فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
هل تكفي معرفة الدخل الشهري لأسرة مغربية حتى نحكم بأنها فقيرة أو متوسطة الحال أو ميسورة؟
وهل يمنح المبلغ نفسه مستوى العيش ذاته لأسرتين تختلفان في عدد أفرادهما ومكان إقامتهما والتزاماتهما؟
ثم أين تنتهي القدرة على تغطية الضروريات، وأين تبدأ إمكانية العيش باستقرار، لا مجرد تدبير المصاريف إلى نهاية الشهر؟
تثير هذه الأسئلة صورة متداولة تقدم سلماً اجتماعياً للأسر بحسب دخلها الشهري، وتضع من يقل دخلها عن 3000 درهم ضمن «الفقر المدقع»، ومن يتراوح دخلها بين 6000 و10 آلاف درهم ضمن فئة «الفقير»، بينما تحصر «الطبقة المتوسطة» بين 20 ألفاً و30 ألف درهم، وصولاً إلى فئة تصفها بعبارة «لاباس عليه» لمن يتجاوز دخلها 70 ألف درهم..
غير أن هذه الحدود العددية، في غياب توضيح مصدرها ومنهجيتها وسنتها المرجعية، لا ينبغي أن تتحول إلى أحكام قاطعة على أوضاع الناس.
فقيمة المنشور، بوصفه مدخلاً للنقاش، ليست في التسليم بخاناته، بل في السؤال الذي يطرحه:
ماذا يتيح الدخل للأسرة فعلياً، وما الذي يبقى لها بعد الوفاء بالتزاماتها؟
& الدخل على الورق.. والقدرة على العيش
ليس السؤال دائماً: كم يدخل إلى البيت؟ بل ماذا يستطيع هذا الدخل أن يوفر لمن يعيشون فيه؟
فالمبلغ الذي يبدو كافياً عند النظر إليه منفرداً قد يأخذ معنى مختلفاً حين نضع إلى جانبه عدد أفراد الأسرة، وكلفة السكن، ومصاريف الغذاء والتنقل والتعليم والعلاج، وما يرتبط بها من التزامات ثابتة ومتغيرة.
ولذلك، لا يصح افتراض أن أسرتين متساويتين في الدخل تعيشان بالضرورة في المستوى نفسه.
فامتلاك المسكن يختلف عن أداء الكراء، وغياب الديون يختلف عن تخصيص جزء من الموارد لسدادها..
كما تختلف حاجات أسرة قليلة الأفراد عن حاجات أخرى يعتمد فيها عدد أكبر على المورد نفسه.
هذه الفروق لا تلغي أهمية الدخل، لكنها تضعه في سياقه. فهو نقطة بداية لفهم الوضع المعيشي، وليس وصفاً كاملاً له.
& الانتظام لا يعني الوفرة
للدخل المنتظم أهميته في ترتيب المصاريف وتحديد الأولويات، لكنه لا يعني تلقائياً وجود فائض أو إمكانية الادخار.
فثمة فرق بين القدرة على أداء الالتزامات الشهرية، والقدرة على أدائها مع الاحتفاظ باحتياط مالي.
وقد لا يظهر هذا الفرق بوضوح في الأيام العادية، لكنه يصبح حاسماً عند بروز مصروف غير متوقع.
هنا يطرح سؤال الاستقرار الحقيقي نفسه:
هل تستطيع الأسرة مواجهة الطارئ دون أن تتخلى عن حاجة أساسية؟
وهل تملك هامشاً للمناورة، أم أن ميزانيتها موزعة سلفاً بحيث يفرض أي التزام إضافي إعادة ترتيبها بالكامل؟
إن القدرة على اجتياز الشهر ليست هي القدرة على الاطمئنان إلى الشهر المقبل.
وبين الأمرين مساحة تستحق أن تكون حاضرة عند مناقشة الفقر والهشاشة والانتماء إلى الطبقة الوسطى.
& ما يتبقى أهم مما يبدو
قد تمنح قيمة الدخل انطباعاً أولياً عن وضع الأسرة، لكن ما يتبقى منه بعد الضروريات يساعد على فهم مقدار ما تملكه من حرية الاختيار.
فهل تستطيع الادخار؟
وهل يمكنها التخطيط لمشروع أو تحسين سكنها أو تلبية حاجة مؤجلة؟
أم أن كل اختيار جديد يقتضي التضحية بالتزام آخر؟
ومن هنا، يبرز معنى الكفاية، ليس باعتبارها مبلغاً موحداً يصلح لجميع الأسر، بل باعتبارها علاقة بين الموارد والحاجات، وبين ما يتوفر عليه البيت وما يتعين عليه أداؤه.
ولا يعني ذلك أن كل المصاريف متساوية في الضرورة، أو أن حسن التدبير بلا أثر... لكنه يعني أن تقييم الوضع لا يكون منصفاً إذا اختزل الضيق في سوء التصرف، أو افترض أن الدخل الذي يبدو مقبولاً يعفي أصحابه من كل صعوبة.
& الفوارق لا تختزلها خانة واحدة
تبدو تسميات «فقير» و«متوسط» و«ميسور» سهلة في التداول، لكنها قد تخفي اختلافات داخل الفئة الواحدة.
فحين نضع أسراً متعددة في خانة واحدة، لا نعرف بالضرورة مدى استقرار مواردها، ولا ما إذا كانت تتوفر على مدخرات أو ممتلكات، ولا حجم الالتزامات التي تواجهها.
كما لا يخبرنا التصنيف المختصر بما تحصل عليه من خدمات، وما تضطر إلى توفيره بنفقات خاصة.
ويستدعي البعد المجالي بدوره الانتباه عند قراءة شروط العيش.
فلا ينبغي افتراض أن بنود الإنفاق وأولوياتها متطابقة بين جميع المجالات.
ومن الأسئلة الجديرة بالفحص، مثلاً، موقع كلفة التدفئة في ميزانيات الأسر بالمناطق الباردة، أو كلفة السكن والتنقل في المجالات التي يثقل فيها هذان الالتزامان على الموارد.
والغاية ليست استبدال جدول مبسط بآخر، وإنما الانتقال من ترتيب الناس بحسب المبالغ إلى فهم ما تمنحهم إياه مواردهم من قدرة فعلية على العيش.
& أسئلة ينبغي أن تسبق الحكم
قبل وضع الأسرة في موقع اجتماعي اعتماداً على مجموع دخلها، ينبغي أن نعرف:
كم فرداً يعتمد عليه؟ وما مدى استقراره؟
وما الالتزامات الضرورية التي يتحملها؟
وهل يتبقى منه ما يسمح بالادخار؟
وهل تستطيع الأسرة مواجهة طارئ دون اقتراض أو تأجيل حاجة أساسية؟
كما ينبغي النظر إلى مدى توفرها على السكن والخدمات والحماية الاجتماعية، لا إلى ما تتقاضاه وحده.
فالمورد المالي لا يعمل منفصلاً عن البيئة التي تنفقه فيها الأسرة، ولا عن الالتزامات المفروضة عليها.
لا تنشئ هذه الأسئلة عتبة جديدة للفقر، لكنها تمنع اختزال حياة الناس في رقم، وتساعد على التمييز بين دخل يبدو مطمئناً من الخارج ووضع يتطلب تدبيراً حذراً من الداخل.
ولهذا، فإن أي محاولة جادة لرسم السلم الاجتماعي مطالبة بتوضيح ما تقيسه، وكيف تقيسه، والفترة التي تعكسها نتائجها. فوضوح الأرقام لا يعوض غياب المنهجية.
& من تصنيف الأسر إلى فهم شروط عيشها
لا تكمن قيمة النقاش في إقناع أسرة بأنها فقيرة رغم تصورها العكس، أو بأنها ميسورة لأنها تجاوزت مبلغاً محدداً.
أيضاً لا ينبغي أن يتحول الحديث عن الصعوبات إلى منافسة لإثبات من يعاني أكثر.
فهناك أسر بموارد شديدة المحدودية، وأخرى تواجه التزامات مختلفة، ولا تلغي صعوبة وضع إحداها حقيقة الصعوبات التي تعيشها الأخرى.
المطلوب هو قراءة تميز بين مستويات الحاجة، وتفهم أسبابها، وتساعد على توجيه النقاش نحو تحسين شروط العيش.
ومن هذه الزاوية، يصبح من المهم ألا ننشغل فقط بمقدار الدخل، بل كذلك بما يخفف الالتزامات الضرورية، ويحسن الولوج إلى الخدمات، ويمنح الأسر قدرة أكبر على مواجهة التقلبات.
فحماية الاستقرار المعيشي لا تعني الاكتفاء ببلوغ حد أدنى من الموارد، وإنما النظر أيضاً إلى ما يحول دون استنزافها، وما يمنع تعثر الحياة عند أول مصروف طارئ.
& الكرامة أبعد من أداء الفواتير
العيش بكرامة يشمل القدرة على تلبية الحاجات الأساسية، لكنه لا يتوقف عندها... إنه يشمل أيضاً قدراً من الاطمئنان، وإمكانية التخطيط، ومساحة للاختيار، وألا تكون حياة الأسرة سلسلة متواصلة من المفاضلات بين ضرورات يصعب تأجيلها.
ولذلك، فإن السؤال الأدق ليس: هل هذا المبلغ كثير أم قليل
وإنما: كم شخصاً يعتمد عليه؟ وعلى ماذا يُنفق؟ وفي أي ظروف؟ وماذا يتبقى منه؟
إن المنشور المتداول يفتح باباً مشروعاً للنقاش، لكنه لا يغني عن قراءة متأنية لاختلاف الأوضاع.
فلا يصح التسليم بكل حدوده العددية، مثلما لا يصح تجاهل السؤال المعيشي الذي يثيره.
فالدخل رقم يمكن جمعه، أما الحياة التي يتعين أن يغطيها، فلا تُفهم إلا بالنظر إلى تفاصيلها.
وبين ما يدخل إلى البيت وما يبقى فيه من طمأنينة، تتحدد مسافة لا تختصرها خانة على سلم اجتماعي.











