مدونة فضاء الأطلس المتوسط نيوز "مازلنا هنا نقاوم وضمائرنا مرتاحة،عندما لانستطيع القيام بعملنا،سنكسر أقلامنا،ولا نبيعها."

أرشيف المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Powered By Blogger

التسميات

رايك يهمنا في شكل ومحتوى البوابة؟

المشاركات الشائعة

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

المشاركات الشائعة

Translate

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

بين الدخل والقدرة على العيش.. أين يقف المغاربة على السلم الاجتماعي؟

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
هل تكفي معرفة الدخل الشهري لأسرة مغربية حتى نحكم بأنها فقيرة أو متوسطة الحال أو ميسورة؟
وهل يمنح المبلغ نفسه مستوى العيش ذاته لأسرتين تختلفان في عدد أفرادهما ومكان إقامتهما والتزاماتهما؟
ثم أين تنتهي القدرة على تغطية الضروريات، وأين تبدأ إمكانية العيش باستقرار، لا مجرد تدبير المصاريف إلى نهاية الشهر؟
تثير هذه الأسئلة صورة متداولة تقدم سلماً اجتماعياً للأسر بحسب دخلها الشهري، وتضع من يقل دخلها عن 3000 درهم ضمن «الفقر المدقع»، ومن يتراوح دخلها بين 6000 و10 آلاف درهم ضمن فئة «الفقير»، بينما تحصر «الطبقة المتوسطة» بين 20 ألفاً و30 ألف درهم، وصولاً إلى فئة تصفها بعبارة «لاباس عليه» لمن يتجاوز دخلها 70 ألف درهم..
غير أن هذه الحدود العددية، في غياب توضيح مصدرها ومنهجيتها وسنتها المرجعية، لا ينبغي أن تتحول إلى أحكام قاطعة على أوضاع الناس.
فقيمة المنشور، بوصفه مدخلاً للنقاش، ليست في التسليم بخاناته، بل في السؤال الذي يطرحه:
ماذا يتيح الدخل للأسرة فعلياً، وما الذي يبقى لها بعد الوفاء بالتزاماتها؟
& الدخل على الورق.. والقدرة على العيش
ليس السؤال دائماً: كم يدخل إلى البيت؟ بل ماذا يستطيع هذا الدخل أن يوفر لمن يعيشون فيه؟
فالمبلغ الذي يبدو كافياً عند النظر إليه منفرداً قد يأخذ معنى مختلفاً حين نضع إلى جانبه عدد أفراد الأسرة، وكلفة السكن، ومصاريف الغذاء والتنقل والتعليم والعلاج، وما يرتبط بها من التزامات ثابتة ومتغيرة.
ولذلك، لا يصح افتراض أن أسرتين متساويتين في الدخل تعيشان بالضرورة في المستوى نفسه.
فامتلاك المسكن يختلف عن أداء الكراء، وغياب الديون يختلف عن تخصيص جزء من الموارد لسدادها..
كما تختلف حاجات أسرة قليلة الأفراد عن حاجات أخرى يعتمد فيها عدد أكبر على المورد نفسه.
هذه الفروق لا تلغي أهمية الدخل، لكنها تضعه في سياقه. فهو نقطة بداية لفهم الوضع المعيشي، وليس وصفاً كاملاً له.
& الانتظام لا يعني الوفرة
للدخل المنتظم أهميته في ترتيب المصاريف وتحديد الأولويات، لكنه لا يعني تلقائياً وجود فائض أو إمكانية الادخار.
فثمة فرق بين القدرة على أداء الالتزامات الشهرية، والقدرة على أدائها مع الاحتفاظ باحتياط مالي.
وقد لا يظهر هذا الفرق بوضوح في الأيام العادية، لكنه يصبح حاسماً عند بروز مصروف غير متوقع.
هنا يطرح سؤال الاستقرار الحقيقي نفسه:
هل تستطيع الأسرة مواجهة الطارئ دون أن تتخلى عن حاجة أساسية؟
وهل تملك هامشاً للمناورة، أم أن ميزانيتها موزعة سلفاً بحيث يفرض أي التزام إضافي إعادة ترتيبها بالكامل؟
إن القدرة على اجتياز الشهر ليست هي القدرة على الاطمئنان إلى الشهر المقبل.
وبين الأمرين مساحة تستحق أن تكون حاضرة عند مناقشة الفقر والهشاشة والانتماء إلى الطبقة الوسطى.
& ما يتبقى أهم مما يبدو
قد تمنح قيمة الدخل انطباعاً أولياً عن وضع الأسرة، لكن ما يتبقى منه بعد الضروريات يساعد على فهم مقدار ما تملكه من حرية الاختيار.
فهل تستطيع الادخار؟
وهل يمكنها التخطيط لمشروع أو تحسين سكنها أو تلبية حاجة مؤجلة؟
أم أن كل اختيار جديد يقتضي التضحية بالتزام آخر؟
ومن هنا، يبرز معنى الكفاية، ليس باعتبارها مبلغاً موحداً يصلح لجميع الأسر، بل باعتبارها علاقة بين الموارد والحاجات، وبين ما يتوفر عليه البيت وما يتعين عليه أداؤه.
ولا يعني ذلك أن كل المصاريف متساوية في الضرورة، أو أن حسن التدبير بلا أثر... لكنه يعني أن تقييم الوضع لا يكون منصفاً إذا اختزل الضيق في سوء التصرف، أو افترض أن الدخل الذي يبدو مقبولاً يعفي أصحابه من كل صعوبة.
& الفوارق لا تختزلها خانة واحدة
تبدو تسميات «فقير» و«متوسط» و«ميسور» سهلة في التداول، لكنها قد تخفي اختلافات داخل الفئة الواحدة.
فحين نضع أسراً متعددة في خانة واحدة، لا نعرف بالضرورة مدى استقرار مواردها، ولا ما إذا كانت تتوفر على مدخرات أو ممتلكات، ولا حجم الالتزامات التي تواجهها.
كما لا يخبرنا التصنيف المختصر بما تحصل عليه من خدمات، وما تضطر إلى توفيره بنفقات خاصة.
ويستدعي البعد المجالي بدوره الانتباه عند قراءة شروط العيش. 
فلا ينبغي افتراض أن بنود الإنفاق وأولوياتها متطابقة بين جميع المجالات.
ومن الأسئلة الجديرة بالفحص، مثلاً، موقع كلفة التدفئة في ميزانيات الأسر بالمناطق الباردة، أو كلفة السكن والتنقل في المجالات التي يثقل فيها هذان الالتزامان على الموارد.
والغاية ليست استبدال جدول مبسط بآخر، وإنما الانتقال من ترتيب الناس بحسب المبالغ إلى فهم ما تمنحهم إياه مواردهم من قدرة فعلية على العيش.
& أسئلة ينبغي أن تسبق الحكم
قبل وضع الأسرة في موقع اجتماعي اعتماداً على مجموع دخلها، ينبغي أن نعرف:
كم فرداً يعتمد عليه؟ وما مدى استقراره؟
وما الالتزامات الضرورية التي يتحملها؟
وهل يتبقى منه ما يسمح بالادخار؟
وهل تستطيع الأسرة مواجهة طارئ دون اقتراض أو تأجيل حاجة أساسية؟
كما ينبغي النظر إلى مدى توفرها على السكن والخدمات والحماية الاجتماعية، لا إلى ما تتقاضاه وحده.
فالمورد المالي لا يعمل منفصلاً عن البيئة التي تنفقه فيها الأسرة، ولا عن الالتزامات المفروضة عليها.
لا تنشئ هذه الأسئلة عتبة جديدة للفقر، لكنها تمنع اختزال حياة الناس في رقم، وتساعد على التمييز بين دخل يبدو مطمئناً من الخارج ووضع يتطلب تدبيراً حذراً من الداخل.
ولهذا، فإن أي محاولة جادة لرسم السلم الاجتماعي مطالبة بتوضيح ما تقيسه، وكيف تقيسه، والفترة التي تعكسها نتائجها. فوضوح الأرقام لا يعوض غياب المنهجية.
& من تصنيف الأسر إلى فهم شروط عيشها
لا تكمن قيمة النقاش في إقناع أسرة بأنها فقيرة رغم تصورها العكس، أو بأنها ميسورة لأنها تجاوزت مبلغاً محدداً.
أيضاً لا ينبغي أن يتحول الحديث عن الصعوبات إلى منافسة لإثبات من يعاني أكثر.
فهناك أسر بموارد شديدة المحدودية، وأخرى تواجه التزامات مختلفة، ولا تلغي صعوبة وضع إحداها حقيقة الصعوبات التي تعيشها الأخرى.
المطلوب هو قراءة تميز بين مستويات الحاجة، وتفهم أسبابها، وتساعد على توجيه النقاش نحو تحسين شروط العيش.
ومن هذه الزاوية، يصبح من المهم ألا ننشغل فقط بمقدار الدخل، بل كذلك بما يخفف الالتزامات الضرورية، ويحسن الولوج إلى الخدمات، ويمنح الأسر قدرة أكبر على مواجهة التقلبات.
فحماية الاستقرار المعيشي لا تعني الاكتفاء ببلوغ حد أدنى من الموارد، وإنما النظر أيضاً إلى ما يحول دون استنزافها، وما يمنع تعثر الحياة عند أول مصروف طارئ.
& الكرامة أبعد من أداء الفواتير
العيش بكرامة يشمل القدرة على تلبية الحاجات الأساسية، لكنه لا يتوقف عندها... إنه يشمل أيضاً قدراً من الاطمئنان، وإمكانية التخطيط، ومساحة للاختيار، وألا تكون حياة الأسرة سلسلة متواصلة من المفاضلات بين ضرورات يصعب تأجيلها.
ولذلك، فإن السؤال الأدق ليس: هل هذا المبلغ كثير أم قليل
وإنما: كم شخصاً يعتمد عليه؟ وعلى ماذا يُنفق؟ وفي أي ظروف؟ وماذا يتبقى منه؟
إن المنشور المتداول يفتح باباً مشروعاً للنقاش، لكنه لا يغني عن قراءة متأنية لاختلاف الأوضاع.
فلا يصح التسليم بكل حدوده العددية، مثلما لا يصح تجاهل السؤال المعيشي الذي يثيره.
فالدخل رقم يمكن جمعه، أما الحياة التي يتعين أن يغطيها، فلا تُفهم إلا بالنظر إلى تفاصيلها.
وبين ما يدخل إلى البيت وما يبقى فيه من طمأنينة، تتحدد مسافة لا تختصرها خانة على سلم اجتماعي.

من 500 ألف إلى 800 ألف درهم: هل يعيد مشروع مالية 2027 رسم خريطة الصفقات العمومية بالمغرب؟

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/بقلم : محمد لشهب
باحث في التدبير العمومي والمالية العامة
في قراءة قانونية نقدية لاصلاح سندات الطلب وتوسيع فرص المقاول الذاتي والمقاولات الصغرى والمتوسطة بين رهان التمكين الاقتصادي وتحديات الحكامة، يناقش الباحث في التدبير العمومي والمالية العامة الاستاذ محمد لشهب منشور رئيس الحكومة رقم 12/2026، الصادر بتاريخ 5 غشت 2026، والمتعلق بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 ويتساءل عن إعادة هذا المشروع رسم خريطة الصفقات العمومية بالمغرب.. وهذا مضمون قراءته وتحليله للموضوع: 
يشكل الطلب العمومي إحدى الأدوات الاستراتيجية التي تعتمدها الدولة لتوجيه النشاط الاقتصادي، وتحفيز الاستثمار، ودعم النسيج المقاولاتي الوطني، بالنظر إلى ما يمثله من أهمية في تحريك الدورة الاقتصادية وتوفير فرص الشغل وتعزيز التنمية الترابية. 
ولم تعد الصفقات العمومية، في ظل التحولات التي يعرفها التدبير العمومي الحديث، مجرد وسيلة قانونية لتلبية حاجيات الإدارة من الأشغال والتوريدات والخدمات، بل أضحت آلية للتدخل الاقتصادي، ورافعة لتحقيق أهداف السياسات العمومية، ووسيلة لإعادة توزيع الفرص الاقتصادية بين مختلف الفاعلين.
وفي هذا السياق، حمل منشور رئيس الحكومة رقم 12/2026، الصادر بتاريخ 5 غشت 2026، والمتعلق بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، توجهاً إصلاحياً مهماً يمس إحدى الآليات الأساسية لتدبير الطلب العمومي، ويتعلق الأمر بالرفع المرتقب للسقف المالي لسندات الطلب من 500.000 درهم إلى 800.000 درهم، إلى جانب رفع سقف المبلغ التقديري لطلب العروض المفتوح المبسط من مليون درهم إلى مليون ونصف درهم، بالنسبة للمسطرة التي لا يتضمن ملفها التقني الشهادات المرجعية للمتنافسين.
وتكتسي هذه التوجهات أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها المباشر بتيسير ولوج المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة إلى الطلبات العمومية، وتخفيف بعض الأعباء الإدارية والتقنية التي قد تحد من قدرتها على المنافسة، في إطار التوجه العام نحو تحسين مناخ الأعمال وتعزيز الاستثمار.
غير أن هذه المستجدات تطرح إشكالات قانونية وعملية تتجاوز حدود الرفع من السقف المالي للطلبات العمومية، لتمس جوهر العلاقة بين الإدارة والمتعاملين الاقتصاديين، وحدود السلطة التقديرية للمشتري العمومي، ومدى القدرة على التوفيق بين تبسيط المساطر وضمان احترام مبادئ المنافسة والمساواة والشفافية وحسن استعمال المال العام.
فهل يشكل هذا التوجه تحولاً نوعياً في فلسفة تدبير الطلب العمومي بالمغرب؟ 
وإلى أي حد يمكن أن يسهم في توسيع قاعدة المقاولات المستفيدة من الإنفاق العمومي؟ 
ثم ما الضمانات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بمنع تحول المرونة الإدارية إلى مجال لتقليص المنافسة أو إضعاف الرقابة على المال العام؟
أولاً: إصلاح سندات الطلب في سياق إعادة توجيه الوظيفة الاقتصادية للصفقات العمومية
إن قراءة التوجهات الواردة في منشور رئيس الحكومة المتعلق بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يمكن فصلها عن التحولات التي عرفها النظام القانوني للصفقات العمومية بالمغرب، خصوصاً بعد صدور المرسوم رقم 2.22.431 بتاريخ 8 مارس 2023 المتعلق بالصفقات العمومية.
فهذا المرسوم جاء في سياق تطوير الإطار التنظيمي للطلب العمومي، من خلال تكريس مجموعة من المبادئ المرتبطة بحرية الولوج إلى الطلبات العمومية، والمساواة في التعامل مع المتنافسين، وضمان حقوقهم، والشفافية في اختيار أصحاب الصفقات، إلى جانب تعزيز الفعالية والنجاعة في استعمال الموارد العمومية.
كما سعى إلى تحسين شروط مشاركة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، والتعاونيات والمقاولين الذاتيين، باعتبارهم فاعلين اقتصاديين يمكن أن يساهموا في تنشيط الاقتصاد الوطني وتوسيع قاعدة الإنتاج والخدمات.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطاً بمدى قدرة الإطار القانوني والتنظيمي على تجاوز الإكراهات التي تواجه الفاعلين الاقتصاديين، خصوصاً تلك المتعلقة بتعقيد المساطر الإدارية، واشتراط بعض المؤهلات التقنية والمالية، وصعوبة إعداد ملفات المنافسة، ومحدودية الموارد البشرية والمالية المتاحة للمقاولات الصغيرة.
ومن هذا المنطلق، فإن التوجه نحو رفع سقف سندات الطلب يندرج ضمن مقاربة تروم توسيع مجال المساطر المبسطة، وتمكين الإدارة من تلبية حاجياتها بمرونة أكبر، مع فتح فرص تعاقدية أوسع أمام المقاولات ذات الإمكانات المحدودة.
وتعتبر سندات الطلب، وفق التنظيم القانوني للصفقات العمومية، آلية خاصة تسمح بإنجاز بعض الأشغال واقتناء التوريدات والخدمات وفق إجراءات مبسطة، مع التقيد بالشروط والضوابط التي يحددها القانون.
وقد نظمت المادة 91 من المرسوم رقم 2.22.431 هذه الآلية، وحددت سقفها المالي في 500.000 درهم مع احتساب الرسوم، وفق نطاق تطبيقها وشروطها.
وبالتالي، فإن رفع هذا السقف إلى 800.000 درهم، في حال استكمال التعديل التنظيمي ودخوله حيز التنفيذ، سيمثل زيادة بنسبة 60 في المائة، وهي نسبة مهمة من شأنها توسيع المجال المالي للطلبات التي يمكن للإدارة تنفيذها بواسطة سندات الطلب.
لكن أهمية هذا التعديل لا تتحدد فقط في الزيادة الرقمية للسقف المالي، بل في انعكاساته المحتملة على طبيعة المنافسة، وحجم الفرص المتاحة للمقاولات الصغيرة، وآليات الرقابة على القرارات الإدارية المتعلقة بالشراء العمومي.
ثانياً: رفع سقف سندات الطلب إلى 800 ألف درهم بين تبسيط المساطر وتوسيع الفرص الاقتصادية
إن التوجه نحو الرفع من السقف المالي لسندات الطلب يعكس إرادة حكومية لتقليص بعض القيود الإجرائية التي قد تؤثر على سرعة تنفيذ الطلبات العمومية، خصوصاً بالنسبة للحاجيات التي لا تستدعي، بالنظر إلى طبيعتها وقيمتها، اللجوء إلى مساطر أكثر تعقيداً.
فمن الناحية الإدارية، يسمح توسيع نطاق سندات الطلب للمصالح العمومية بالتوفر على هامش أكبر من المرونة في اقتناء التوريدات وإنجاز بعض الأشغال والخدمات، بما يمكن أن يساهم في تحسين استمرارية المرافق العمومية وتسريع تنفيذ النفقات.
ومن الناحية الاقتصادية، قد يشكل هذا التوجه فرصة للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة للاستفادة من طلبات ذات قيمة مالية أكبر، دون تحمل جميع الأعباء الإجرائية التي قد ترتبط ببعض مساطر إبرام الصفقات العمومية.
وتبرز أهمية ذلك بالنظر إلى أن جزءً من هذه المقاولات يواجه صعوبات في الولوج إلى السوق العمومية، ليس بالضرورة بسبب ضعف كفاءته المهنية، وإنما نتيجة محدودية قدراته المالية والإدارية مقارنة بالمقاولات الكبرى.
كما أن رفع السقف المالي لسندات الطلب قد يسمح بتوسيع مجالات تدخل المقاولين الذاتيين في بعض الخدمات والأشغال والتوريدات التي تتلاءم مع طبيعة أنشطتهم وقدراتهم المهنية.
غير أن هذا التوجه لا ينبغي أن يفهم باعتباره إعفاءً لهذه الفئات من الالتزامات القانونية والتنظيمية المرتبطة بالتعاقد مع الإدارة.
فالمقاول الذاتي، شأنه شأن باقي المتعاملين الاقتصاديين، يظل ملزماً باحترام الشروط القانونية ذات الصلة بنشاطه، وبالوفاء بالالتزامات الناشئة عن سند الطلب، وبضمان جودة الخدمات أو التوريدات موضوع التعاقد.
كما أن الاستفادة من هذه الفرص يجب أن تتم وفق قواعد المنافسة والشفافية التي يؤطرها النظام القانوني للطلب العمومي.
ومن ثم، فإن نجاح هذا الإصلاح يتوقف على مدى قدرته على تحقيق توازن دقيق بين تبسيط المساطر الإدارية وتوسيع فرص الولوج، دون المساس بالمبادئ التي تحكم تدبير المال العام.
ثالثاً: رفع سقف طلب العروض المفتوح المبسط إلى 1.5 مليون درهم: إصلاح موازٍ لا يقل أهمية
من المستجدات المهمة التي تضمنها منشور رئيس الحكومة رقم 12/2026، والتي تستحق اهتماماً خاصاً من الباحثين والممارسين في مجال الصفقات العمومية، التوجه نحو رفع سقف المبلغ التقديري لطلب العروض المفتوح المبسط، الذي لا يتضمن ملفه التقني للمتنافس الشهادات المرجعية، من مليون درهم إلى مليون ونصف درهم.
ويمثل هذا التوجه زيادة بنسبة 50 في المائة مقارنة بالسقف المشار إليه في المنشور.
وتكمن أهميته في ارتباطه بإحدى الإشكاليات التي تواجه المقاولات حديثة النشأة، والمقاولين الذاتيين، وبعض المقاولات الصغيرة، والمتعلقة بصعوبة تقديم مراجع مهنية سابقة عند المشاركة في الصفقات العمومية.
فاشتراط الشهادات المرجعية، وإن كان يستجيب في حالات معينة لحاجة الإدارة إلى التحقق من الخبرة المهنية للمتنافسين، قد يتحول إلى عائق أمام دخول فاعلين اقتصاديين جدد إلى السوق العمومية.
وتتجلى المفارقة في أن المقاولة قد تكون قادرة على إنجاز الخدمة المطلوبة، لكنها تجد نفسها عاجزة عن المشاركة في بعض المنافسات بسبب عدم توفرها على تجارب سابقة مثبتة بالشهادات المطلوبة.
ومن هنا تبرز أهمية توسيع نطاق طلب العروض المفتوح المبسط الذي لا يستلزم تقديم هذه الشهادات ضمن الملف التقني.
فهذا الإجراء من شأنه أن يساهم في تخفيف بعض شروط المشاركة، وتوسيع قاعدة المتنافسين، وفتح المجال أمام المقاولات الناشئة لتكوين رصيد من التجارب المهنية يسمح لها مستقبلاً بالمشاركة في صفقات أكثر أهمية.
غير أن عدم اشتراط الشهادات المرجعية لا يعني التخلي عن التحقق من القدرة المهنية والتقنية للمتنافسين وفق الشروط التنظيمية الأخرى المطبقة.
فالإدارة تظل مطالبة بالتأكد من قدرة المتعاقد على تنفيذ موضوع الصفقة، بما يضمن جودة الإنجاز وحماية المصلحة العامة.
وعليه، فإن هذا التوجه يمكن اعتباره مكملاً لإصلاح سندات الطلب، لأنه يعالج جانباً مختلفاً من صعوبات الولوج إلى الطلب العمومي، ويتعلق بشروط المشاركة في مساطر المنافسة.
رابعاً: المقاول الذاتي والمقاولات الصغرى والمتوسطة أمام فرصة لإعادة التموقع في السوق العمومية
إن الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للإصلاح المرتقب تتجلى في إمكانية مساهمته في إعادة توزيع الفرص التي يوفرها الطلب العمومي، بما يسمح بتوسيع قاعدة المستفيدين منه.
فالمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة تشكل مكوناً أساسياً من مكونات النسيج المقاولاتي المغربي، كما تضطلع بدور مهم في خلق فرص الشغل وتنشيط الاقتصاد المحلي.
غير أن هذه المقاولات لا تستفيد دائماً من الطلبات العمومية بالقدر الذي يتناسب مع حضورها الاقتصادي، نتيجة مجموعة من العوامل المرتبطة بالقدرة المالية والتقنية والإدارية.
وفي هذا السياق، فإن تبسيط بعض المساطر ورفع السقوف المالية قد يساعد على تحسين شروط مشاركتها في تنفيذ الطلبات العمومية.
كما أن انفتاح منظومة الطلب العمومي على المقاول الذاتي يمكن أن يساهم في تعزيز الإدماج الاقتصادي، وتوفير فرص لتطوير الأنشطة الفردية المنظمة.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يستلزم تجاوز المقاربة التي تختزل دعم المقاولات الصغيرة في مجرد تخفيف شروط الولوج.
فالمشكلة لا تتعلق بالمشاركة في المنافسة فقط، بل تشمل أيضاً القدرة على تنفيذ الالتزامات التعاقدية، وتوفير التمويل اللازم، وتحمل النفقات السابقة على الأداء، واحترام الآجال والشروط التقنية.
ومن ثم، فإن توسيع فرص المقاولات الصغيرة يجب أن يواكبه تحسين شروط الأداء، وتعزيز التكوين والمواكبة، وتسهيل الحصول على المعلومات المتعلقة بالطلبات العمومية.
كما ينبغي أن يندرج الإصلاح ضمن رؤية أشمل تهدف إلى تمكين هذه المقاولات من الانتقال التدريجي من تنفيذ طلبات محدودة القيمة إلى المشاركة في مشاريع أكثر أهمية.
وهكذا، فإن الطلب العمومي يمكن أن يتحول إلى آلية لتأهيل المقاولات وتطوير تنافسيتها، وليس مجرد مصدر ظرفي للمعاملات التجارية.
خامساً: توسيع سندات الطلب وحدود السلطة التقديرية للإدارة
رغم المزايا المحتملة لرفع سقف سندات الطلب، فإن هذا التوجه يثير إشكالات قانونية ترتبط بحدود السلطة التقديرية التي تتمتع بها الإدارة في مجال الشراء العمومي.
فكلما اتسع نطاق اللجوء إلى المساطر المبسطة، ازدادت أهمية الضمانات المرتبطة باختيار المتعاقدين وتبرير القرارات المتخذة.
ذلك أن تبسيط الإجراءات لا ينبغي أن يؤدي إلى إضعاف المنافسة أو الحد من فرص اطلاع المتعاملين الاقتصاديين على الطلبات العمومية.
كما أن رفع السقف المالي قد يثير مخاطر مرتبطة بتركيز الطلبيات لدى عدد محدود من الموردين، أو اللجوء المتكرر إلى المتعاملين أنفسهم دون مبررات موضوعية.
وتبرز كذلك إشكالية تجزئة الطلبات العمومية، عندما يتم تقسيم حاجيات مترابطة بصورة مصطنعة بهدف إبقائها ضمن السقف المالي الذي يسمح باستعمال سندات الطلب.
وتكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة في ظل احتمال رفع السقف من 500.000 إلى 800.000 درهم.
فإذا كان الهدف من الإصلاح يتمثل في تعزيز المرونة والنجاعة، فإن تحقيقه يقتضي المحافظة على القواعد المنظمة لتحديد الحاجيات ومنع تجزئتها بصورة مخالفة للقانون.
كما ينبغي ضمان إمكانية تتبع سندات الطلب، وتوثيق إجراءات اختيار المتعاقدين، والتحقق من احترام الشروط المتعلقة بالمنافسة.
فالمعيار الحقيقي لنجاح الإصلاح ليس مقدار ما تستطيع الإدارة إنفاقه بواسطة سندات الطلب، وإنما مدى قدرتها على إنفاقه بكفاءة وشفافية وفي إطار احترام القانون.
ومن هنا، فإن توسيع نطاق سندات الطلب يجب أن يقترن بتطوير آليات الحكامة والرقابة، حتى لا يتحول التبسيط الإداري إلى مصدر لاختلال التوازن بين مرونة التدبير وضمانات المشروعية.
سادساً: إشكالية الطبيعة القانونية للإصلاح بين منشور رئيس الحكومة والمرسوم المنظم للصفقات العمومية
تثير التوجهات الواردة في منشور رئيس الحكومة رقم 12/2026 مسألة قانونية دقيقة تتعلق بالطبيعة القانونية للإجراء المرتقب وآليات دخوله حيز التنفيذ.
فالمنشور المذكور يندرج في إطار توجيه القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، ويحدد الأولويات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي يتعين استحضارها في هذه العملية.
غير أن المنشور، باعتباره أداة للتوجيه الإداري، لا يمكن أن يعدل بمفرده المقتضيات التنظيمية الواردة في مرسوم الصفقات العمومية.
وبالتالي، فإن رفع سقف سندات الطلب إلى 800.000 درهم يظل مرتبطاً باستكمال المسطرة القانونية والتنظيمية اللازمة لتعديل المقتضيات المعنية، ونشر النص المعدل وفق القواعد الجاري بها العمل.
ويستفاد من صياغة المنشور أن الحكومة تتجه إلى تسريع إخراج وتنزيل إصلاح المرسوم المتعلق بالصفقات العمومية، بما يؤكد أن الأمر يتعلق بتوجه إصلاحي يستدعي اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.
وهذا التمييز بين الإعلان عن الإصلاح ودخوله حيز التنفيذ يكتسي أهمية بالغة، خصوصاً بالنسبة للإدارات والآمرين بالصرف والمقاولات الراغبة في الاستفادة من السقف الجديد.
فالمشروعية القانونية تقتضي استمرار تطبيق النصوص النافذة إلى حين تعديلها وفق الإجراءات المقررة.
كما أن إدراج هذا التوجه ضمن أولويات إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يعني بالضرورة أن قانون المالية نفسه هو الأداة القانونية التي ستتولى تعديل سقف سندات الطلب.
ومن ثم، فإن القراءة القانونية السليمة للإصلاح تستوجب التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة: التوجه الحكومي المعلن، والتعديل التنظيمي اللازم، والتطبيق العملي للمقتضيات الجديدة بعد دخولها حيز التنفيذ.
سابعاً: الرقمنة والرقابة كمدخلين أساسيين لضمان فعالية الإصلاح
إن نجاح التوجه نحو توسيع نطاق سندات الطلب وتبسيط الولوج إلى الصفقات العمومية يستلزم تعزيز الشفافية وتطوير آليات التتبع والمراقبة.
وتشكل الرقمنة إحدى الوسائل الأساسية لتحقيق هذا الهدف، بالنظر إلى قدرتها على تحسين تداول المعلومات المتعلقة بالطلبات العمومية وتيسير اطلاع الفاعلين الاقتصاديين عليها.
كما يمكن أن تساهم في تقليص بعض الأعباء الإدارية، وتعزيز إمكانية تتبع مراحل الشراء العمومي، وإنتاج معطيات دقيقة حول طبيعة الطلبات وقيمتها والمستفيدين منها.
ومن شأن تطوير هذه الآليات أن يسمح بتقييم الأثر الحقيقي للإصلاح على مستوى توسيع قاعدة المقاولات المستفيدة.
فلا يكفي الإعلان عن تبسيط المساطر أو رفع السقوف المالية، بل ينبغي التحقق من مدى مساهمة هذه التدابير في استقطاب فاعلين اقتصاديين جدد، وتحسين مستوى المنافسة، والرفع من جودة الخدمات والأشغال والتوريدات المنجزة.
كما يتعين تعزيز آليات الرقابة الإدارية والمالية، خصوصاً فيما يتعلق بتحديد الحاجيات، وتبرير اختيار المتعاقدين، ومراقبة تنفيذ الطلبات، والتأكد من احترام القواعد القانونية ذات الصلة.
ويبرز هنا دور أجهزة الرقابة المختصة في ضمان سلامة العمليات المرتبطة بالإنفاق العمومي، والكشف عن الاختلالات المحتملة، والمساهمة في تطوير الممارسات الإدارية.
فالرقابة الفعالة لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها عائقاً أمام سرعة تنفيذ النفقات، وإنما باعتبارها ضمانة أساسية لتحقيق النجاعة وحماية المال العام.
ومن ثم، فإن الإصلاح المنشود يجب أن يقوم على مبدأ التكامل بين تبسيط المساطر وتعزيز المسؤولية والمساءلة.
ثامناً: نحو تصور جديد للطلب العمومي يقوم على العدالة الاقتصادية والنجاعة الإدارية
إن التوجهات المرتبطة بمشروع قانون المالية لسنة 2027 تتيح فرصة لإعادة التفكير في الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية للطلب العمومي.
فالدولة، من خلال مشترياتها العمومية، لا تقتصر على تلبية حاجيات مرافقها، بل تؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في بنية السوق، وفي توزيع الفرص الاقتصادية، وفي قدرة المقاولات على النمو والتطور.
ومن هذا المنطلق، فإن دعم ولوج المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين إلى الطلب العمومي ينبغي أن يندرج ضمن سياسة عمومية متكاملة لتطوير النسيج المقاولاتي الوطني.
وتقتضي هذه السياسة الانتقال من التركيز على عدد الطلبات والصفقات إلى تقييم أثرها الاقتصادي والاجتماعي.
كما تستلزم اعتماد مقاربة تراعي خصوصيات المقاولات الصغيرة، دون الإخلال بمبادئ المساواة والمنافسة.
ويبرز في هذا الإطار دور الإدارة العمومية في تطوير ممارسات الشراء العمومي، من خلال التحديد الدقيق للحاجيات، واعتماد شروط مشاركة متناسبة مع طبيعة الطلبات، وتجنب المتطلبات التقنية أو المالية غير المبررة.
كما أن تقسيم بعض الصفقات إلى حصص، عندما تسمح طبيعتها بذلك ووفق الضوابط القانونية، يمكن أن يشكل وسيلة لتحسين فرص مشاركة المقاولات الصغيرة.
ولا يقل عن ذلك أهمية احترام آجال الأداء، باعتبار أن التأخر في تسوية المستحقات قد يشكل أحد أبرز العوامل التي تحد من قدرة المقاولات الصغيرة على الاستمرار في تنفيذ الطلبات العمومية.
وعليه، فإن فعالية الإصلاح لا تتحدد فقط بما يوفره من فرص جديدة للولوج إلى السوق العمومية، وإنما أيضاً بمدى مساهمته في توفير شروط تعاقدية متوازنة تضمن استمرارية المقاولات وجودة الإنجاز.
خاتمة: إصلاح واعد يضع حكامة الطلب العمومي أمام اختبار جديد
إن التوجه الحكومي نحو رفع السقف المالي لسندات الطلب من 500.000 إلى 800.000 درهم، ورفع سقف المبلغ التقديري لطلب العروض المفتوح المبسط من مليون إلى مليون ونصف درهم، وفق ما ورد في منشور رئيس الحكومة رقم 12/2026 المتعلق بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، يمثل خطوة إصلاحية محتملة ذات أبعاد قانونية واقتصادية مهمة.
فمن جهة، يمكن أن يساهم هذا التوجه في تبسيط بعض إجراءات الشراء العمومي، وتسريع تنفيذ النفقات، وتوسيع فرص استفادة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة من الطلبات العمومية.
ومن جهة ثانية، يطرح تحديات ترتبط بضرورة ضمان المنافسة والشفافية، ومنع تجزئة الطلبات، وتعزيز آليات المراقبة والتتبع، والمحافظة على مبادئ حسن استعمال المال العام.
كما أن أهمية هذا الإصلاح تتجاوز الزيادة الرقمية في السقوف المالية، لتشمل إمكانية إعادة النظر في بعض العوائق التي تحول دون مشاركة المقاولات حديثة النشأة والمقاولين الذاتيين في السوق العمومية.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مشروطاً باستكمال التعديلات التنظيمية اللازمة، وضمان وضوح القواعد القانونية، وتطوير قدرات الإدارات والمقاولات على استيعاب المقتضيات الجديدة وتطبيقها بصورة سليمة.
وبناءً على ذلك، فإن نجاح الإصلاح يستدعي اعتماد رؤية متكاملة تجعل من تبسيط المساطر وسيلة لتحسين النجاعة، لا مدخلاً لإضعاف المنافسة، ومن توسيع الفرص الاقتصادية آلية لدعم المقاولة الوطنية، لا مجرد إجراء إداري محدود الأثر.
فالرهان الحقيقي لا يكمن في الانتقال من سقف 500 ألف إلى 800 ألف درهم، وإنما في الانتقال من طلب عمومي تُقاس نجاعته بسرعة إنفاق الاعتمادات، إلى طلب عمومي تُقاس فعاليته بجودة الإنجاز، وعدالة توزيع الفرص، وشفافية الاختيار، وأثره الإيجابي على الاقتصاد الوطني.
وبذلك، فإن إصلاح سندات الطلب، إذا أحسن تأطيره وتنزيله، قد يشكل لبنة إضافية في مسار بناء منظومة للطلب العمومي أكثر انفتاحاً ومرونة وفعالية، قادرة على التوفيق بين متطلبات التدبير الإداري الحديث وضرورات حماية المال العام وتعزيز الثقة بين الإدارة والفاعلين الاقتصاديين.

نعرف من نحن.. ولكن إلى أين نمضي؟

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
في حكاية متداولة تُنسب إلى العالم ألبرت إنشتاين، دون الجزم بصحة نسبتها إليه، يُروى أنه كان يستقل قطاراً حين وصل إليه مراقب التذاكر. 
شرع العالم يبحث عن تذكرته في جيوب سترته وسرواله ومحفظته، لكنه لم يعثر عليها.
ولما لاحظ المراقب ارتباكه، بادره مطمئناً: «سيد إنشتاين، أعرفك، وأنا على يقين بأنك اقتنيت تذكرتك، فلا داعي للقلق».
واصل المراقب عمله، لكنه التفت بعد قليل، فوجد إنشتاين منحنياً يبحث تحت مقعده. 
عاد إليه ليؤكد أنه ليس مطالباً بإظهار التذكرة، وأن هويته وثقة الناس به تكفيان. 
غير أن الجواب جاء على غير ما توقع: «أعرف أنك عرفتني، وأنا أيضاً أعرف من أكون؛ لكنني لا أعرف إلى أين أنا ذاهب، ولهذا أبحث عن تذكرتي!».
وسواء وقعت الحكاية كما رُويت أم كانت من القصص التي تُنسج حول الشخصيات الشهيرة، فإن قيمتها التأملية تكمن في هذه المفارقة: 
المراقب كان منشغلاً بهوية الراكب وحقه في السفر، بينما كان الراكب منشغلاً بوجهته. 
الأول رأى مشكلة يمكن حلها بالثقة، والثاني أدرك سؤالاً لا تجيب عنه الشهرة.
& بين معرفة الذات ومعرفة الطريق
أن يعرف الإنسان من يكون أمر مهم، لكنه لا يعفيه من معرفة ما يريد. 
فقد يملك اسماً معروفاً، وتجربة طويلة، ومكانة محترمة، ثم يجد نفسه عاجزاً عن تحديد الخطوة التالية أو تفسير المسار الذي يمضي فيه.
هنا تضعنا الحكاية أمام سؤال يبدو بسيطاً، لكنه أعمق مما يوحي به: هل نعرف حقاً إلى أين نتجه، أم أننا اكتفينا بالاطمئنان إلى أننا نتحرك؟
فالوجود داخل القطار لا يعني الوصول إلى الوجهة المنشودة، كما أن سرعة الرحلة لا تضمن صحة المسار.
وقد تصبح السرعة عبئاً حين تبعدنا عن غايتنا، ويصبح التوقف للمراجعة أكثر نفعاً من الاستمرار لمجرد أننا بدأنا.
ليست المشكلة دائماً في نقص الجهد، بل قد تكون في غياب البوصلة التي تمنح ذلك الجهد معناه.
& حين يُجاب عن السؤال الخطأ
في الحكاية درس آخر لا يقل أهمية. فقد كان المراقب لطيفاً ومتفهماً، لكنه حاول حل مشكلة لم تكن هي المشكلة الحقيقية. 
ظن أن المسافر يخشى الإحراج أو المساءلة، بينما كان يبحث عن معلومة يحتاجها ليعرف أين ينزل.
كم من حوار يمكن أن يستضيء بهذه المفارقة؟ قد نطمئن شخصاً إلى أن مكانته محفوظة، بينما يشغله معنى ما يفعل. 
وقد نقدم جواباً جاهزاً قبل أن نفهم السؤال، أو نعرض مساعدة لا تمس أصل الحاجة.
من هنا، لا يكون الإنصات مجرد انتظار انتهاء الكلام، بل محاولة لفهم ما وراءه. 
فحسن النية يكتمل بحسن الفهم، والمساعدة تبدأ حين نرى المشكلة كما يعيشها صاحبها، لا كما نتخيلها نحن.
& من الرحلة الشخصية إلى المسؤولية العامة
وإذا نقلنا سؤال الحكاية من حياة الفرد إلى تدبير الشأن العام، اتسع معناه: 
لا يكفي أن نعرف من يقود، بل ينبغي أن نعرف إلى أين يقود، وما الغاية من الرحلة، وكيف يمكن التأكد من أننا نسير في الاتجاه الصحيح؟
فالصفة لا تقوم مقام الرؤية، والثقة لا تغني عن وضوح الأهداف، وكثرة الحركة لا تعوض غياب النتائج. 
وليس المقصود التقليل من قيمة التجربة أو المكانة، وإنما التأكيد أن قيمتهما تظهر في حسن توظيفهما، لا في الاكتفاء بالاحتماء بهما.
وعند تقييم أي مسار، شخصياً كان أو مؤسساتياً، يصبح من المفيد أن نسأل: 
& ماذا نريد أن نغيّر؟ ولمن؟ 
وما الذي سيتيح لنا معرفة أننا اقتربنا من هدفنا؟ ومتى ينبغي أن نراجع الطريق؟
بهذا المعنى، لا تكون المراجعة اعترافاً بالعجز، بل ممارسة للمسؤولية. 
ومن يكتشف أنه فقد وجهته لا يحتاج إلى مزيد من المديح، وإنما إلى ما يساعده على استعادتها.
& التذكرة التي نحتاجها
يمكن أن نقرأ التذكرة الضائعة في هذه الحكاية بوصفها رمزاً للهدف الذي ننساه وسط انشغالات الطريق. 
فحين تطول الرحلة، قد ننصرف إلى المقعد الذي نجلس عليه، وإلى نظرة الركاب إلينا، وننسى المحطة التي ركبنا القطار من أجلها.
ولعل أشد ما يستحق التأمل في جواب المسافر أنه لم يعتبر معرفة الناس به حلاً لمشكلته. لم يبحث عما يثبت مكانته، بل عما يحدد وجهته.
وتلك هي العبرة: أن نمنح سؤال «إلى أين نمضي؟» ما يستحقه من صدق واهتمام، وألا نسمح للألقاب أو الاعتياد أو تصفيق الآخرين بأن تجيب عنه نيابة عنا.
فقد يعرفنا الجميع، ويثق بنا الجميع، لكن أحداً لا يستطيع أن يعفينا من مسؤولية معرفة الطريق الذي اخترناه.