فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
في حكاية متداولة تُنسب إلى العالم ألبرت إنشتاين، دون الجزم بصحة نسبتها إليه، يُروى أنه كان يستقل قطاراً حين وصل إليه مراقب التذاكر.
شرع العالم يبحث عن تذكرته في جيوب سترته وسرواله ومحفظته، لكنه لم يعثر عليها.
ولما لاحظ المراقب ارتباكه، بادره مطمئناً: «سيد إنشتاين، أعرفك، وأنا على يقين بأنك اقتنيت تذكرتك، فلا داعي للقلق».
واصل المراقب عمله، لكنه التفت بعد قليل، فوجد إنشتاين منحنياً يبحث تحت مقعده.
عاد إليه ليؤكد أنه ليس مطالباً بإظهار التذكرة، وأن هويته وثقة الناس به تكفيان.
غير أن الجواب جاء على غير ما توقع: «أعرف أنك عرفتني، وأنا أيضاً أعرف من أكون؛ لكنني لا أعرف إلى أين أنا ذاهب، ولهذا أبحث عن تذكرتي!».
وسواء وقعت الحكاية كما رُويت أم كانت من القصص التي تُنسج حول الشخصيات الشهيرة، فإن قيمتها التأملية تكمن في هذه المفارقة:
المراقب كان منشغلاً بهوية الراكب وحقه في السفر، بينما كان الراكب منشغلاً بوجهته.
الأول رأى مشكلة يمكن حلها بالثقة، والثاني أدرك سؤالاً لا تجيب عنه الشهرة.
& بين معرفة الذات ومعرفة الطريق
أن يعرف الإنسان من يكون أمر مهم، لكنه لا يعفيه من معرفة ما يريد.
فقد يملك اسماً معروفاً، وتجربة طويلة، ومكانة محترمة، ثم يجد نفسه عاجزاً عن تحديد الخطوة التالية أو تفسير المسار الذي يمضي فيه.
هنا تضعنا الحكاية أمام سؤال يبدو بسيطاً، لكنه أعمق مما يوحي به: هل نعرف حقاً إلى أين نتجه، أم أننا اكتفينا بالاطمئنان إلى أننا نتحرك؟
فالوجود داخل القطار لا يعني الوصول إلى الوجهة المنشودة، كما أن سرعة الرحلة لا تضمن صحة المسار.
وقد تصبح السرعة عبئاً حين تبعدنا عن غايتنا، ويصبح التوقف للمراجعة أكثر نفعاً من الاستمرار لمجرد أننا بدأنا.
ليست المشكلة دائماً في نقص الجهد، بل قد تكون في غياب البوصلة التي تمنح ذلك الجهد معناه.
& حين يُجاب عن السؤال الخطأ
في الحكاية درس آخر لا يقل أهمية. فقد كان المراقب لطيفاً ومتفهماً، لكنه حاول حل مشكلة لم تكن هي المشكلة الحقيقية.
ظن أن المسافر يخشى الإحراج أو المساءلة، بينما كان يبحث عن معلومة يحتاجها ليعرف أين ينزل.
كم من حوار يمكن أن يستضيء بهذه المفارقة؟ قد نطمئن شخصاً إلى أن مكانته محفوظة، بينما يشغله معنى ما يفعل.
وقد نقدم جواباً جاهزاً قبل أن نفهم السؤال، أو نعرض مساعدة لا تمس أصل الحاجة.
من هنا، لا يكون الإنصات مجرد انتظار انتهاء الكلام، بل محاولة لفهم ما وراءه.
فحسن النية يكتمل بحسن الفهم، والمساعدة تبدأ حين نرى المشكلة كما يعيشها صاحبها، لا كما نتخيلها نحن.
& من الرحلة الشخصية إلى المسؤولية العامة
وإذا نقلنا سؤال الحكاية من حياة الفرد إلى تدبير الشأن العام، اتسع معناه:
لا يكفي أن نعرف من يقود، بل ينبغي أن نعرف إلى أين يقود، وما الغاية من الرحلة، وكيف يمكن التأكد من أننا نسير في الاتجاه الصحيح؟
فالصفة لا تقوم مقام الرؤية، والثقة لا تغني عن وضوح الأهداف، وكثرة الحركة لا تعوض غياب النتائج.
وليس المقصود التقليل من قيمة التجربة أو المكانة، وإنما التأكيد أن قيمتهما تظهر في حسن توظيفهما، لا في الاكتفاء بالاحتماء بهما.
وعند تقييم أي مسار، شخصياً كان أو مؤسساتياً، يصبح من المفيد أن نسأل:
& ماذا نريد أن نغيّر؟ ولمن؟
وما الذي سيتيح لنا معرفة أننا اقتربنا من هدفنا؟ ومتى ينبغي أن نراجع الطريق؟
بهذا المعنى، لا تكون المراجعة اعترافاً بالعجز، بل ممارسة للمسؤولية.
ومن يكتشف أنه فقد وجهته لا يحتاج إلى مزيد من المديح، وإنما إلى ما يساعده على استعادتها.
& التذكرة التي نحتاجها
يمكن أن نقرأ التذكرة الضائعة في هذه الحكاية بوصفها رمزاً للهدف الذي ننساه وسط انشغالات الطريق.
فحين تطول الرحلة، قد ننصرف إلى المقعد الذي نجلس عليه، وإلى نظرة الركاب إلينا، وننسى المحطة التي ركبنا القطار من أجلها.
ولعل أشد ما يستحق التأمل في جواب المسافر أنه لم يعتبر معرفة الناس به حلاً لمشكلته. لم يبحث عما يثبت مكانته، بل عما يحدد وجهته.
وتلك هي العبرة: أن نمنح سؤال «إلى أين نمضي؟» ما يستحقه من صدق واهتمام، وألا نسمح للألقاب أو الاعتياد أو تصفيق الآخرين بأن تجيب عنه نيابة عنا.
فقد يعرفنا الجميع، ويثق بنا الجميع، لكن أحداً لا يستطيع أن يعفينا من مسؤولية معرفة الطريق الذي اخترناه.






0 التعليقات:
إرسال تعليق