مدونة فضاء الأطلس المتوسط نيوز "مازلنا هنا نقاوم وضمائرنا مرتاحة،عندما لانستطيع القيام بعملنا،سنكسر أقلامنا،ولا نبيعها."

أرشيف المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

Powered By Blogger

التسميات

رايك يهمنا في شكل ومحتوى البوابة؟

المشاركات الشائعة

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

المشاركات الشائعة

Translate

الاثنين، 10 أغسطس 2026

إفران بالصورة والكلمة تحتفي بمغاربة العالم وتستكشف مساهمتهم في أوراش المغرب 2030: فرص الاستثمار والسياحة والتنمية القروية

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد 
 احتضن مقر عمالة إقليم إفران، يوم الاثنين 10 غشت 2026، لقاءً تواصلياً موسعاً تخليداً لليوم الوطني للمهاجر، وذلك في إطار العناية المتواصلة التي توليها المملكة المغربية لأبنائها المقيمين بالخارج.
وانعقد اللقاء تحت الشعار الوطني: «المغاربة المقيمون بالخارج في خدمة أوراش المغرب 2030»، برآسة عامل إقليم إفران، السيد إدريس مصباح، إلى جانب الكاتب العام للعمالة، ورئيس قسم الشؤون الداخلية، وبحضور ممثلي المصالح الخارجية، والمنتخبين، وعدد من الكفاءات والمستثمرين المغاربة المقيمين بالخارج، فضلاً عن أفراد الجالية المنحدرين من الإقليم.
وشكل هذا الموعد مناسبة للتواصل المباشر مع مغاربة العالم، والوقوف على تطلعاتهم وانشغالاتهم، فضلاً عن بحث سبل إدماجهم في الدينامية الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المملكة، واستكشاف إمكانات مساهمتهم في دعم التنمية المحلية بإقليم إفران.
()أروقة مفتوحة لتقريب الإدارة:
انطلقت فعاليات اللقاء منذ الساعات الأولى من الصباح، من خلال تنظيم أروقة مفتوحة بمقر العمالة لفائدة أفراد الجالية. 
وضمت هذه الأروقة ممثلين عن الوكالة الحضرية، والمحافظة العقارية، والمؤسسات البنكية، والمصالح المالية والتقنية التابعة للعمالة، إلى جانب عدد من الإدارات والمصالح المعنية.
وهدفت هذه المبادرة إلى تقريب الخدمات الإدارية والاستشارية من مغاربة العالم، والإجابة عن تساؤلاتهم القانونية والمالية والعقارية، وتوجيههم بشأن المساطر والإجراءات المرتبطة بمشاريعهم واستثماراتهم.
كما تندرج هذه الخطوة ضمن جهود تبسيط العلاقة بين الإدارة والمرتفق، انسجاماً مع مقتضيات القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، الذي يقوم على مبادئ الشفافية، وتوحيد الإجراءات، ورقمنة الخدمات، وتحسين جودة الاستقبال.
() تأكيد على أهمية التواصل:
افتتحت الجلسة الرسمية بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، ثم أداء النشيد الوطني، قبل أن يلقي عامل الإقليم كلمة ترحيبية أكد فيها أن هذا اللقاء يجسد العناية الملكية السامية التي تحظى بها الجالية المغربية المقيمة بالخارج، ويعكس متانة الروابط التي تجمع مغاربة العالم بوطنهم الأم.
وأوضح عامل الإقليم أن تخليد اليوم الوطني للمهاجر يشكل محطة سنوية لتعزيز التواصل مع أبناء الوطن المقيمين بالخارج، والوقوف على تطلعاتهم ومقترحاتهم، والاستماع إلى قضاياهم، والتعرف إلى إمكانات مساهمتهم في التنمية المحلية والوطنية.
كما أبرز أن اللقاء يمثل فرصة لفتح حوار مباشر مع أفراد الجالية الإفرانية، وبحث مختلف الإكراهات المرتبطة بالعقار والاستثمار، إلى جانب التعريف بالفرص الاقتصادية والسياحية التي يزخر بها الإقليم.
وشدد السيد إدريس مصباح على أهمية تعبئة الكفاءات والمستثمرين المغاربة المقيمين بالخارج للمساهمة في إنعاش الاقتصاد المحلي، مؤكداً ضرورة مواصلة العمل على تبسيط المساطر الإدارية، وتوفير المواكبة اللازمة، وتسريع معالجة الملفات المرتبطة بمشاريع أفراد الجالية.
() مغاربة العالم رافعة للتنمية:
أكدت المداخلات التوجيهية خلال اللقاء أن أدوار مغاربة العالم لم تعد تقتصر على الدعم المالي والتحويلات، بل أصبحت تشمل نقل الخبرات والتكنولوجيا، وتطوير الشراكات، وتشجيع الابتكار، والمساهمة الفكرية والاستثمارية في الأوراش الكبرى للمملكة في أفق 2030.
وفي هذا السياق، تم التأكيد على أهمية الانتقال من مقاربة تقوم على استقبال الاستثمارات بشكل منفرد، إلى مقاربة مؤسساتية تقوم على بناء شراكات طويلة الأمد مع الكفاءات والمقاولات المغربية بالخارج.
()السياحة: مؤهلات كبيرة وتحديات قائمة:
قدم ممثل المندوبية الإقليمية للسياحة بإفران عرضاً حول المؤهلات الطبيعية والسياحية التي يزخر بها الإقليم، مستعرضاً واقع النشاط السياحي، والإمكانات المتاحة لتطويره، فضلاً عن أبرز الإكراهات التي تحد من مردوديته.
وأشار العرض إلى أن إفران تعرف إقبالاً مهماً، ولا سيما من السياحة الداخلية، مع تسجيل ذروة في فصلي الشتاء والصيف. غير أن متوسط مدة إقامة الزوار ما يزال محدوداً، إذ يتراوح غالباً بين ليلة واحدة وليلتين، الأمر الذي يجعل الإقليم، في حالات عديدة، محطة عبور أكثر منه وجهة لإقامة سياحية ممتدة.
كما يعاني القطاع من موسمية واضحة، وانتشار بعض مظاهر الإيواء غير المهيكل، وضعف بنيات التنشيط الثقافي والرياضي والترفيهي.
وبخصوص آفاق أفق 2030، تم التأكيد على العمل من أجل تنويع المنتوج السياحي، عبر تطوير سياحة المؤتمرات، والسياحة الرياضية، وسياحة المغامرات، إلى جانب إعادة تأهيل محطة ميشليفن، وتعزيز الترويج الرقمي الذكي، بما يساهم في تمديد مدة إقامة السياح واستقطاب فئات جديدة من الزوار.
()فرص الاستثمار والتحول الرقمي:
من جهته، قدم ممثل المركز الجهوي للاستثمار لجهة فاس-مكناس عرضاً مفصلاً حول فرص الاستثمار الواعدة بإقليم إفران، والخدمات الرقمية الموجهة لفائدة المستثمرين.
واستعرض المتدخل التسهيلات التي يوفرها الميثاق الجديد للاستثمار، وخاصة المنح المالية المباشرة المخصصة للمشاريع القادرة على خلق فرص الشغل وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي مستدام.
كما أبرز الدور الذي تضطلع به المنصات الرقمية التابعة للمركز الجهوي للاستثمار، في تسهيل إيداع وتتبع ملفات المشاريع وتوفير المعلومات المتعلقة بالفرص الاستثمارية والمساطر القانونية. 
ويُعد المركز الجهوي للاستثمار مخاطباً أساسياً للمستثمرين، كما يتولى المساهمة في جذب الاستثمارات ومواكبتها على مستوى جهة فاس-مكناس.
() شراكات بين المغرب وكندا وإفريقيا: 
وفي مداخلة حظيت باهتمام الحاضرين، تناول الدكتور عبد المطلب الشكيرات، وهو مستثمر مغربي مقيم بكندا، موضوع: «المغاربة المقيمون بالخارج رافعة لنقل الخبرات وبناء شراكات استراتيجية بين المغرب وكندا وإفريقيا».
وأبرز المتدخل أهمية نقل التكنولوجيا الحديثة وآليات التدبير الذكي المعتمدة في أمريكا الشمالية، وتكييفها مع خصوصيات السياحة الجبلية بإقليم إفران.
كما طرح رؤية استراتيجية تقوم على مقاربة ثلاثية الأبعاد، تتمثل في الاستفادة من خبرات مغاربة العالم، وتوظيف موقع المغرب كبوابة نحو الأسواق الإفريقية، وبناء شراكات اقتصادية وعلمية مستدامة بين المغرب ودول الإقامة.
ودعا في هذا الإطار إلى مأسسة الشراكات بين الجامعات والمعاهد المغربية، ومنها جامعة الأخوين، ونظيراتها في دول المهجر، بهدف تأهيل الشباب المحلي لمهن المستقبل، وتعزيز البحث التطبيقي، وفتح آفاق جديدة أمام الابتكار والاستثمار.
()السياحة الفلاحية والتنمية القروية:
من جانبه، قدم المستثمر المغربي المقيم بالخارج، السيد مهدي الزيات، تجربة تروم دعم التنمية المستدامة في العالم القروي، من خلال مداخلة حول موضوع: «السياحة والفلاحة المندمجة».
واقترح المتدخل اعتماد نموذج السياحة الفلاحية، أو ما يعرف بـ«الأغريتوريسم»، باعتباره مدخلاً لتنويع مصادر دخل الساكنة القروية، عبر الجمع بين النشاط الفلاحي التقليدي وإحداث مآوٍ وضيافات قروية عصرية داخل الضيعات أو بالقرب منها.
كما يتيح هذا النموذج تثمين المنتجات المحلية، مثل التفاح والكرز والأجبان الجبلية، وتسويقها مباشرة للزوار، بما يساهم في خلق منظومة اقتصادية محلية ودائرية، ويوفر فرص شغل مستدامة، ويحد من الهجرة القروية.
() توصيات عملية:
اختُتم اللقاء برفع مجموعة من التوصيات الإدارية والعملية لإدراجها ضمن تقرير العمالة، ومن أبرزها:
*إحداث خلية إقليمية دائمة وموحدة لمواكبة مشاريع مغاربة العالم وتتبعها.
*مواصلة تبسيط المساطر الإدارية وتسريع معالجة الملفات الاستثمارية.
*تقنين قطاع إيواء الشقق المفروشة والحد من مظاهر الإيواء غير المهيكل.
*تسهيل ولوج المستثمرين إلى العقارات المتاحة، بما فيها العقارات التابعة لأملاك الدولة والأراضي السلالية ومناطق الأنشطة الاقتصادية بأزرو وإفران.
*تشجيع الشراكات الأكاديمية بين المؤسسات التعليمية المحلية والجامعات الدولية، خصوصاً في أمريكا الشمالية وكندا.
*دعم مشاريع السياحة الفلاحية، وتثمين المنتجات المحلية، وربطها بالمسارات السياحية.
*تطوير الترويج الرقمي للإقليم، وإحداث منصات موحدة للتعريف بفرص الاستثمار والسياحة.
()حوار مباشر مع أفراد الجالية:
وعلى هامش اللقاء، أتيحت لعدد من أفراد الجالية الإفرانية المقيمة بالخارج فرصة تقديم مداخلاتهم وطرح القضايا التي تشغلهم خلال عودتهم إلى أرض الوطن، ولا سيما ما يرتبط بالعقار والاستثمار وبعض المساطر الإدارية.
وقد استمع عامل الإقليم إلى مختلف المتدخلين، وفتح معهم حواراً مباشراً حول قضاياهم، حيث جرى، في عدد من الحالات، توجيههم نحو المسؤولين المعنيين بالمصالح الداخلية والخارجية، قصد تقديم التوضيحات اللازمة وتتبع ملفاتهم.
وأكد السيد العامل استعداده لمواصلة استقبال أفراد الجالية والاستماع إلى انشغالاتهم، حتى تلك التي تتجاوز أحياناً جدول الأعمال الرسمي، مشدداً على أن التواصل المباشر يظل مدخلاً أساسياً لمعالجة الإشكالات وتعزيز الثقة بين الإدارة ومغاربة العالم.
وقد أجمع المشاركون على أن تخليد اليوم الوطني للمهاجر يشكل محطة سنوية مهمة لتقييم المنجزات، ورصد الإكراهات، واقتراح الحلول، وترسيخ الثقة، وتوطيد الروابط الاستراتيجية بين مغاربة العالم ومسار التنمية الشاملة في وطنهم الأم.
 

الأحد، 9 أغسطس 2026

دراسة استقصائية: مطب الدخل المتوسط.. من بناء القدرات إلى تعظيم القيمة

فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
عندما تنطلق دولة من وضع اقتصادي غير مواتٍ، تكون وتيرة التقدم في مراحلها الأولى مفاجئة ومذهلة.
فبناء طريق سريع، أو ميناء، أو مطار، أو خط للسكك الحديدية، أو استقطاب مصنع كبير، قادر على تغيير المشهد الاقتصادي والاجتماعي في وقت قصير.
وتتميز هذه المشاريع بكونها مرئية وقابلة للقياس، فهي تختصر المسافات، وتيسر حركة الأشخاص والبضائع، وتجذب الاستثمارات، وتخلق فرصاً للشغل، وتحدث تحولاً ملموساً في الحياة اليومية.
لكن مع تراكم الإنجازات، تتغير طبيعة الأسئلة المطروحة. فالطريق السريع أصبح جاهزاً، والميناء يعمل، والمصانع تنتج، والسياح يتوافدون، والاستثمارات تتزايد، والإصلاحات الكبرى مستمرة.
وفي هذه المرحلة، لا يعود التحدي مقتصراً على بناء قدرات جديدة، بل يصبح أكثر دقة وتعقيداً: كيف نستخرج من القدرات القائمة قيمة أكبر وأكثر استدامة؟
& من الإنجاز المرئي إلى القيمة المضافة:
هذا التحول في طبيعة الإشكالية هو ما أشارت إليه رسالة العرش لهذا العام. ففرص التقدم لم تختفِ، لكنها أصبحت أكثر تعقيداً وصعوبة في التحقيق.
لن يضمن المغرب استمرار محطات النمو بمجرد توسيع بنيته التحتية، بل سيكون مطالباً بتحقيق إنتاجية أعلى من الأصول القائمة، والارتقاء بموقعه داخل سلاسل القيمة العالمية، وتوفير أدوات تمويل ملائمة للمؤسسات، وتحويل الابتكارات إلى أنشطة اقتصادية قابلة للتوسع، وضمان توزيع أوسع لمكاسب التنمية داخل النسيج الإنتاجي والمجتمعي.
بعبارة أخرى، لم يعد السؤال هو كم طريقاً أو ميناءً أو مصنعاً يمكن إنجازه، بل كيف يمكن لهذه البنية القائمة أن تنتج قيمة أكبر، وأن ترفع تنافسية الاقتصاد، وأن تخلق وظائف أكثر جودة، وأن تعزز قدرة المقاولات الوطنية على النمو والمنافسة.
وتصبح التحديات، في هذه المرحلة، أقل وضوحاً لكنها أكثر إلحاحاً.
فالنجاحات الأولى تتحقق غالباً بقرارات عملية ومباشرة: الاستثمار، والبناء، والتجهيز، وجذب المستثمرين.
أما المراحل التالية فتتطلب تنسيقاً مؤسسياً وسياسياً أعلى، ومهارات بشرية متقدمة، ومنظومة ابتكار فعالة، وإدارة أفضل للموارد والوقت.
كما تحتاج الإصلاحات الهيكلية إلى الصبر والاستمرارية؛ إذ لا تظهر نتائج إصلاح التعليم أو القضاء أو الإدارة أو التنافسية بالسرعة نفسها التي تظهر بها نتائج بناء طريق أو مطار.
وقد دعا خطاب العرش القطاع المالي الوطني إلى مواصلة مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وإحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج إلى التمويلات البنكية وغير البنكية الموجهة إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة، والابتكار والتصنيع والتصدير.
وهذه الدعوة تعكس إدراكاً بأن المرحلة المقبلة لن تُبنى فقط على الاستثمارات الكبرى، بل أيضاً على قدرة آلاف المقاولات المحلية على النمو.
& توزيع التنمية بين الجهات/ حال جهة فاس-مكناس:
لا تكتمل قيمة المشاريع الكبرى إلا عندما تمتد آثارها إلى محيطها الجهوي والاجتماعي.
فالميناء أو المصنع يمكن أن يخلق قيمة كبيرة، لكن أثره قد يظل محدوداً إذا لم تستفد منه المقاولات المحلية، أو إذا لم تتوفر المنطقة على تكوين مناسب، أو إذا بقيت سلاسل التوريد مركزة في مدن بعيدة.
ومن هنا تبرز أهمية السياسات الجهوية التي تربط الاستثمار بالبنية التحتية وبالمهارات وبالخدمات.
ولا يتعلق الأمر بتوزيع المصانع إدارياً بين الجهات، بل بتمكين كل جهة من بناء تخصص اقتصادي واقعي يستند إلى مؤهلاتها.
فجهة فاس-مكناس، مثلاً، تستطيع تعزيز موقعها في الصناعات الغذائية، والمنتجات الفلاحية، والصناعات التقليدية ذات القيمة المضافة، والخدمات الجامعية والرقمية، والسياحة الثقافية والطبيعية.
لكن ذلك يتطلب ربط هذه القطاعات بشبكات التصدير واللوجستيك، وتشجيع العلامات المحلية، وتطوير تكوين مهني يستجيب للحاجات الفعلية للمقاولات.
&من النمو المرئي إلى النمو العميق:
يمكن تشريح هذا التحول من خلال الانتقال من مرحلة النمو المرئي إلى مرحلة النمو العميق، أو ما يمكن تسميته بالتحول الهيكلي.
تميزت المرحلة الأولى بإنجازات ملموسة، تمثلت في الطفرة البنيوية التي عرفها المغرب خلال السنوات الماضية، من خلال تطوير موانئ كطنجة المتوسط، وتوسيع شبكة الطرق السيارة، وإطلاق القطار فائق السرعة، وإنشاء مناطق صناعية، واستقطاب مصانع للسيارات ومكونات الطائرات.
وقد كانت هذه المشاريع ضرورية لتقوية جاذبية الاقتصاد، وتحسين الربط بين الجهات والأسواق، ووضع أسس إنتاجية ولوجيستيكية قادرة على استيعاب الاستثمارات الجديدة.
لكن المرحلة الثانية تطرح معضلة مختلفة: لم يعد التحدي الأساسي هو بناء ميناء آخر، بل جعل الميناء القائم أداة لرفع تنافسية الصادرات المغربية؛ ولم يعد الهدف مجرد استقطاب مصنع أجنبي، بل تحويله إلى قاطرة تدعم الشركات المغربية الصغيرة والمتوسطة، وتوسع قاعدة الموردين المحليين، وتنقل المعرفة والخبرة إلى النسيج الإنتاجي الوطني.
ومن هنا، يصبح قياس النجاح مرتبطاً بمؤشرات أكثر عمقاً من حجم الاستثمار أو عدد المنشآت. فالمعيار الحقيقي هو مقدار القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني، ونوعية الوظائف التي تُخلق، وقدرة الشركات المحلية على الاندماج في سلاسل الإنتاج والتصدير.
& الارتقاء في سلاسل القيمة:
يتمثل أحد أبرز تحديات المرحلة المقبلة في الانتقال من التركيب أو التصنيع منخفض التكلفة إلى مستويات أعلى من القيمة المضافة.
ويعني ذلك تطوير قدرات أكبر في الهندسة، والتصميم، والبحث والتطوير، والبرمجيات الصناعية، وإدارة العلامات التجارية.
فالصناعة لا تبلغ نضجها الكامل بمجرد إنتاج سلعة وفق مواصفات شركة أجنبية، بل عندما تصبح الشركات الوطنية قادرة على تصميم جزء من المنتج، وتطوير مكوناته، وتحسين أساليب إنتاجه، وتسويقه تحت علامة ذات حضور تنافسي.
وفي قطاع السيارات، مثلاً، لا ينبغي أن ينحصر الطموح في رفع عدد السيارات المنتجة، بل يجب أن يشمل تطوير صناعة المكونات والبطاريات والأنظمة الإلكترونية والبرمجيات، وتشجيع المقاولات المغربية على الانتقال من المناولة البسيطة إلى إنتاج مكونات وخدمات ذات تعقيد تقني أعلى.
وينطبق الأمر نفسه على قطاع الطيران، والصناعات الغذائية، والطاقات المتجددة، والخدمات الرقمية. فكلما ارتفع موقع المغرب في سلسلة القيمة، زادت قدرته على خلق وظائف نوعية، وجذب الكفاءات، وتحسين الأجور، وتعزيز استقلالية القرار الاقتصادي.
&والإنتاجية قبل التوسع:
لا يكفي أن يملك الاقتصاد بنية تحتية متقدمة أو مصانع حديثة إذا لم يستطع استعمالها بأعلى قدر من الكفاءة.
وهنا تبرز أهمية الإنتاجية الإجمالية لعوامل الإنتاج، أي تحقيق عائد أكبر من الموارد القائمة، بما فيها رأس المال، والموارد البشرية، والطاقة، والتكنولوجيا، والتنظيم.
ويتحقق رفع الإنتاجية عبر الرقمنة، وتحسين الحكامة، وتطوير أساليب التدبير، وتقليص آجال إنجاز المشاريع، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتوفير البيانات اللازمة لاتخاذ القرار.
كما أن الإنتاجية لا ترتبط بالآلات وحدها، بل بقدرة المؤسسات على تنظيم العمل، وتكوين العاملين، وتبني الابتكار، وتطوير سلاسل التوريد، والاستجابة بسرعة لمتطلبات الأسواق.
ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من منطق توسيع القدرات إلى منطق تحسين استعمالها.
فالمصنع القائم يمكن أن ينتج قيمة أكبر إذا ارتفعت مهارات العاملين، وتحسنت الإدارة، وتطورت التكنولوجيا، وتوفرت شبكة محلية من الموردين الأكفاء.
& الابتكار والتمويل:
يمثل الابتكار محوراً آخر في معادلة النمو النوعي. غير أن الابتكار لا يتحول إلى قيمة اقتصادية بمجرد إنتاج الأفكار أو تسجيل براءات الاختراع، بل عندما ينتقل إلى السوق في شكل منتج أو خدمة أو طريقة إنتاج قابلة للتوسع.
وهذا يتطلب تقوية العلاقة بين الجامعات ومراكز البحث والمقاولات، وتطوير حاضنات الأعمال، وتوفير آليات لنقل التكنولوجيا، وتشجيع البحث التطبيقي المرتبط بالحاجات الفعلية للاقتصاد.
كما يحتاج الابتكار إلى تمويل مناسب. فالمشاريع الجديدة لا تستطيع دائماً الاعتماد على القروض التقليدية، خصوصاً عندما تكون في مراحلها الأولى أو عندما تقوم على أفكار تكنولوجية ذات مخاطر مرتفعة. لذلك تبرز أهمية صناديق الاستثمار الجريء، والتمويل التساهمي، وضمانات القروض، والتمويل المرتبط بسلاسل التوريد.
إن تحويل الابتكار إلى نشاط اقتصادي يتطلب كذلك وجود زبون أول، وسوق تجريبية، وطلب عمومي ذكي، ومؤسسات مستعدة لتحمل قدر من المخاطرة. فالكثير من الأفكار لا تفشل بسبب ضعفها، بل بسبب عجز أصحابها عن الوصول إلى التمويل أو السوق.
& رأس المال البشري:
لا يمكن بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار من دون رأسمال بشري مؤهل.
فالمهارات المتقدمة هي الوقود الحقيقي للصناعة الحديثة، والرقمنة، والطاقة، والهندسة، والخدمات ذات القيمة المضافة.
ويقتضي ذلك إعادة النظر في العلاقة بين التعليم والتكوين وسوق الشغل.
فلا يكفي تخريج أعداد كبيرة من حاملي الشهادات، بل يجب توفير كفاءات قادرة على حل المشكلات، واستعمال التكنولوجيا، والعمل ضمن فرق، والتعلم المستمر.
كما ينبغي تعزيز التكوين المهني المتخصص، وربطه مباشرة بحاجات القطاعات الصناعية واللوجيستيكية والرقمية. فكل استثمار جديد يحتاج إلى كفاءات قادرة على تشغيله وتطويره، وإلا تحول إلى جزيرة إنتاجية معزولة عن محيطها.
والاستثمار في الإنسان ليس ورشاً مكملاً للبنية التحتية، بل هو شرط أساسي لاستدامة أثرها. فالطريق والميناء والمصنع لا تنتج القيمة وحدها؛ القيمة يصنعها الإنسان الذي يديرها ويطورها ويبتكر داخلها.
& العدالة المجالية والتوزيعية:
لا يكتمل النمو إذا ظل محصوراً في حواضر كبرى أو قطاعات محدودة.
فالمطلوب هو أن تمتد آثاره إلى الجهات والمقاولات الصغيرة والطبقات الاجتماعية المختلفة.
ويعني ذلك ربط المشاريع الكبرى بمحيطها الاقتصادي، وتشجيع نشوء سلاسل توريد محلية، وتطوير التكوين في الجهات، وتحسين الولوج إلى التمويل، وتوجيه الاستثمارات نحو المجالات التي تتوفر على مؤهلات حقيقية.
كما ينبغي ألا تقاس التنمية الجهوية بعدد المشاريع المنجزة فقط، بل بقدرتها على خلق وظائف مستقرة، وتحسين دخل السكان، وتعزيز الخدمات، ورفع قدرة المقاولات المحلية على التنافس.
إن العدالة المجالية لا تعني توزيع المشاريع بطريقة حسابية، بل تمكين كل جهة من بناء نموذج إنتاجي يستند إلى خصوصياتها. فقد تقوم جهة على الصناعة، وأخرى على الفلاحة التحويلية، وثالثة على السياحة أو الخدمات الرقمية، شرط أن تكون هذه الأنشطة مرتبطة بشبكات وطنية ودولية فعالة.
التنسيق والصبر الاستراتيجي
يتطلب النمو النوعي تنسيقاً عالياً بين السياسات العمومية. فلا يمكن للصناعة أن تتقدم بمعزل عن التعليم والطاقة والنقل والتمويل والتشغيل.
كما لا يمكن لجهة أن تنجح في جذب الاستثمار إذا لم تتوفر لديها العقارات المؤهلة، والمهارات، والخدمات، والربط اللوجيستيكي.
ولهذا، ينبغي تجاوز منطق الجزر الإدارية المعزولة، واعتماد قدر أكبر من الالتقائية بين القطاعات والمؤسسات. 
كما يجب ربط السياسات بأهداف قابلة للقياس، ومؤشرات واضحة، ومراجعات دورية تسمح بتصحيح المسار.
أما الإصلاحات الكبرى، مثل إصلاح التعليم والقضاء والإدارة، فتحتاج إلى صبر استراتيجي. فنتائجها لا تظهر بسرعة، لكنها تحدد قدرة الاقتصاد على الاستمرار في التقدم. والفرق بين مشروع ناجح وآخر محدود الأثر قد لا يكون في حجم الإنفاق، بل في جودة المؤسسات التي تديره.
& تفادي مطب الدخل المتوسط:
تتخلص هذه القراءة في مفهوم مطب الدخل المتوسط، الذي تواجهه العديد من الدول الصاعدة. 
ففي المراحل الأولى، يكون الانتقال من الفقر إلى مستوى متوسط من الدخل ممكناً عبر الاستثمار في البنية التحتية، واستقطاب الصناعات، وتوسيع الأسواق.
لكن الانتقال من الدخل المتوسط إلى مصاف الدول المتقدمة يتطلب ما هو أكثر من ذلك: ثورة في الكفاءة، وابتكاراً مستمراً، واستثماراً عميقاً في الإنسان، ومؤسسات قادرة على التنسيق والتقييم والتصحيح.
لقد قطع المغرب شوطاً مهماً في بناء القدرات، وأصبح يمتلك مقومات صناعية ولوجيستيكية واستثمارية مهمة. غير أن التحدي المقبل يتمثل في تحويل هذه القدرات إلى إنتاجية أعلى، والإنتاجية إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى وظائف أفضل وتنمية أكثر شمولاً.
فالمستقبل لن يُحسم فقط بعدد الطرق والموانئ والمصانع التي ستُنجز، بل بقدرة الاقتصاد على جعل كل طريق أكثر نفعاً، وكل ميناء أكثر ارتباطاً بالنسيج الوطني، وكل مصنع أكثر اندماجاً في محيطه، وكل استثمار أكثر أثراً في حياة المواطنين.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي للمرحلة التنموية المقبلة: تحويل الزخم الذي تحقق إلى رافعة دائمة لاقتصاد أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.