة تدبير الشأن السياسي أو على ما يعتبره المواطن تراجعاً في جودة النخب والبدائل.
وفي هذا السياق، أعلنت جماعة العدل والإحسان مقاطعتها للانتخابات التشريعية، وربطت موقفها بما اعتبرته أزمة في شروط المنافسة والثقة في المؤسسات، وهو موقف يساهم في تغذية النقاش العمومي حول المشاركة والعزوف، دون أن يشكل وحده تفسيراً للفتور المسجل بمدينة فاس.
& الأيام الأخيرة في الواجهة
تبقى الأيام المتبقية من الحملة حاسمة في تحديد اتجاهات التنافس، إذ قد تسعى الأحزاب إلى تكثيف لقاءاتها الميدانية، وتوسيع حملاتها التواصلية، والاقتراب أكثر من الناخبين، خصوصاً في الأحياء ذات الكثافة السكانية والمناطق التي تعرف خصاصاً في الخدمات.
وتظل نتيجة الاقتراع رهينة بمدى قدرة المرشحين على تجاوز حالة الجمود، وإقناع المواطنين بجدوى المشاركة، وتقديم عرض سياسي يستجيب لانتظاراتهم.
وينتظر ان كما يكشف يوم التصويت ما إذا كانت النخب المرشحة ستتمكن من ضخ دماء جديدة في المشهد السياسي بفاس؟،أم أن الخريطة البرلمانية ستعيد إنتاج التوازنات والوجوه ذاتها؟ بما يعني استمرار الأوضاع على حالها دون تغيير ملموس.
وفي جميع الأحوال، فإن برودة الحملة الانتخابية لا تعني بالضرورة حسم النتائج مسبقاً، لكنها تشكل مؤشراً يستدعي من الأحزاب والمرشحين إعادة النظر في أدوات التواصل ومضامين الخطاب وطريقة بناء الثقة مع الناخبين.
فالرهان لا يقتصر على الفوز بالمقاعد، بل يمتد إلى استعادة المواطن باعتباره شريكاً في الحياة السياسية، لا مجرد صوت انتخابي خلال موسم الاقتراع.






0 التعليقات:
إرسال تعليق