فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
عندما تنطلق دولة من وضع اقتصادي غير مواتٍ، تكون وتيرة التقدم في مراحلها الأولى مفاجئة ومذهلة.
فبناء طريق سريع، أو ميناء، أو مطار، أو خط للسكك الحديدية، أو استقطاب مصنع كبير، قادر على تغيير المشهد الاقتصادي والاجتماعي في وقت قصير.
وتتميز هذه المشاريع بكونها مرئية وقابلة للقياس، فهي تختصر المسافات، وتيسر حركة الأشخاص والبضائع، وتجذب الاستثمارات، وتخلق فرصاً للشغل، وتحدث تحولاً ملموساً في الحياة اليومية.
لكن مع تراكم الإنجازات، تتغير طبيعة الأسئلة المطروحة. فالطريق السريع أصبح جاهزاً، والميناء يعمل، والمصانع تنتج، والسياح يتوافدون، والاستثمارات تتزايد، والإصلاحات الكبرى مستمرة.
وفي هذه المرحلة، لا يعود التحدي مقتصراً على بناء قدرات جديدة، بل يصبح أكثر دقة وتعقيداً: كيف نستخرج من القدرات القائمة قيمة أكبر وأكثر استدامة؟
& من الإنجاز المرئي إلى القيمة المضافة:
هذا التحول في طبيعة الإشكالية هو ما أشارت إليه رسالة العرش لهذا العام. ففرص التقدم لم تختفِ، لكنها أصبحت أكثر تعقيداً وصعوبة في التحقيق.
لن يضمن المغرب استمرار محطات النمو بمجرد توسيع بنيته التحتية، بل سيكون مطالباً بتحقيق إنتاجية أعلى من الأصول القائمة، والارتقاء بموقعه داخل سلاسل القيمة العالمية، وتوفير أدوات تمويل ملائمة للمؤسسات، وتحويل الابتكارات إلى أنشطة اقتصادية قابلة للتوسع، وضمان توزيع أوسع لمكاسب التنمية داخل النسيج الإنتاجي والمجتمعي.
بعبارة أخرى، لم يعد السؤال هو كم طريقاً أو ميناءً أو مصنعاً يمكن إنجازه، بل كيف يمكن لهذه البنية القائمة أن تنتج قيمة أكبر، وأن ترفع تنافسية الاقتصاد، وأن تخلق وظائف أكثر جودة، وأن تعزز قدرة المقاولات الوطنية على النمو والمنافسة.
وتصبح التحديات، في هذه المرحلة، أقل وضوحاً لكنها أكثر إلحاحاً.
فالنجاحات الأولى تتحقق غالباً بقرارات عملية ومباشرة: الاستثمار، والبناء، والتجهيز، وجذب المستثمرين.
أما المراحل التالية فتتطلب تنسيقاً مؤسسياً وسياسياً أعلى، ومهارات بشرية متقدمة، ومنظومة ابتكار فعالة، وإدارة أفضل للموارد والوقت.
كما تحتاج الإصلاحات الهيكلية إلى الصبر والاستمرارية؛ إذ لا تظهر نتائج إصلاح التعليم أو القضاء أو الإدارة أو التنافسية بالسرعة نفسها التي تظهر بها نتائج بناء طريق أو مطار.
وقد دعا خطاب العرش القطاع المالي الوطني إلى مواصلة مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وإحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج إلى التمويلات البنكية وغير البنكية الموجهة إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة، والابتكار والتصنيع والتصدير.
وهذه الدعوة تعكس إدراكاً بأن المرحلة المقبلة لن تُبنى فقط على الاستثمارات الكبرى، بل أيضاً على قدرة آلاف المقاولات المحلية على النمو.
& توزيع التنمية بين الجهات/ حال جهة فاس-مكناس:
لا تكتمل قيمة المشاريع الكبرى إلا عندما تمتد آثارها إلى محيطها الجهوي والاجتماعي.
فالميناء أو المصنع يمكن أن يخلق قيمة كبيرة، لكن أثره قد يظل محدوداً إذا لم تستفد منه المقاولات المحلية، أو إذا لم تتوفر المنطقة على تكوين مناسب، أو إذا بقيت سلاسل التوريد مركزة في مدن بعيدة.
ومن هنا تبرز أهمية السياسات الجهوية التي تربط الاستثمار بالبنية التحتية وبالمهارات وبالخدمات.
ولا يتعلق الأمر بتوزيع المصانع إدارياً بين الجهات، بل بتمكين كل جهة من بناء تخصص اقتصادي واقعي يستند إلى مؤهلاتها.
فجهة فاس-مكناس، مثلاً، تستطيع تعزيز موقعها في الصناعات الغذائية، والمنتجات الفلاحية، والصناعات التقليدية ذات القيمة المضافة، والخدمات الجامعية والرقمية، والسياحة الثقافية والطبيعية.
لكن ذلك يتطلب ربط هذه القطاعات بشبكات التصدير واللوجستيك، وتشجيع العلامات المحلية، وتطوير تكوين مهني يستجيب للحاجات الفعلية للمقاولات.
&من النمو المرئي إلى النمو العميق:
يمكن تشريح هذا التحول من خلال الانتقال من مرحلة النمو المرئي إلى مرحلة النمو العميق، أو ما يمكن تسميته بالتحول الهيكلي.
تميزت المرحلة الأولى بإنجازات ملموسة، تمثلت في الطفرة البنيوية التي عرفها المغرب خلال السنوات الماضية، من خلال تطوير موانئ كطنجة المتوسط، وتوسيع شبكة الطرق السيارة، وإطلاق القطار فائق السرعة، وإنشاء مناطق صناعية، واستقطاب مصانع للسيارات ومكونات الطائرات.
وقد كانت هذه المشاريع ضرورية لتقوية جاذبية الاقتصاد، وتحسين الربط بين الجهات والأسواق، ووضع أسس إنتاجية ولوجيستيكية قادرة على استيعاب الاستثمارات الجديدة.
لكن المرحلة الثانية تطرح معضلة مختلفة: لم يعد التحدي الأساسي هو بناء ميناء آخر، بل جعل الميناء القائم أداة لرفع تنافسية الصادرات المغربية؛ ولم يعد الهدف مجرد استقطاب مصنع أجنبي، بل تحويله إلى قاطرة تدعم الشركات المغربية الصغيرة والمتوسطة، وتوسع قاعدة الموردين المحليين، وتنقل المعرفة والخبرة إلى النسيج الإنتاجي الوطني.
ومن هنا، يصبح قياس النجاح مرتبطاً بمؤشرات أكثر عمقاً من حجم الاستثمار أو عدد المنشآت. فالمعيار الحقيقي هو مقدار القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني، ونوعية الوظائف التي تُخلق، وقدرة الشركات المحلية على الاندماج في سلاسل الإنتاج والتصدير.
& الارتقاء في سلاسل القيمة:
يتمثل أحد أبرز تحديات المرحلة المقبلة في الانتقال من التركيب أو التصنيع منخفض التكلفة إلى مستويات أعلى من القيمة المضافة.
ويعني ذلك تطوير قدرات أكبر في الهندسة، والتصميم، والبحث والتطوير، والبرمجيات الصناعية، وإدارة العلامات التجارية.
فالصناعة لا تبلغ نضجها الكامل بمجرد إنتاج سلعة وفق مواصفات شركة أجنبية، بل عندما تصبح الشركات الوطنية قادرة على تصميم جزء من المنتج، وتطوير مكوناته، وتحسين أساليب إنتاجه، وتسويقه تحت علامة ذات حضور تنافسي.
وفي قطاع السيارات، مثلاً، لا ينبغي أن ينحصر الطموح في رفع عدد السيارات المنتجة، بل يجب أن يشمل تطوير صناعة المكونات والبطاريات والأنظمة الإلكترونية والبرمجيات، وتشجيع المقاولات المغربية على الانتقال من المناولة البسيطة إلى إنتاج مكونات وخدمات ذات تعقيد تقني أعلى.
وينطبق الأمر نفسه على قطاع الطيران، والصناعات الغذائية، والطاقات المتجددة، والخدمات الرقمية. فكلما ارتفع موقع المغرب في سلسلة القيمة، زادت قدرته على خلق وظائف نوعية، وجذب الكفاءات، وتحسين الأجور، وتعزيز استقلالية القرار الاقتصادي.
&والإنتاجية قبل التوسع:
لا يكفي أن يملك الاقتصاد بنية تحتية متقدمة أو مصانع حديثة إذا لم يستطع استعمالها بأعلى قدر من الكفاءة.
وهنا تبرز أهمية الإنتاجية الإجمالية لعوامل الإنتاج، أي تحقيق عائد أكبر من الموارد القائمة، بما فيها رأس المال، والموارد البشرية، والطاقة، والتكنولوجيا، والتنظيم.
ويتحقق رفع الإنتاجية عبر الرقمنة، وتحسين الحكامة، وتطوير أساليب التدبير، وتقليص آجال إنجاز المشاريع، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتوفير البيانات اللازمة لاتخاذ القرار.
كما أن الإنتاجية لا ترتبط بالآلات وحدها، بل بقدرة المؤسسات على تنظيم العمل، وتكوين العاملين، وتبني الابتكار، وتطوير سلاسل التوريد، والاستجابة بسرعة لمتطلبات الأسواق.
ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من منطق توسيع القدرات إلى منطق تحسين استعمالها.
فالمصنع القائم يمكن أن ينتج قيمة أكبر إذا ارتفعت مهارات العاملين، وتحسنت الإدارة، وتطورت التكنولوجيا، وتوفرت شبكة محلية من الموردين الأكفاء.
& الابتكار والتمويل:
يمثل الابتكار محوراً آخر في معادلة النمو النوعي. غير أن الابتكار لا يتحول إلى قيمة اقتصادية بمجرد إنتاج الأفكار أو تسجيل براءات الاختراع، بل عندما ينتقل إلى السوق في شكل منتج أو خدمة أو طريقة إنتاج قابلة للتوسع.
وهذا يتطلب تقوية العلاقة بين الجامعات ومراكز البحث والمقاولات، وتطوير حاضنات الأعمال، وتوفير آليات لنقل التكنولوجيا، وتشجيع البحث التطبيقي المرتبط بالحاجات الفعلية للاقتصاد.
كما يحتاج الابتكار إلى تمويل مناسب. فالمشاريع الجديدة لا تستطيع دائماً الاعتماد على القروض التقليدية، خصوصاً عندما تكون في مراحلها الأولى أو عندما تقوم على أفكار تكنولوجية ذات مخاطر مرتفعة. لذلك تبرز أهمية صناديق الاستثمار الجريء، والتمويل التساهمي، وضمانات القروض، والتمويل المرتبط بسلاسل التوريد.
إن تحويل الابتكار إلى نشاط اقتصادي يتطلب كذلك وجود زبون أول، وسوق تجريبية، وطلب عمومي ذكي، ومؤسسات مستعدة لتحمل قدر من المخاطرة. فالكثير من الأفكار لا تفشل بسبب ضعفها، بل بسبب عجز أصحابها عن الوصول إلى التمويل أو السوق.
& رأس المال البشري:
لا يمكن بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار من دون رأسمال بشري مؤهل.
فالمهارات المتقدمة هي الوقود الحقيقي للصناعة الحديثة، والرقمنة، والطاقة، والهندسة، والخدمات ذات القيمة المضافة.
ويقتضي ذلك إعادة النظر في العلاقة بين التعليم والتكوين وسوق الشغل.
فلا يكفي تخريج أعداد كبيرة من حاملي الشهادات، بل يجب توفير كفاءات قادرة على حل المشكلات، واستعمال التكنولوجيا، والعمل ضمن فرق، والتعلم المستمر.
كما ينبغي تعزيز التكوين المهني المتخصص، وربطه مباشرة بحاجات القطاعات الصناعية واللوجيستيكية والرقمية. فكل استثمار جديد يحتاج إلى كفاءات قادرة على تشغيله وتطويره، وإلا تحول إلى جزيرة إنتاجية معزولة عن محيطها.
والاستثمار في الإنسان ليس ورشاً مكملاً للبنية التحتية، بل هو شرط أساسي لاستدامة أثرها. فالطريق والميناء والمصنع لا تنتج القيمة وحدها؛ القيمة يصنعها الإنسان الذي يديرها ويطورها ويبتكر داخلها.
& العدالة المجالية والتوزيعية:
لا يكتمل النمو إذا ظل محصوراً في حواضر كبرى أو قطاعات محدودة.
فالمطلوب هو أن تمتد آثاره إلى الجهات والمقاولات الصغيرة والطبقات الاجتماعية المختلفة.
ويعني ذلك ربط المشاريع الكبرى بمحيطها الاقتصادي، وتشجيع نشوء سلاسل توريد محلية، وتطوير التكوين في الجهات، وتحسين الولوج إلى التمويل، وتوجيه الاستثمارات نحو المجالات التي تتوفر على مؤهلات حقيقية.
كما ينبغي ألا تقاس التنمية الجهوية بعدد المشاريع المنجزة فقط، بل بقدرتها على خلق وظائف مستقرة، وتحسين دخل السكان، وتعزيز الخدمات، ورفع قدرة المقاولات المحلية على التنافس.
إن العدالة المجالية لا تعني توزيع المشاريع بطريقة حسابية، بل تمكين كل جهة من بناء نموذج إنتاجي يستند إلى خصوصياتها. فقد تقوم جهة على الصناعة، وأخرى على الفلاحة التحويلية، وثالثة على السياحة أو الخدمات الرقمية، شرط أن تكون هذه الأنشطة مرتبطة بشبكات وطنية ودولية فعالة.
التنسيق والصبر الاستراتيجي
يتطلب النمو النوعي تنسيقاً عالياً بين السياسات العمومية. فلا يمكن للصناعة أن تتقدم بمعزل عن التعليم والطاقة والنقل والتمويل والتشغيل.
كما لا يمكن لجهة أن تنجح في جذب الاستثمار إذا لم تتوفر لديها العقارات المؤهلة، والمهارات، والخدمات، والربط اللوجيستيكي.
ولهذا، ينبغي تجاوز منطق الجزر الإدارية المعزولة، واعتماد قدر أكبر من الالتقائية بين القطاعات والمؤسسات.
كما يجب ربط السياسات بأهداف قابلة للقياس، ومؤشرات واضحة، ومراجعات دورية تسمح بتصحيح المسار.
أما الإصلاحات الكبرى، مثل إصلاح التعليم والقضاء والإدارة، فتحتاج إلى صبر استراتيجي. فنتائجها لا تظهر بسرعة، لكنها تحدد قدرة الاقتصاد على الاستمرار في التقدم. والفرق بين مشروع ناجح وآخر محدود الأثر قد لا يكون في حجم الإنفاق، بل في جودة المؤسسات التي تديره.
& تفادي مطب الدخل المتوسط:
تتخلص هذه القراءة في مفهوم مطب الدخل المتوسط، الذي تواجهه العديد من الدول الصاعدة.
ففي المراحل الأولى، يكون الانتقال من الفقر إلى مستوى متوسط من الدخل ممكناً عبر الاستثمار في البنية التحتية، واستقطاب الصناعات، وتوسيع الأسواق.
لكن الانتقال من الدخل المتوسط إلى مصاف الدول المتقدمة يتطلب ما هو أكثر من ذلك: ثورة في الكفاءة، وابتكاراً مستمراً، واستثماراً عميقاً في الإنسان، ومؤسسات قادرة على التنسيق والتقييم والتصحيح.
لقد قطع المغرب شوطاً مهماً في بناء القدرات، وأصبح يمتلك مقومات صناعية ولوجيستيكية واستثمارية مهمة. غير أن التحدي المقبل يتمثل في تحويل هذه القدرات إلى إنتاجية أعلى، والإنتاجية إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى وظائف أفضل وتنمية أكثر شمولاً.
فالمستقبل لن يُحسم فقط بعدد الطرق والموانئ والمصانع التي ستُنجز، بل بقدرة الاقتصاد على جعل كل طريق أكثر نفعاً، وكل ميناء أكثر ارتباطاً بالنسيج الوطني، وكل مصنع أكثر اندماجاً في محيطه، وكل استثمار أكثر أثراً في حياة المواطنين.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي للمرحلة التنموية المقبلة: تحويل الزخم الذي تحقق إلى رافعة دائمة لاقتصاد أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.






0 التعليقات:
إرسال تعليق