فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
في مشهد يعكس تدهوراً خطيراً في الممارسات الإعلامية المغربية، تبرز بعض المنصات الإعلامية الرقمية كحالات دراسة مثيرة للجدل، حيث تحولت من فضاءات إعلامية إلى ما يشبه ورشات لصناعة "البوز" على حساب المبادئ الأساسية للأخلاقيات الصحفية.
& مظاهر الانحراف عن المهنية الصحفية
1. الانحياز الحزبي الصريح
بدلاً من الحياد المطلوب، تتبنى بعض المنصات خطاً تحريرياً منحازاً بوضوح ضد هيئات سياسية محددة، مع تركيز مكثف على ملفات تثير الجدل دون تمحيص أو توازن في الطرح.
2. البحث عن الإثارة على حساب الحقيقة
تعتمد هذه المنصات على:
*عناوين مثيرة ("خطير"، "عاجل"، "يفضح"، "يسرب")
*مقاطع مفخخة تخرج عن سياقها الأصلي
*تضخيم تصريحات هامشية وتحويلها إلى "فضائح وطنية"
3. غياب التوثيق والتحقق
في عدة مناسبات، تُنشر ادعاءات دون مصادر مؤكدة، أو تُعتمد على "تسريبات" مجهولة الهوية، مما يفتح الباب أمام التضليل والتلاعب بالرأي العام.
4. استغلال المنصات الرقمية للتحريض
تُستخدم يوتيوب وفيسبوك وتيك توك لنشر محتوى:
*غير خاضع لرقابة تحريرية صارمة
*موجه عاطفياً لاستفزاز المشاعر
*خالٍ من السياق الكامل للأحداث
*نمط متكرر: التضخيم ثم التشويه
وتجسد تغطية بعض المنصات لتصريحات سياسيين حول ملفات حساسة أسوأ ما في هذه الممارسات:
●تضخيم التصريح وتحويله من مجرد ادعاء إلى "قضية وطنية"
●إغفال السياق الكامل للكلمة والظروف المحيطة بها.
●التركيز على الجانب التحريضي بدلاً من التحقيق المهني في صحة الادعاءات
●استغلال أي إجراء قضائي كفرصة لمزيد من "البوز" وليس كموضوع صحفي يحتاج لتحرٍ دقيق
&الفجوة بين الواقع والأزمة المفتعلة
ما تعيشه الساحة السياسية المغربية من تحديات حقيقية (غلاء المعيشة، البطالة، الفساد، الخدمات العمومية) يضيع تماماً في ضجيج هذه التغطيات المفتعلة، حيث متغطيه بعص المنصات يرتكز فقط على:
○تراشقات وتصريحات مثيرة،
○"فضائح" وتسريبات مجهولة،
○معارك جانبية وشخصنة،
○استرجاع الماضي وتشويه الخصوم..
بينما تتجاوز او تتجاهل قضايا حقيقية مثل:
○مناقشة وقراءة برامج الأحزاب الانتخابية،
○أوضاع المواطنين الاقتصادية،
○مقترحات السياسات العمومية.
○فتح نقاش مجدي حول المستقبل.
○انتهاك ميثاق أخلاقيات المهنة.
وتخالف هذه الممارسات بوضوح المبادئ الأساسية لأخلاقيات الصحافة التي تنص على:
✓ الحياد والتوازن: عرض جميع وجهات النظر
✓ التحقق من المصادر: عدم نشر معلومات غير مؤكدة
✓ الاحترام: تجنب التشهير والتجريح
✓ المسؤولية الاجتماعية: خدمة الصالح العام وليس "البوز"
✓ الاستقلالية: عدم الانحياز لجهة سياسية ضد أخرى
تداعيات خطيرة على المشهد الإعلامي
هذا السلوك ليس مجرد "انحراف فردي"، بل له تداعيات أوسع:
◇تآكل ثقة الجمهور في الإعلام ككل
◇تعميق الاستقطاب السياسي بدلاً من بناء جسور الحوار
◇إهدار فرصة تاريخية لمناقشة حقيقية للمستقبل
◇تشويه صورة الصحافة الرقمية الناشئة في المغرب
& السؤال الجوهري
أين هيئات التنظيم الإعلامي (الهاكا، المجلس الوطني للصحافة) من هذه الممارسات؟
وهل ستبقى صامتة أمام تحول بعض المنصات إلى أدوات تحريض تحت غطاء "حرية الصحافة"؟
& خلاصة
ما تمارسه بعض المنصات الإعلامية في حق هيئات سياسية محددة ليس "صحافة استقصائية" ولا "تغطية إعلامية"، بل هو انحراف صريح عن أخلاقيات المهنة، حيث يتحول الإعلام من مرآة للواقع إلى مصنع للأزمات المفتعلة، ومن منصة للحوار إلى ساحة لتصفية الحسابات.
وفي زمن يحتاج فيه المغرب إلى إعلام مسؤول وواعٍ يساهم في إنضاج الاختيار الديمقراطي، تأتي هذه الممارسات لتعمق الأزمة وتبعد المواطن عن جوهر الاستحقاق: الاختيار البرامجي وليس الانفعال العاطفي.












