فضاء الاطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
توصلتُ مؤخراً برسالة من أحد الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي، حملت في طياتها كثيراً من القلق السياسي، وكثيراً من الأسئلة التي بات يطرحها الشارع المغربي بصوت مرتفع.
وقد جاء فيها:
«لا شك أن الوعي بالواقع السياسي والاقتصادي بلغ من النضج ما يكفي لإدراك أن تغيير الواقع لا يكون فقط بتغيير الوجوه، بل أيضاً بتطهير الجسم المغربي من آفة الفساد التي أنهكته لسنوات.
وشباب اليوم يبعث إشارة واضحة مفادها أن الواقع أصبح مكشوفاً أمام الجميع، ولم يعد مجالاً للكذب أو صناعة القوالب الجاهزة التي تذوب مباشرة بعد انتهاء العرس الانتخابي.
فالعريس هو العريس، والوليمة هي نفسها، والمدعوون يتكررون في كل مناسبة، غير أن العالم الأزرق كشف بوضوح ما يجري تحت قبة البرلمان، وفي المجالس الجماعية، وكواليس الأحزاب والنقابات، ومختلف دوائر القرار.
تحية إلى الأقلام الحرة».
قد تبدو هذه الرسالة، للوهلة الأولى، مجرد تدوينة عابرة في فضاء التواصل الاجتماعي، لكنها في العمق تختزل مزاجاً عاماً وأسئلة مؤجلة حول الانتخابات، وحول علاقة الشباب بالسياسة، وحول جدوى المشاركة في عملية انتخابية لا يزال كثيرون ينظرون إليها بعين الشك والريبة.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يعود معدل المشاركة إلى واجهة النقاش العمومي، باعتباره أحد المؤشرات الأكثر دلالة على مستوى الثقة في المؤسسات السياسية والحزبية.
غير أن الأرقام، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم عزوف الشباب عن صناديق الاقتراع، لأن خلف كل نسبة مشاركة منخفضة قصة إحباط، أو تجربة سلبية، أو فقدان ثقة في خطاب لم يعد مقنعاً.
[] أزمة ثقة لا أزمة اهتمام:
يذهب كثير من المحللين إلى أن الشباب فقدوا اهتمامهم بالسياسة، لكن الواقع قد يكون أكثر تعقيداً.
فالشباب المغربي ليس بعيداً عن الشأن العام، بل يتابعه يومياً، ويناقش قضاياه، ويراقب أداء المنتخبين، ويفكك خطابات الأحزاب، ويقارن بين الوعود والنتائج.
المشكلة، إذن، ليست في غياب الاهتمام، وإنما في تراجع الثقة. فالشاب الذي يراقب تفاصيل الحياة السياسية عبر هاتفه، ويتابع النقاشات البرلمانية والمجالس المنتخبة، ويطّلع على ما يدور في كواليس الأحزاب، لم يعد مستعداً لتصديق الخطاب الانتخابي لمجرد أنه صيغ بلغة جذابة أو رُوّج له عبر حملات رقمية مكثفة.
لقد أصبح الوعي أكثر حضوراً، وأصبح الناخب الشاب أكثر قدرة على التمييز بين الالتزام الحقيقي والاستعراض، وبين النقاش السياسي المسؤول والمزايدات العابرة، وبين المشروع القابل للتنفيذ والوعد الذي ينتهي بانتهاء الحملة الانتخابية.
[] بين الخطاب والممارسة:
في خضم الصراعات الحزبية، يقدم كل حزب تحليله الخاص للواقع، ويعرض رؤيته للمستقبل، ويؤكد أن الشباب يوجد في صلب برامجه وأولوياته.
غير أن الفارق يظل شاسعاً بين الكلام والتنظير من جهة، والممارسة اليومية من جهة أخرى.
والأهم من ذلك، أن هناك فرقاً أكبر بين حزب يمتلك رؤية حقيقية للشباب، ويمنحهم موقعاً فعلياً داخل هياكله وقراراته، وحزب لا يستحضرهم إلا خلال الحملات الانتخابية، أو يوظف صورتهم لتجميل مشهد سياسي يفتقر إلى التجديد.
فالشباب لا يريدون أن يكونوا مجرد خلفية في الصور، أو أرقاماً تملأ القاعات، أو أصواتاً تستدعى عند الحاجة ثم تُنسى بعد إعلان النتائج.
إنهم يريدون مشاركة حقيقية، ومسؤولية فعلية، ومساحة للتعبير، وفرصة لصناعة القرار، لا مجرد حضور رمزي في واجهة المشهد.
[] عندما تتحول المنصات إلى ساحة للتشهير:
تزداد خطورة المشهد حين يلجأ بعض القادة والفاعلين الحزبيين إلى السعي وراء الشهرة، والتشهير بالخصوم، وترويج الأكاذيب، واستعمال وسائل التواصل الاجتماعي في التلاعب بالرأي العام.
فهذا النوع من الخطاب لا ينسجم مع القيم التي يُفترض أن تسعى الأحزاب إلى ترسيخها لدى الشباب، من احترام الاختلاف، والاحتكام إلى الحجة، والالتزام بالمسؤولية، والارتقاء بالنقاش العمومي.
كما أنه يتناقض مع مفهوم المشاركة السياسية لدى جيل نشأ في بيئة رقمية مفتوحة، وأصبح قادراً على التحقق والمقارنة وكشف التناقضات.
ويبدو أن بعض الأحزاب، أو بعض قادتها على الأقل، يعتقدون أن إتقان أدوات التواصل الاجتماعي يكفي لصناعة الشعبية وتحقيق التفوق الانتخابي.
لكن امتلاك المنصة لا يعني امتلاك المصداقية، وكثرة المتابعين لا تعادل بالضرورة قوة المشروع، والانتشار الواسع لا يحوّل الخطاب الضعيف إلى خطاب مقنع.
بل إن الإفراط في الضجيج، حين يقترن بالتشهير والتضليل، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً: دفع مزيد من الشباب إلى الابتعاد عن الأحزاب والنفور من السياسة.
[] الوعي الرقمي يغيّر قواعد اللعبة:
بفضل التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، أثبت الشباب خلال السنوات الأخيرة أنهم يمتلكون قدرة متقدمة على قراءة المشهد العام، والتمييز بين الصواب والخطأ، وبين الصدق السياسي والتظاهر، وبين الحوار والاستعراض.
كما أصبحوا أكثر انتباهاً إلى اللغة المستعملة، والصور المتداولة، وتوقيت التصريحات، والجهات المستفيدة من حملات التشهير أو الترويج... وهم يعرفون كيف يميزون بين من يخاطبهم باحترام وذكاء، ومن يتعامل معهم باعتبارهم مجرد جمهور قابل للاستمالة بالضجة الإعلامية.
لقد انتهى، إلى حد كبير، زمن مخاطبة الشباب بمنطق الوصاية. فهذا الجيل لا يريد من يتحدث باسمه، بل من ينصت إليه... ولا يحتاج إلى خطب طويلة بقدر حاجته إلى سياسات ملموسة، وفرص حقيقية، ومؤسسات تستعيد ثقة المواطنين.
[] الشعبية ليست شعبوية:
من المهم عدم الخلط بين الشعبية والشعبوية... فقد يصنع الضجيج حضوراً مؤقتاً، وقد تحقق الإثارة انتشاراً سريعاً، لكن ذلك لا يمنح بالضرورة المصداقية، ولا يبني ثقة مستدامة.
الشعبية الحقيقية تُكتسب بالعمل، والإنصات، والوضوح، والقدرة على الوفاء بالوعود، بينما تقوم الشعبوية على استثمار الغضب، وتبسيط القضايا المعقدة، وتقديم أجوبة سهلة لمشكلات عميقة، وتحويل الخصومة السياسية إلى معركة شخصية.
والشباب، رغم كل ما يقال عن عزوفه، يبدو أكثر رفضاً لهذا النوع من السياسة... إنه لا يرفض المشاركة من حيث المبدأ، بل يرفض أن يُطلب منه التصويت لمن لا يراه جديراً بثقته، أو لمن لا يقدم له سوى خطابات موسمية وصراعات شخصية.
[] الانتخابات واختبار الثقة:
لذلك، لن تكون الانتخابات المقبلة مجرد موعد لتجديد المؤسسات، بل ستكون أيضاً اختباراً حقيقياً لعلاقة الأحزاب بالشباب.
فمعدل المشاركة لن يعكس فقط قدرة الحملات الانتخابية على التعبئة، بل سيكشف حجم الثقة التي استطاعت التنظيمات السياسية بناءها، ومدى قدرتها على تقديم وجوه جديدة، وخطابات مسؤولة، ومشاريع قابلة للقياس والمحاسبة.
إن استعادة الشباب إلى الفعل السياسي لا تمر عبر التخويف، ولا عبر التشهير بالخصوم، ولا عبر الحملات الرقمية المصطنعة، بل عبر الاعتراف بذكائه، واحترام وعيه، وإشراكه في صياغة القرار، وتقديم إجابات حقيقية عن أسئلته اليومية المتعلقة بالتعليم، والشغل، والصحة، والسكن، والعدالة الاجتماعية.
فالشباب المغربي لا يريد عرساً انتخابياً تتغير فيه الواجهات بينما تبقى القواعد نفسها، ولا يبحث عن عبارات براقة تذوب مع أول يوم بعد إعلان النتائج... إنه يريد سياسة تعكس واقعه، ومؤسسات تستمع إليه، ومسؤولين يدركون أن زمن القوالب الجاهزة قد انتهى، وأن العالم الرقمي جعل كل شيء أكثر انكشافاً.
وفي النهاية، فإن مستقبل الانتخابات لا يتوقف فقط على من يترشح أو من يفوز، بل على قدرة الفاعلين السياسيين على الإجابة عن سؤال جوهري: هل يريدون شباباً يصفق، أم مواطنين يشارك ويحاسب ويقترح؟






0 التعليقات:
إرسال تعليق