فضاء الأطلس المتوسط نيوز/ محمد عبيد
يعد التعصب الأعمى للأفكار والجماعات والأشخاص من أخطر الأمراض التي تهدد العقول، لأنه يجعل الإنسان يتخلى، من حيث لا يشعر، عن حقه في التفكير والنقد، ويتحول إلى مجرد تابع يردد ما يقوله الآخرون، ويوالي أو يعادي بناء على الانتماء لا على الحقيقة.
في العالم الافتراضي، تكشف بعض التفاعلات عن هذه المعضلة بوضوح.
فما إن ينشر أحدهم مادة تناقش ظاهرة اجتماعية أو مجتمعية، حتى يسارع البعض إلى مهاجمة صاحبها، لا لمناقشة مضمونها أو تفنيد أفكارها، بل بسبب موقف مسبق منه أو اختلاف في الانتماء.
وقد تتحول التعليقات إلى تجريح وسخرية واتهامات، وكأن الاختلاف في الرأي مبرر لإلغاء الآخر ومصادرة حقه في التعبير.
المشكلة أن بعض المتلقين لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن موقف ينسجم مع قناعاتهم السابقة.
فإذا جاءت المعلومة موافقة لأهوائهم صدقوها دون تحقق، وإذا خالفتها رفضوها ولو كانت مدعمة بالدليل.
وهنا يصبح الأشخاص بديلا عن الأفكار، والانتماء معيارا للحكم، والصوت المرتفع أقوى من الحجة.
ويزداد الأمر خطورة عندما يستغل بعض الإعلاميين أو الدعاة أو المؤثرين مكانتهم لتوجيه العقول، وتقديم آرائهم باعتبارها حقائق نهائية.
لذلك، ينبغي أن يكون معيار القبول هو الدليل والمنطق، لا شهرة المتحدث ولا عدد أتباعه ولا الجماعة التي ينتمي إليها.
ولا يمكن إغفال أن هذا التعصب لا ينمو في فراغ، بل تغذيه خوارزميات العالم الافتراضي نفسه.
فهذه المنصات مصممة لتكافئ الانفعال لا الفكرة، والصوت الأعلى لا الحجة الأقوى.
كلما كان التعليق أكثر حدة وسخرية، انتشر أكثر، وكلما كان هادئا ومتوازنا، تراجع في الظل.
وهكذا تتشكل ما يسمى بـ "غرف الصدى"، حيث لا يسمع المرء إلا من يشبهه، فيظن أن رأيه هو الحقيقة كلها، وأن المختلف عنه هو عدو يجب إسكاته، لا شريك في البحث عن الصواب.
ومن المفيد، في هذا السياق، أن نفتح قوسا للحديث عن النمل.
فهذا الكائن الصغير يعيش داخل مجتمعات منظمة، تقوم على التعاون وتقسيم الأدوار والتواصل والعمل المشترك.
وقد أظهرت دراسات عن مجتمعات النمل أن أفراد المستعمرة يتعاونون لحل المشكلات ونقل الأحمال، بما يجعل الجماعة أكثر كفاءة من الفرد المنعزل.
لكن المفارقة أن الإنسان، رغم امتلاكه العقل والقدرة على التعلم، يضيع كثيرا من طاقته في الصراخ والخصومة والتعصب، ويبحث أحيانا عن أسرع الطرق للوصول وحده، ولو كان ذلك على حساب الجماعة.
أما النمل، فلا يضيع وقته في مهاجمة من يقترح اتجاها آخر، فإذا ظهر أن المسار غير مناسب، تغير المجموعة اتجاهها، لأن الغاية هي الوصول لا الانتصار الوهمي لنملة واحدة.
لسنا مدعوين إلى تقليد النمل حرفيا، لكننا مطالبون باستيعاب الدرس:
الاختلاف لا يبرر الإهانة، والنقد لا يعني العداء، ومناقشة ظاهرة اجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى معركة شخصية.
فلنختلف بعقلانية، ولنعلق باحترام، ولنجعل لنا ميثاقا بسيطا: ناقش الفكرة لا صاحبها، واطلب الدليل لا الاسم، واختلف دون أن تُلغي.
فالمجتمع الذي يفقد أدب الحوار، يفقد تدريجيا قدرته على التفكير، أما المجتمع الذي يحترم الدليل ويقبل النقد، فيمنح أفراده فرصة التعلم والتصحيح والتقدم.






0 التعليقات:
إرسال تعليق