فضاء الأطلس المتوسط نيوز/محمد عبيد
تشهد حواضر جهة فاس-مكناس حراكاً رقابياً وتنموياً محتدماً، يضع المجالس المنتخبة أمام محك حقيقي، حيث تتداخل أزمات التدبير المالي المحتدمة في مكناس وأزرو، مع قرارات لوجستيكية ورياضية متسارعة أربكت الشارع الرياضي في فاس، ورغم قتامة مؤشرات العجز المالي والسياسي في بعض المرافق، تلوح في الأفق أوراش واعدة لإعادة صياغة الهوية الحركية للجهة.
[] أولاً: حرب "الكراسي" تحرق الأخضر واليابس في أزرو.. كيف رهنت الحسابات السياسية الضيقة طموحات جوهرة الأطلس؟
تواجه مدينة أزرو، جوهرة الأطلس المتوسط، أزمة تدبيرية صامتة باتت ترخي بظلالها على المعيش اليومي لساكنتها. فخلف الطبيعة الخلابة وهدوء غابات الأرز، يغلي الشارع المحلي بفعل "شد الحبل" المستمر والصراعات السياسية الحادة داخل ردهات المجلس الجماعي لأزرو، وهي الخلافات التي يرى متتبعون أنها تجاوزت حدود التدافع الديمقراطي الطبيعي لتتحول إلى بلوكاج حقيقي يرهن مستقبل التنمية بالمنطقة.
& سنوات من التجاذبات المنهكة
تجمع عدد من الفعاليات الجمعوية والحقوقية بمدينة أزرو على أن الولاية الانتدابية الحالية للمجلس الجماعي اتسمت، في محطات كثيرة، بنوع من التجاذبات السياسوية الضيقة وتصفية الحسابات بين مكونات الأغلبية والمعارضة، بل وحتى داخل التشكيلة المسيرة نفسها في بعض الأحيان.
هذا الصراع المستمر أدى، بحسب تقارير محلية، إلى تشتيت جهود المجلس وهدر زمن تنموي ثمين كان الأجدر أن يُستثمر في معالجة القضايا المصيرية للمدينة. وبدلاً من الانكباب على صياغة مشاريع مهيكلة تخرج أزرو من دائرة "الركود الاقتصادي"، تحولت قاعة الاجتماعات في العديد من الدورات إلى ساحة لتسجيل المواقف وتعميق الهوة بين الفرقاء السياسيين، وسط غياب تام لثقافة التوافق من أجل المصلحة العامة.
& ملفات حارقة تنتظر الحسم
وفي الوقت الذي يستمر فيه التجاذب السياسي، تدفع الساكنة المحلية ضريبة هذا الوضع المقلق، حيث تعالت الأصوات المطالبة بضرورة إبعاد قطاع النظافة وتدبير النفايات الصلبة عن الصراعات السياسية، بعد أن شهدت المدينة في فترات متفرقة تراجعاً في جودة الخدمات البيئية.
علاوة على ذلك، يظل ملف تأهيل البنية التحتية، وإصلاح الشوارع لتهيئة المدينة لاستقطاب الاستثمارات السياحية، من أبرز الملفات الحارقة التي تراوح مكانها. فالمدينة التي تزخر بمؤهلات طبيعية استثنائية تعاني من ضعف حاد في الجاذبية الاستثمارية، وهو ما يرجع بالأساس إلى غياب رؤية موحدة ومستقرة للمجلس الجماعي القائم على تقديم تحفيزات واضحة للمستثمرين وأصحاب المشاريع الشباب.
ويرى مهتمون بالشأن المحلي أن استمرار الوضع على ما هو عليه سيزيد من تعميق أزمة البطالة بين صفوف شباب المنطقة، ويعزز حالة الإحباط من العمل السياسي المحلي، مما يضع المجلس أمام ضرورة صياغة "تعاقد تنموي جديد" يُعيد للمدينة بريقها كقطب سياحي وبيئي رائد.
[] ثانياً: أزمة المداخيل بمكناس.. نزيف في المرافق الحيوية و76 مليار سنتيم ضائعة
على بُعد كيلومترات قليلة من أزرو، تعيش ردهات مجلس جماعة مكناس على وقع حراك سياسي ورقابي مماثل، عقب تفجير فرق المعارضة لنقاش حاد سلط الضوء على الاختلالات البنيوية التي تشوب تدبير المداخيل الذاتية للمدينة الإسماعيلية.
شهدت دورات المجلس الأخيرة مواجهات كلامية ساخنة وانتقادات لاذعة من طرف مستشاري المعارضة، الذين دقوا ناقوس الخطر بشأن ما وصفوه بـ"النزيف المستمر" و"شبه الانعدام" في مداخيل مرافق جماعية حيوية كان يُفترض أن تشكل صمام أمان للميزانية المحلية.
وانصبت الانتقادات بالأساس على أسواق الجملة والأسواق الأسبوعية، فضلاً عن تدبير مواقف السيارات وملاعب القرب، والتي باتت تُدبر بطرق تضيع على الحاضرة الإسماعيلية ملايين الدراهم سنوياً.
وفي هذا السياق، كشفت تقارير رقابية عن رقم صادم يتعلق بمبالغ "الباقي استخلاصه" (الديون غير المستخلصة لصالح الجماعة) التي قفزت إلى أزيد من 76 مليار سنتيم؛ وهو ما اعتبره فاعلون محليون هدراً حقيقياً للفرص التنموية، وعجزاً تدبيرياً يسائل نجاعة القنوات الجبائية وآليات التحصيل المعمول بها.
[] ثالثاً: رهان التحديث اللوجستيكي.. "الباص واي" طوق نجاة لفك عزلة النقل بالجهة
وفي مقابل هذا القلق المالي المرتبط بالتدبير الجماعي بمكناس، يلوح في الأفق مشروع طموح يقوده المركز الجهوي للاستثمار لجهة فاس-مكناس يروم إعادة صياغة الهوية البصرية والحركية للمدينة والجهة ككل؛ حيث أطلق المركز طلب عروض مخصصاً لإنجاز الدراسات والتهيئة المتعلقة بمشروع الحافلات عالية الجودة "الباص واي" (Busway).
ويسعى هذا المشروع الاستراتيجي إلى إحداث ثورة في قطاع النقل الحضري وشبه الحضري عبر توفير حافلات حديثة وسريعة تسير في مسارات مخصصة ومعزولة، ما من شأنه خفض زمن الرحلات وفك العزلة عن الأحياء الهامشية وتخفيف الضغط المروري الحاد الذي تعاني منه الشرايين الرئيسية لمدينة مكناس، مع ربطها بنسق تكاملي مع العاصمة العلمية فاس.
ويؤكد مراقبون للشأن المحلي أن نجاح المشاريع الهيكلية الكبرى كـ"الباص واي" يبقى رهيناً بمدى قدرة المجلس الجماعي على تحقيق الاستدامة المالية وتطهير ماليته من الديون المتراكمة، وضخ دماء جديدة في منظومة الاستخلاص الجبائي لإنقاذ الـ76 مليار سنتيم العالقة.
[] ⚽ رابعاً: أزمة "ملعب فاس الكبير" تشعل غضب الجماهير.. و"الماص" يرحل اضطرارياً إلى الجارة مكناس
ولم تتوقف تداعيات تدبير البنيات التحتية عند الشق المالي أو اللوجستيكي بالجهة، بل امتدت لتفجر أزمة رياضية عارمة بمدينة فاس؛ حيث أحدث القرار المفاجئ لإغلاق المركب الرياضي بفاس (الملعب الكبير) موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الرياضية بالعاصمة العلمية، لاسيما بين جماهير فريق المغرب الرياضي الفاسي (الماص)، التي وجدت فريقها العريق مجبراً على هجرة قواعده والبحث عن "ملاذ كروي آمن" خارج أسوار المدينة.
& توقيت يثير علامات الاستفهام
يأتي قرار الإغلاق في سياق رغبة السلطات والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في تأهيل وتحديث البنية التحتية للمركب الرياضي، تماشياً مع الالتزامات الدولية والوطنية المقبلة للمملكة في تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى. ومع ذلك، فإن توقيت هذا الإجراء تسبب في إرباك تام للمنظومة التقنية والإدارية للنادي.
واعتبرت الفصائل المشجعة للـ"الماص" أن اتخاذ قرار الإغلاق دون التفكير في بدائل محلية جاهزة داخل مدينة فاس يُعد "ارتجالاً تدبيرياً" يضر بمصالح الفريق ومنافساته الحالية في البطولة الوطنية الاحترافية، ويحرم النادي من مداخيل التذاكر والدعم الجماهيري المباشر.
& مكناس تحتضن الجار "الماصاوي"
وأمام هذا المأزق الرياضي، اضطر المكتب المديري للمغرب الفاسي إلى مراسلة سلطات الجارة مدينة مكناس والاتفاق مع إدارة النادي المكناسي من أجل استقبال مبارياته المقبلة على أرضية "الملعب الشرفي بمكناس".
ورغم أن هذه الخطوة اللوجستيكية نجحت في إنقاذ الموقف قانونياً وتنظيمياً، إلا أنها تفرض على النادي وجماهيره مشقة التنقل الأسبوعي وتكاليف إضافية، فضلاً عن المخاوف الأمنية والتنظيمية المرتبطة بتأمين حركية الجماهير بين المدينتين المتجاورتين. وتتعالى الأصوات اليوم في مدينة فاس لضرورة فتح تحقيق حول واقع البنية التحتية الرياضية بالمدينة، ومساءلة الجهات المعنية عن سبب عدم تأهيل ملاعب أخرى كملعب "الحسن الثاني" لتكون قادرة على احتضان مباريات الفريق في مثل هذه الظروف الطارئة.






0 التعليقات:
إرسال تعليق